الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الرابع من الخاتمة في المناور والمحرقات؛ وفيه فصلان
.
الفصل الأوّل في المناور
قال في «التعريف» وهي مواضع رفع النّار في اللّيل والدّخان في النّهار.
وذلك أن مملكة إيران لمّا كانت بيد هولاكو من التّتار، وكانت الحروب بينهم وبين أهل هذه المملكة، كان من جملة احتياط أهل هذه المملكة أن جعلوا أماكن مرتفعة من رؤوس الجبال توقد فيها النّار ليلا و [يثار] الدّخان نهارا، للإعلام بحركة التّتار إذا قصدوا دخول البلاد لحرب أو إغارة. وهذه المناور تارة تكون على رؤوس الجبال، وتارة تكون في أبنية عالية، ومواضعها معروفة تعرّف بها أكثر السّفّارة، وهي من أقصى ثغور الإسلام كالبيرة والرّحبة، وإلى حضرة السلطان بقلعة الجبل، حتّى إنّ المتجدّد بالفرات إن كان بكرة علم به عشاء، وإن كان عشاء علم به بكرة. ولما يرفع من هذه النّيران، أو يدخّن من هذا الدّخان أدلّة يعرف بها اختلاف حالات رؤية العدوّ والمخبر به باختلاف حالاتها، تارة في العدد، وتارة في غير ذلك. وقد أرصد في كلّ منوّر الدّيادب «1» والنّظّارة، لرؤية ما وراءهم وإيراء
ما أمامهم، ولهم على ذلك جوامك «1» مقرّرة كانت لا تزال دارّة. قال: وكان ينوّر بمدينة عانة «2» من تلك المملكة قوم من النّصّاح بحجّة أمر سوى التّنوير، ويستر عليهم أهل البلد حبّا لملوكنا، فترى [ناره أو دخانه بخربة الرّوم وبالجرف أيضا، ويرفع فيهما أو في إحداهما فيرى]«3» من كلّ منهما بوادي الهيكل، ويرفع فيه فيرى [بالقناطر، ويرفع بالقناطر فيرى بالرّحبة، وقاها الله، ويرفع بها فيرى في كواثل، ويرفع فيها فيرى في منظرة قباقب، ويرفع فيها فيرى في حفير أسد الدّين، ويرفع بها فيرى]«4» بالسّخنة، فيرفع فيها فيرى بمنظرة أرك، فيرفع فيها فيرى بالبويب وهو قنطرة [بين أرك]«5» وتدمر، فيرفع فيها فيرى بمنظرة تدمر، فيرفع فيها فيرى بمنظرة البيضاء، فيرفع فيها فيرى بالحير، فيرفع فيها فيرى بجليجل، فيرفع فيها فيرى بالقريتين، فيرفع فيها فيرى بالعطنة، فيرفع فيها فيرى بثنيّة العقاب، فيرفع فيها فيرى بمئذنة العروس، فيرفع فيها لما حولها، إنذارا للرعايا وضمّا للأطراف، فيرفع حول دمشق بالجبل المطلّ على برزة فيرى بالمانع، فيرفع به فيرى بتلّ قرية الكتيبة، ثم يرفع فيها فيرى بالطّرّة، ثم يرفع فيرى بجبل أربد وبجبل عجلون، ثم يرفع بهما فيرى بجبل طيبة اسم، ثم يرفع بها فيرى بالمنوّر المعمول بإزاء البئر الذي برأس الجبل المنحدر إلى بيسان المعروف بعقبة البريد، لا عدول «6» بطريق البريد الآن عنه، ويرى منه أطراف أعمال نابلس [نحو جبال أبزيق وما حولها، ويرفع من هذا المنوّر الذي برأس عقبة البريد فيرى بالجبل المعروف بقرية جينين، ثم يرفع منه فيرى بجبل فحمة، ثم يرفع منه فيرى بشرفة قاقون، ثم يرفع منه
فيرى بأطراف أعمال نابلس] «1» ويرى على قصد الطريق بذروة الجبل المصاقب لمجدل [يابا]«2» ، فيرفع منه فيرى بمركز ياسور المعدول بالبريد الآن عنه، ثم يرفع منه فيرى بالجبال المطلّة على غزّة، فيرفع بغزّة على أعالي الحدب المعروف بحدب غزّة، ثم [لا منوّر و]«3» لا إخبار بشأن التّتار إلا على الجناح والبريد.
قال: ثم اعلم أن جميع ما ذكرناه مناور تتشعّب إلى ما خرج عن جادّة الطريق إلى البلاد الآخذة على جنب جنوبا وشمالا، شرقا وغربا. أما منذ أصلح الله بين الفئتين، وأمّن جانب الجهتين، فقد قