المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سيول مكة في الإسلام: - شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام - جـ ٢

[التقي الفاسي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثاني

- ‌الباب السادس والعشرون: في ذكر شيء من خبر إسماعيل عليه السلام وذكر ذبح إبراهيم لإسماعيل عليهما السلام

- ‌الباب السابع والعشرون:

- ‌في ذكر شيء من خبر هاجر أم إسماعيل عليه السلام:

- ‌ذكر أسماء أولاد إسماعيل وفوائد تتعلق بذلك:

- ‌ذكر شيء من خبر بني إسماعيل عليه الصلاة والسلام:

- ‌ذكر ولاية نابت بن إسماعيل للبيت الحرام:

- ‌الباب الثامن والعشرون:

- ‌ذكر ولاية إياد بن نزار بن معد بن عدنان للكعبة:

- ‌ذكر ولاية بني إياد بن نزار الكعبة وشيء من خبرهم وخبر مضر ومن ولي الكعبة من مضر قبل قريش:

- ‌الباب التاسع والعشرون:

- ‌في ذكر من ولي الإجازة بالناس من عرفة ومزدلفة ومنى من العرب في ولاية جرهم وفي ولاية خزاعة وقريش على مكة:

- ‌الباب الثلاثون

- ‌في ذكر من ولي إنساء الشهور من العرب بمكة

- ‌ذكر صفة الإنساء

- ‌ذكر الحمس والحلة

- ‌ذكر الطلس:

- ‌الباب الحادي والثلاثون:

- ‌ذكر نسبهم:

- ‌ذكر سبب ولاية خزاعة لمكة في الجاهلية:

- ‌ذكر مدة ولاية خزاعة لمكة في الجاهلية:

- ‌ذكر أول من ولي البيت من خزاعة وغير ذلك من خبر جزهم

- ‌ذكر شيء من خبر عمرو بن عامر الذي تنسب إليه خزاعة وشيء من خبر بنيه:

- ‌الباب الثاني والثلاثون:

- ‌الباب الثالث والثلاثون:

- ‌في ذكر شيء من خبر بني قصي بن كلاب:

- ‌الباب الرابع والثلاثون

- ‌في ذكر شيء من خبر الفجار والأحابيش

- ‌ذكر يوم العبلاء:

- ‌ذكر يوم شرب:

- ‌ذكر يوم الحريرة:

- ‌ذكر الفجار الأول وما كان فيه بين قريش وقيس عيلان وسبب ذلك:

- ‌ذكر شيء من خبر الأحابيش ومحالفتهم لقريش:

- ‌الباب الخامس والثلاثون:

- ‌ذكر شيء من خبر حلف الفضول:

- ‌ذكر شيء من خبر ابن جدعان الذي كان في داره حلف الفضول:

- ‌ذكر شيء من خبر أجواد قريش في الجاهلية:

- ‌ذكر الحكام من قريش بمكة في الجاهلية:

- ‌ذكر تملك عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن كلاب القرشي الأسدي على قريش بمكة وشيء من خبره:

- ‌الباب السادس والثلاثون:

- ‌ذكر شيء من خبر فتح مكة:

- ‌ذكر فوائد تتعلق بخبر فتح مكة:

- ‌الباب السابع والثلاثون:

- ‌في ذكر شيء من ولاة مكة المشرفة في الإسلام:

- ‌الدولة العباسية:

- ‌الباب الثامن والثلاثون

- ‌في ذكر شيء من الحوادث المتعلقة بمكة في الإسلام

- ‌الباب التاسع والثلاثون:

- ‌سيول مكة في الجاهلية:

- ‌سيول مكة في الإسلام:

- ‌ذكر شيء من أخبار الغلاء والرخص والوباء بمكة المشرفة على ترتيب ذلك في السنين:

- ‌الباب الأربعون:

- ‌في ذكر الأصنام التي كانت بمكة وحولها وشيء من خبرها:

- ‌ذكر أسواق مكة في الجاهلية والإسلام:

- ‌ذكر شيء مما قيل من الشعر في التشوق إلى مكة الشريفة وذكر معالمها المنيفة:

- ‌خاتمة المؤلف للكتاب:

- ‌الملحق الأول:‌‌ ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام

- ‌ ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام

- ‌الملحق الثاني في الدرة الثمينة في تاريخ المدينة

- ‌مقدمة بقلم اللجنة التي أشرف على تحقيق الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف:

- ‌الباب الأول- في ذكر أسماء المدينة وأول من سكنها

- ‌الباب الثاني: في ذكر فتح المدينة

- ‌الباب الثالث: في ذكر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

- ‌الباب الرابع: في ذكر فضائلها وما جاء في ترابها

- ‌الباب الخامس: في ذكر تحريم النبي للمدينة وحدود حرمها

- ‌الباب السادس: في ذكر وادي العقيق وفضله

- ‌الباب السابع: في ذكر آبار المدينة وفضلها

- ‌الباب الثامن: في ذكر جبل أحد وفضله وفضل الشهداء به

- ‌الباب التاسع: في ذكر إجلاء النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير من المدينة

- ‌الباب العاشر: حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول المدينة

- ‌الباب الحادي عشر: في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة

- ‌الباب الثاني عشر: في ذكر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفضله

- ‌الباب الثالث عشر: في ذكر المساجد التي بالمدينة وفضلها

- ‌الباب الرابع عشر: في ذكر مسجد الضرار وهده

- ‌الباب الخامس عشر: في ذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما

- ‌الباب السادس عشر: في ذكر فضل زيارة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الباب السابع عشر: في ذكر البقيع وفضله

- ‌الباب الثامن عشر: في ذكر أعيان من سكن المدينة من الصحابة ومن بعدهم

- ‌الملحق الثالث في‌‌ العمارة التي أدخلت على المسجد النبوي الشريفمنذ إنشائه حتى اليوم وفوائد أخرى عن المدينة

- ‌ العمارة التي أدخلت على المسجد النبوي الشريف

- ‌ المسجد النبوي الشريف قبل التوسعة السعودية:

- ‌ سير العمل في العمارة الجديدة:

- ‌ المباني التي هدمت:

- ‌ وصف المسجد النبوي الشريف بعد التوسعة

- ‌ أبواب الحرم النبوي الشريف:

- ‌ حول عمارة المسجد النبوي الشريف:أسئلة موجهة من الحاج عبد الشكور فدا إلى سعادة الشيخ صالح القزاز وإجابة فضيلته عليها:

- ‌الملحق الرابع: بعض آثار المدينة والمزارات وغيرها

- ‌مساجد المدينة المنورة

- ‌ القصور التاريخية بالمدينة:

- ‌ خزانات ماء الشرب

- ‌كلمة الختام:

- ‌فهرس المحتويات:

الفصل: ‌سيول مكة في الإسلام:

‌الباب التاسع والثلاثون:

‌سيول مكة في الجاهلية:

روينا بالسند المتدقم إلى الأزرقي قال: سيولة مكة في الجاهلية.

حدثني محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز قال: إن وادي مكة سال في الجاهلية سيلا عظيما وخزاعة تلي الكعبة، وأن ذلك السيل هجم على أهل مكة، ودخل المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة، ورمي شجر بأسفل مكة، وجاء برجل وامرأة ميتين؛ فعرفت المرأة، كانت تسكن بأعلى مكة، يقال لها فارة، ولم يعرف الرجل، فبنت خزاعة حوالي البيت بناء وأدارته1 عليه، وأدخلوا الحجر فيه ليحصنوا البيت من السيل؛ فلم يزل ذلك البناء على حاله حتى بنت قريش الكعبة، فسمى ذلك السيل: سيل فارة، وسمعت أنها امرأة من بني بكر2.

وبه قال الأزرقي: حدثني جدي عن سفيان عن عمرو بن دينار، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: حدثني أبي عن جده قال: جاء سيل في الجاهلية كسا ما بين الجبلين3 وبه قال الأزرقي.

1 في أخبار مكة للأزرقي 2/ 166: "أدروه".

2 أخبار مكة للأزرقي 2/ 166.

3 أخبار مكة للأزرقي 1/ 103، وإسناده صحيح، ورواه الأزرقي في أخبار مكة 2/ 167.

ص: 314

‌سيول مكة في الإسلام:

قال الأزرقي: "سيول وادي مكة في الإسلام": حدثني جدي قال: وسال وادي مكة في الإسلام بأسيال عظام مشهورة عند أهل مكة؛ منها: سيل في خلافة عمر بن

ص: 314

الخطاب رضي الله عنه يقال له: سيل أم نهشل، أقبل السيل حتى دخل المسجد الحرام من الوادي ومن أعلى مكة من طريق الردم، وبين الدارين1، وكان ذلك السيل ذهب بأم نهشل بنت عبيد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس؛ حتى استخرجت منه بأسفل مكة؛ فمسي: سيل أم نهشل، واقتلع السيل المقام -مقام إبراهيم الخليل -عليه أفضل الصلاة والسلام- وذهب به حتى وجد بأسفل مكة، وعين مكانه الذي كان فيه، وأخذ فربط بلصق الكعبة بأستارها، وكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك فجاء فزعا، حتى رد المقام مكانه، ثم قال: فعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تلك السنة الردم الذي يقال له: ردم عمر، وهو الردم الأعلى عند دار جحش بن رئاب، التي يقال لها: دار إبان بن عثمان إلى دار بيه؛ فبناه بالضفائر والصخر العظام، وكبسه، فسمعت جدي يذكر أنه لم يعله سيل منذ ردمه عمر رضي الله عنه إلى اليوم. وقد جاء من بعده أسيال عظام، كل ذلك لا يعلوه منها شيء2.

قال الأزرقي: ذكر سيل الجحاف، وما جاء في ذلك، قال:

وكان سبيل الجحاف في سنة ثمانين وفي خلافة عبد الملك بن مروان، صبح الحاج يوما، وكان يوم التروية، وهم آمنون قارون3، قد نزلوا إلى وادي مكة، واضطربوا الأبنية، ولم يكن عليهم من المطر إلا شيء يسير؛ إنما كانت السماء في صدر الوادي، وكان عليهم من ذلك رشاش4.

قال الأزرقي: قال جدي: حدثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: لم يكن المطر عام الجحاف على مكة إلا شيئا يسيرا؛ وإنما كان شدته بأعلى الوادي، قال: فصبحبهم يوم التروية بالغبش قبل صلاة الصبح، فذهب بهم وبمتاعهم، ودخل المسجد وأحاط بالكعبة، وجاء دفعة واحدة، وهدم الدور على الشوارع وعلى الوادي، وقتل الهدم أناسا كثيرا، ورقي الناس في الجبال واعتصموا بها؛ فسمي ذلك الجحاف؛ وقال فيه عبد الله بن أبي عمار:

ولم تر عيني مثل يوم الاثنين5

أكثر محزونا وأبكى للعين

1 الدارين هما: دار أبو سفيان، ودار حنظلة بن أبي سفيان.

2 أخبار مكة للأزرقي 2/ 167 و168، أخبار مكة للفاكهي 3/ 104، العقد الثمين 1/ 405، إتحاف الورى 2/ 7.

3 في أخبار مكة للأزرقي، وإتحاف الورى 2/ 108:"غارون" وهو تصيف.

4 في أخبار مكة للأزرقي 2/ 168: "رشاس من ذلك".

5 هو اليوم الذي جاء فيه السيل، ذكر ذلك البلاذري 1/ 62.

ص: 315

إذ خرج المختبئات تسعين

سواندا في الجبلين يرقين1

فكتب في ذلك إلى عبد الملك بن مروان، ففزع لذلك، وبعث بمال عظيم، وكتب إلى عامله على مكة عبد الله بن سفيان المخزومي -ويقال: بل كان عامله الحارث بن خالد المخزومي- يأمره بعمل شفائر الدور الشارعة على الوادي للناس من المال الذي بعث به، وعمل ردما على أفواه السكك تحصن بها درر الناس من السيول، وبعث رجلا "معد بن مهند" في عمل ذلك، وعمل ضفائر المسجد الحرام، وضفائر الدور في جنبتي الوادي؛ فكان من تلك الردم، الردم الذي يقال له ردم الحزامية على فوهة بخط الحزامية2، والردم الذي يقال له: ردم بني جمح، وليس لهم؛ ولكنه لبني قراد الفهريين، فغلب عليه ردم بني جمح، وله يقول الشاعر:

سأملك عبرة وأفيض أخرى

إذا جاوزت ردم بني قراد3

قال: فأمر عامله بالصخر العظام4، فنقلت له على العجل، وحفر الرباط دون دور الناس؛ فبناها به وأحكمها من المال الذي بعث به، قالوا: فكانت الخيل والثيران تجر ذلك العجل، حتى ربما أنفق في المسكن الصغير لبعض الناس مثل ثمنه مرات، ومن تلك الضفائر أشياء إلى اليوم قائمة على حالها من دار أبان بن عثمان التي هي ردم عمر رضي الله عنه، وهلم جرا إلى دار ابن الخوار؛ فتلك الضفائر التي في رباط تلك الدور كلها، مما عمل من ذلك المال، ومن ردم بني جمح منحدرا في الشق الأيسر إلى أسفل مكة، وأشياء من ذلك المال، ومن ردم بني جمح منحدرا في الشق الأيسر إلى أسفل مكة، وأشياء من ذلك هي على حالها، وأما الضفائر دار أويس التي بأسفل مكة ببطح نحر الوادي: فقد اختلف علينا في أمرها؛ فقال بعضهم: هي من عمل عبد الملك، وقال آخرون: هي من عمل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وهو أثبتهما عندنا5.

وكان جاء بعد ذلك سيل يقال له سيل المخبل في سنة أربع وثمانين، وأصاب الناس عقبه مرض شديد في أجسادهم وألسنتهم، أصابهم منه شبه الخبل6، فسمي: المخبل7، وكان عظيما دخل المسجد الحرام وأحاط بالكعبة8.

1 سواندا، وفي نسخة: شوادرا، وكذا في إتحاف الورى:

شواردا في الجابين يرقين

2 خط الخزامية: يقع عند باب الوداع.

3 فتوح البلدان 1/ 62، 63.

4 في أخبار مكة للأزرقي 2/ 169، إتحاف الورى 2/ 110:"بالصخر العظام".

5 أخبار مكة للأزرقي في 2/ 168، 170، إتحاف الورى 2/ 108، أخبار مكة للفاكهي 3/ 105.

6 كذا في الأصل، وفي أخبار مكة للأزرقي.

7 في أخبار مكة للأزرقي: "سيل المخبل".

8 إتحاف مكة 2/ 111، أخبار مكة للأزرقي 2/ 169.

ص: 316

وكان بعد ذلك أيضا سيل عظيم -في سنة أربع وثمانين ومائة- وحماد البربري أمير على مكة -دخل المسجد الحرام، وذهب بالناس وأمتعتهم، وغرق الوادي في أثره في خلافة الرشيد هارون1.

وجاء سيل في سنة اثنتين ومائيتين في خلافة المأمون، وعلى مكة: يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي، خليفة لحمدون بن علي بن عيسى بن ماهان؛ فدخل المسجد الحرام وأحاط بالكعبة، وكان دون الحجر الأسود بذراع، ورفع المقام عن مكانه؛ لما خيف عليه أن يذهب به السيل، وهدم دورا من دور الناس، وذهب بناس كثير، وأصاب الناس بعده مرض شديد من وباء وموت وفاش؛ فسمى ذلك السيل: سيل ابن حنظلة2.

ثم جاء بعد ذلك في خلافة المأمون، هو أعظم من سيل ابن حنظلة في سنة ثمان ومائتين في شوال، جاء والناس غافلون؛ فامتلأ السد الذي بالثقبة3، فلما فاض انهدم السد، فجاء السيل الذي اجتمع فيه مع سيل السدرة، وسيل ما أقبل منى؛ فاجتمع ذلك كله، فجاء جملة، فاقتحم المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة، وبلغ الحجر الأسود، ورفع المقام من مكانه لما خيف عليه أن يذهب به، فكبس المسجد الحرام والواغدي بالطين والبطحاء، وقلع صناديق الأسواق ومقاعدهم، وألقاها بأسفل مكة، وذهب بأناس كثيرين، وهدم دورا كثيرا مما أشرف على الوادي. وكان أمير مكة يومئذ: عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وعلى بريد مكة وصوافيها: مبارك الطبري. وكان وافى تلك السنة للعمرة في شهر رمضان قوم من الحجاج من أهل خراسان وغيرهم كثير؛ فلما رأى الناس من الحجاج وأهل مكة ما في المسجد من الطين والتراب، اجتمع الناس فكانوا يعملون بأيديهم ويستأجرون من أموالهم؛ حتى كان النساء بالليل والعواتق يخرجن فينقلن التراب التماس الأجر والبركة؛ حتى رفع من المسجد الحرام ونقل ما فيه؛ فرفع ذلك إلى المأمون فأرسل بمال عظم، وأمر أن يعمر به في المسجد، ويبطح ويعزق وادي مكة، فعزق منه وادي مكة، وعمر المسجد الحرام وبطح، ثم لم يعزق وادي مكة، حتى كانت سنة سبع وثلاثين ومائتين؛ فأمرت أم أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله باثنتي عشرة ألف دينار لعزقه، فعزق بها عزقا مستوعبا4

انتهى.

1 أخبار مكة للأزرقي 2/ 170.

2 إتحاف الورى 2/ 279، أخبار مكة للأزرقي 2/ 170.

3 الثقبة -بالتحريك: جبل بين حراء ومكة وتحته مزارع "مراصد الاطلاع 1/ 279".

4 إتحاف الورى 2/ 282، أخبار مكة للأزرقي 2/ 271، أخبار مكة للفاكهي 3/ 109.

ص: 317

هذا ما ذكر الأزرقي من سيول وادي مكة في الجاهلية والإسلام1.

وذكر الفاكهي2 السيول الذي ذكرها الأزرقي أخصر مما ذكره، وذكر أن في ذلك غير ما لم يذكره الأزرقي؛ لأنه ذكر أن السيل الذي يقال له "المخبل": كان في ولاية حماد البربري على مكة، وهذا لا يفهم من كلام الأزرقي.

وذكر أن السيل الذي يقال له "سيل ابن حنظلة" كان عظيما امتلأ به الوادي وعلاه قيد رمح، وهذا أيضا لا يفهم من كلام الأزرقي. ونقل الفاكهي هذا عن ابن إسحاق عن ابن عباس.

ومن أمطار مكة وسيولها التي كانت قبل الأزرقي ولم يذكرها، ما ذكره ابن جرير الطبري في تاريخه؛ لأن فيه: أخبار سنة ثمان وثمانين من الهجرة: وعن صالح بن كيسان قال: خرج عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تلك السنة -يعني سنة ثمان وثمانين- ومعه نفر من قريش3 أرسل إليهم بصلات، وظهر للحمولة، وأحرموا معه من ذي الحليفة، وساق معه بدنا؛ فما كان بالشفير4 لقيهم نفر من قريش، منهم ابن أبي مليكة وغيره؛ فأخبروه أن مكة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاج العطش؛ وذلك أن المطر قل، فقال عمر رضي الله عنه: فالمطلب هاهنا: تعالوا ندع الله -تعالى- قال: فرأيتهم دعوا، ودعا معهم عمر رضي الله عنه؛ فألحوا في الدعاء، قال صالح: فلا والله إنا وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر، حتى كان مع الليل، وسكبت السماء، وجاء سيل الوادي؛ فجاء أمر، فخافه أهل مكة، ومطرت عرفة، ومنى، وجمع، فما كانت إلا عبرا5. قال: وكانت مكة تلك السنة مخصبة6

انتهى.

وذكر ابن الأثير هذا بالمعنى مختصرا، وفيه: أنهم لقوا عمر رضي الله عنه بالتنعيم، ولعل الشفير الذي وقع فيما نقلناه من تاريخ ابن جرير تصحيف من الكاتب، والله -تعالى- أعلم7.

ومنها: "سيل أبي شاكر" في ولاية هشام بن عبد الملك في سنة عشرين ومائة، وأبو شاكر المنسوب إليه هذا السيل هو: سلمة بن هشام بن عبد الملك. ولم يبين الفاكهي سبب تسمية هذا السيل بأبي شاكر؛ وذلك لأن أبا شاكر حج بالناس سنة تسع

1 ذكر الأزرقي في مواضع متفرقة من كتابه عدة سيول أخرى منها: سيل وقع سنة "225هـ"، وآخر عام "240 هـ".

2 أخبار مكة الفاكهي 3/ 108.

3 عند الطبري 6/ 437: "بعده من قريش".

4 عند الطبري 6/ 437: "بالتنعيم".

5 العبر: الكثير من الشيء والسحاب السريع.

6 تاريخ الطبري 6/ 437 و438.

7 الكامل لابن الأثير 4/ 534، إتحاف الورى 2/ 113.

ص: 318

عشرة ومائة -على ما ذكر العتيقي وغيره- وجاء هذا السيل عقيب حج أبي شاكر؛ فسمي به، والله أعلم1.

ومنها: سيل الأميري في خلافة المهدي العباسي سنة ستين ومائة، وكان هذا السيل ليومين بقيا من المحرم، وذكر هذين السيلين الفاكهي بمعنى ما ذكرناه2 والله سبحانه وتعالى أعلم.

ومن أمطار مكة وسيولها في عصر الأزرقي أو بعده بقليل: سيل كان في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ودخل المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة، وبلغ قريبا من الركن الأسود، ورمى بالدور بأسفل مكة، وذهب بأمتعة الناس وخرب منازلهم، وملأ المسجد الحرام حتى جر ما في المسجد من التراب بالعجل3.

ومنها: في سنة اثنتين وستين ومائتين جاء سيل عظيم، ذهب بحصباء المسجد الحرام حتى عري منها4.

ومنها: سيل في سنة ثلاث وستين ومائتين؛ وذلك أن مكة مطرت مطرا شديدا، حتى سال الوادي، ودخل السيل من أبواب المسجد، فامتلأ المسجد، ونبع الماء قريبا من الحجر الأسود، ورفع المقام من موضعه، وأدخل في الكعبة للخوف عليه من السيل5، ذكر هذه السيول الفاكهي بهذا اللفظ، غير قليل منه فبالمعنى.

ومن أمطار مكة وسيولها بعد الأزرقي، ما ذكره إسحاق بن أحمد الخزاعي، راوي تاريخ الأزرقي، وأدخله فيه عقيب الخبر الذي فيه: أنه يأتي على زمزم زمان يكون أعذب من النيل والفرات؛ لأنه قال: وقد رأينا ذلك في سنة إحدى وثمانين ومائتين؛ وذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة، وسال واديها بأسيال عظام في سنة تسع وسبعين، وسنة ثمانين ومائتين، فكثر ماء زمزم، وارتفع حتى كان قارب رأسها؛ فلم يكن بينه وبين شفتها العليا إلا سبع أذرع أو نحوها، وما رأيتها قط كذلك، ولا سمعت من يذكر أنه رآها كذلك، وعذبت جدا حتى كان ماؤها أعذب من مياه مكة التي يشربها أهلها6

انتهى.

ومنها: ما ذكره المسعودي في تاريخه في أخبار سنة سبع وتسعين ومائتين، ونص كلامه: ورد الخبر إلى مدينة السلام بأن أركان البيت الحرام غرقت حتى جرى

1 إتحاف الورى 2/ 153، أخبار مكة للأزرقي 2/ 311، أخبار مكة للفاكهي 3/ 170.

2 إتحاف الورى 2/ 203، العقد الثمين 1/ 206، أخبار مكة للفاكهي 3/ 108.

3 أخبار مكة للأزرقي 2/ 311 ملحق سيول مكة رقم 216، إتحاف الورى 2/ 331، درر الفرائد "ص: 230"، أخبار مكة للفاكهي 3/ 113.

4 أخبار مكة للأزرقي 2/ 312، إتحاف الورى 2/ 238.

5 إتحاف الورى 2/ 339.

6 إتحاف الورى 2/ 347، 348.

ص: 319

الغرق في الطواف، وفاضت بئر زمزم، وأن ذلك لم يعهد فيما سلف من الزمان1

انتهى.

ومنها: أنه في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وقع بمكة مطر سبعة أيام، وسقطت منه الدور، وقد تضرر الناس من ذلك كثيرا2.

ومنها على ما وجدت بخط الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد بن البرهان الطبري: أنه في سنة تسع وأربعين وخمسمائة وقع بمكة مطر سال منه وادي إبراهيم، ونزل مع الماء برد بقدر البيض، وزن بميزان أخي زهير مائة درهم.

ومنها على ما وجدت بخطه: أنه في سنة تسع وستين وخمسمائة وقع بمكة مطر وجاء سيل كبير إلى أن دخل من باب بني شيبة ودخل دار الإمارة ولم ير سيل قط قبله دخل دار الإمارة

انتهى.

ومنها على ما وجدت بخطه: أنه في سنة تسع وسبعين وخمسمائة كثرت الأمطار والسيول بمكة، وسال وادي إبراهيم خمس مرات.

ومنها على ما وجدت بخطه: أنه في سنة تسع وستين وخمسمائة جاء سيل عظيم في يوم الاثنين الثامن من صفر ودخل الكعبة وأخذ ضرفتي3 باب إبراهيم، وحمل منابر الخطبة ودرجة الكعبة، ووصل الماء إلى فوق القناديل التي في وسط المسجد بكثير4

انتهى.

ورأيت في نسخة في تاريخ الأزرقي في حاشية صورتها: جاء أسيل في يوم الاثنين لثمان خلون من صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، هدم دورا على حافتي وادي مكة ودخل المسجد الحرام وعلا الحجر الأسود، ذراعين، ودخل الكعبة فبلغ قريبا من الذراع، وأخذ ضرفتي باب إبراهيم، وسال بهما

انتهى.

وفي هذا زيادة على ما ذكر ابن البرهام؛ كون السيل بلغ في الكعبة قريبا من ذراع، وكونه أخذ ضرفتي باب إبراهيم، وكونه هدم دورا على جانبي وادي مكة.

ومنها: سيل على رأس العشرين وستمائة؛ ذكر ذلك ابن مسدي في "معجم شيوخه"؛ لكون هذا السيل أذهب إثبات بعض شيوخه، وذكر أنه طم بمكة5.

1 مروج الذهب 4/ 307.

2 إتحاف الورى 2/ 504، العقد الثمين 7/ 446.

3 الضرفة بالعامية المصرية: شق الباب حين يكون مقسما إلى قسمين، وبالشامية: درفة.

4 إتحاف الورى 2/ 563، العقد الثمين 1/ 207.

5 إتحاف الورى 3/ 37، العقد الثمين 1/ 207.

ص: 320

ومنها على ما وجدت بخط الشيخ أبي العباس الميورقي: أنه في منتصف ذي القعدة عام عشرين وستمائة أتى سيل عظيم قارب دخول بيت الله الحرام، ولم يدخله

انتهى.

ولعله السيل الذي ذكره ابن مسدي، والله أعلم.

ومنها على ما وجدت بخطه: سيل في سنة إحدى وخمسين وستمائة.

ومنها على ما وجدت بخطه -أيضا: أنه في ليلة نصف شعبان سنة تسع وستين وستمائة أتى سيل لم يسمع بمثله في هذه الإعصار، بأثر سيل في أول يوم الجمعة، يعني رابع عشر شعبان هذه السنة، ودخل البيت الله الحرام -شرفه الله تعالى- وألقى كل زبالة في المعلاة في الحرم -قدسه الله تعالى- قال لي الشيخ عبد الله بن محمد ابن الشيخ أبي العباس أحمد التونسي المعروف بالأعمى: لم يكن ليلة النصف من شعبان بالحرم أحد إلا أن الحرم بقي كالبحر، يموج منبره فيه، وما سمعت تلك الليلة مؤذنا؛ لأنه بقي الناس من خوف الهدم والغرق في أمر عظيم، حتى خشي أنه ينسى كثير من الناس الفرض؛ فكيف بصلاة ليلة النصف من شعبان المكرمة، قال: وتوهمت أنا أنه طرد لأهل مكة عن بيته؛ لأنهم كانوا قد استعدوا على العادة لصلاة نصف شعبان، وأخرجوا من صلاة الجمعة، فأتمها الإمام، ولم ير تلك الليلة طائف إلا ما سمع في السحر برجل يطوف بالعوم. فتعجب الناس من قوته وجسارته، قال القلعي: إن الحجر الأسود لا يستطاع إلا لمن كان عواما غطاسا، وقال الفقيه يعقوب القاضي: حمل سيل مكة عالما عظيما، وطاحت الدور على عالم أيضا1

انتهى.

ومنها: سيل عظيم في ليلة الأربعاء سادس عشر ذي الحجة سنة ثلاثين وسبعمائة؛ ذكره قاضي مكة شهاب الدين الطبري في كتاب كتبه لبعض أصحابه بعد الحج في هذه السنة، ونص المكتوب في الكتاب فيما يتعلق بهذا السيل: وجاء الناس سيل عظيم بلا مطر ليلة الأربعاء سادس عشر من ذي الحجة ملأ الفساقي التي عند المعلاة، وعند مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرب البساتين، وملأ الحرم، وأقام الماء فيه يومين، والعمل مستمر فيه يلزم الناس شغل مدة كثيرة2

انتهى.

ومنها على ما ذكر البرزالي في "تاريخه": أن في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وقع بمكة أمطار وصواعق، ووقعت صاعقة أبي قبيس فقتلت رجلا، ووقع في مسجد الخيف صاعقة فقتلت آخر، ووقع في الجعرانة صاعقة فقتلت رجلين3

انتهى.

1 إتحاف الورى 3/ 100، درر الفرائد "ص: 283"، العقد الثمين 1/ 207.

2 إتحاف الورى 3/ 193.

3 إتحاف الورى 3/ 200، درر الفرائد "ص: 305".

ص: 321

ومن أخبار الصواعق: صاعقة وقعت بمكة قبل سنة سبعمائة وبعد التسعين -بتقديم التاء- وستمائة هلك بها بعض مؤذني الحرم.

ومنها: صاعقة وقعت في المسجد الحرام، فقتلت خمسة نفر؛ وذلك في سنة أربع وخمسين ومائة. ذكر ذلك الواقدي فيما حكاه الذهبي عنه1.

ومنها على ما وجدت بخط ابن البرهان: أنه في ليلة الخميس العاشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة دخل سيل عظيم إلى المسجد الحرام، وبلغ في الكعبة شبرا وأربع أصابع

انتهى.

وقد ذكر هذا السيل ابن محفوظ في تاريخه؛ فقال: وفي تلك السنة يعني سنة ثمان وثلاثين جاء سيل وادي إبراهيم؛ حتى أنه دخل الحرم، فطلع في وسط الكعبة قدر ذراع، وبلغ الماء إلى القناديل التي بالأورقة، وبقيت المنابر منابر الخطبة ودرجة الكعبة كأنهم ترابا عظيما، وقعد الناس في تقويمه مدة

انتهى.

ورأيته مذكورا بأبسط من هذا في ورقة لا أعرف كاتبها، فرأيت أن أذكر ذلك أما فيه من الفائدة، ونص مكتوب:

ولما كان عام ثمانين وثلاثين وسبعمائة -أحسن الله تقضية وعقباه- ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى منه، الموافق خامس كانون الأول، قدر الله تعالى غيما، وردعوا مزعجة، وبروقا مخيفة، ومطر وابل كأفواه القرب على الملأ من علو، ثم وقعت السيول من كل جهة، وكان وبل بمكة -شرفها الله تعالى وحماها، وكان معظم السيل من جهة البطحاء؛ فدخل الحرم الشريف من جميع الأبواب التي تليه: من باب بني شيبة إلى باب إبراهيم، وحفر في الأبواب، وجعل حول الأعمدة في طريقه مقدار قامتين وأكثر ولو لم تكن أساسات الأعمدة محكمة لكان رمى بها وقلع من أبواب الحرم أماكن، وطاف بها الماء؛ فطاف بالمنابر كل واحدة إلى جهة، وبلغ عند الكعبة المعظمة قامة ووصل إلى قناديل من خلل الباب، وعلا الماء فوق عتبتها أكثر من نصف ذراع بل شبرين، ووصل إلى قناديل المطاف، وعبر في بعضها من فوقها فطفأه، وغرق بعض المجاورات من النساء اللواتي في المصاطب، وخرب بيوتا كثيرة، وغرق بعض أهلها، وبعضهم مات تحت الردم، وكان أمرا مهولا قدرة قادرة يقول للشيء كن فيكون سبحانه وتعالى ولو دام ذلك النوء إلى الصباح لكانت عرفت مكة، والعياذ بالله، وذكره أيضا: الشيخ عماد الدين بن كثير في "تاريخه" بما يقضي تعظيمه2.

1 تاريخ الإسلام 6/ 106.

2 إتحاف الورى 3/ 212، ويعرف هذا السيل بسيل القناديل.

ص: 322

ولم يجئ مكة -فيما علمت- بعد هذا السيل سيل على نحو هذه الصفة؛ إلا سيل كان بمكة في سنة اثنتين وثمانمائة؛ وذلك أنه في آخر اليوم الثامن من جمادى الأول من هذه السنة، نشأت مخايل، واستهلت بالغيث ساعة بعد ساعة، وكان الحال هكذا في اليوم التاسع من هذا الشهر، وفي آخره اشتد استهلال الغيث، واستمر الحال على ذلك إلى بعد المغرب من ليلة الخميس عاشر الشهر المذكور؛ فصار المطر يصب كأفواه القرب، وما شعر الناس إلا سيل وادي إبراهيم قد هجم مكة؛ فلما حاذى وادي أجياد خالطه السيل الذي جاء منه، وصار ذلك بحرا زاخرا، فدخل السيل المسجد الحرام من غالب أبوابه، وعمه كله، وكان عمقه في المسجد خمسة أذرع، على ما ذكر لي بعض أصحابنا في كتابه؛ لأني كنت غائبا عن مكة في الرحلة الثانية منها. وذكر لي بعض مشايخنا أن عمقه في جهة باب إبراهيم فوق قامة وبسطة، وأنه علا على عتبة باب الكعبة المعظمة قدر ذراع أو أكثر فيما قيل، ودخلها السيل من شق بابها الشريف، واحتمل درجة الكعبة المعظمة قدر ذراع أو أكثر فيما قيل، ودخلها السيل من شق بابها الشريف، واحتمل درجة الكعبة المعظمة فألقاها عند باب إبراهيم، ولولا صد بعض العواميد لها لحملها إلى حيث ينتهي، وأخرب عمودين في المسجد الحرام عند باب العجلة، بما عليهما من العقود والسقف، ولولا ما لطف الله به من تصرفه من المسجد سريعا لأخرب المسجد؛ لأنه كان يقد الأرض قدا، وأخرب دورا كثيرة بمكة، وسقط بعضها على سكانها فماتوا، وجملة من استشهد بسببه -على ما قيل- نحو ستين نفرا، وأفسد للناس من الأمتعة شيئا كثيرا، وأفسد في المسجد مصاحف كثيرة، ولما أصبح الناس نادى لهم المؤذن لصلاة الصبح بالصلاة في بيوتهم؛ للمشقة العظيمة في المشي في الطرقات إلى المسجد الحرام؛ لأجل الوحل والطين، وامتلأ المسجد بذلك أيضا، وكذلك صنع المؤذن لصلاة الصبح يوم الجمعة، ولم يخطب الخطيب يوم الجمعة إلا في الجانب الشمالي من المسجد الحرام، لعدم تمكنه من الخطبة في الموضع الذي جرت العادة بخطبته فيه، وهو الركن الشامي لما في هذا الموضع من الوحل والطين. وبلغني أن ناسا مكثوا يومين لا يتمكنون من الطواف لأجل ذلك إلا بمشقة، وبالجملة فكان سيلا مهولا، فسبحان الفعال لما يريد1.

ومن سيول مكة المهولة بعد هذا السيل: سيل يدانيه؛ لدخول المسجد الحرام، وارتفاعه فيه فوق الحجر الأسود حتى بلغ عتبة باب الكعبة الشريفة، وألقى درجتها عند منارة باب الحزورة، وكان هجم هذا السيل على المسجد الحرام عقيب صلاة الصبح، من يوم السبت سابع وعشرين من ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثمانمائة، وكان المطر وقع بقوة عظيمة في آخر هذه الليلة؛ فلما كان وقت صلاة الصبح، صلى الإمام الشافعي

1 إتحاف الورى 3/ 419، العقد الثمين 1/ 208.

ص: 323

بالناس أمام زيادة دار الندوة بالجانب الشامي من المسجد الحرام؛ لتعذر الصلاة عليه بمقام إبراهيم وما يليه هناك؛ فلما انقضت صلاته للصبح حمل الفراش الشمع ليوصله إلى القبة المعدة لذلك، بين سقاية العباس، وقبة زمزم؛ فإذا الماء في صحن المسجد يعلوه قليلا قليلا، ولم يتمكن من إيصال الشمع للقبة إلا بعسر، وكان بعض أهل السقاية بها؛ فدخل عليه الماء من بابها، ثم زاد فرقى على دكة هناك، ثم زاد فرقى على صندوق وضعه فوق الدكة، فبلغه الماء، فخاف وخرج من السقاية فارا إلى صوب الصفا، وما نجا إلا بجهد، وكان السيل قد دخل المسجد الحرام، وقل أن يعهد دخول الماء منه، وصار المسجد مغمورا بالماء الكثير المرتفع نحو القامة، وكان به خشب كالصندوق الكبير ليس له رأس يستره، كان فوق بعض الأساطين التي أزيلت في هذه السنة لعمارتها؛ فأخذه بعض الناس وركب فيه، وصار يقذف به، حتى أخرج به من السيل الجديد عند زمزم شخصا كان بالسيل متعلقا ببعض شبابيك السبيل خوفا من الغرق، لما دخل الماء السبيل، ووصلا فيه للمحل الذي أرادا، وفعل مثل ذلك بغير واحد، وما خرج السيل من المسجد حتى هدمت عتبة باب إبراهيم لعلوها، وألقى السيل في المسجد لأجله، وأفسد الناس أشياء كثيرة من المتاجر في الدرر التي بمسيل وادي مكة بناحية سوق الليل والصفا، والمسفلة، وما مات فيه أحد فيما علمناه ولكن مات في هذه الليلة أربعة نفر بمكان يقال له:"الطنبداوية" بأسفل مكة، بصاعقة وقعت عليهم هناك؛ فسبحان الفعال لما يريد.

ومما تخرب بهذا السيل: موضع الدرب الجديد بسور باب المعلاة وألقاه للأرض، وما بين هذا الباب والباب القديم، وذلك ثمانية وعشرون ذرعا1.

ومنها: سيل يقارب هذا السيل، دخل المسجد الحرام من أبوابه التي بالجانب اليماني، وقارب الحجر الأسود؛ زاده الله شرفا، وألقى بالمسجد من الأوساخ والزبل شيئا كثيرا، وذلك بعد المغرب من ليلة ثالث جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، عقيب مطر عظيم، وكان ابتداؤه بعد العصر من ثاني الشهر المذكور، وأخرب هذا السيل باب الماجن، وجانبًا كبيرًا من سورة، ثم عمر ذلك، والله أعلم2.

ولا شك أن الأخبار في هذا المعنى كثيرة، ولكن لم نظفر منها إلا بهذه النبذة اليسيرة.

1 إتحاف الورى 3/ 588.

2 إتحاف الورى 3/ 607، السلوك للمقريزي: 4/ 2: 663، العقد الثمين 1/ 208.

ص: 324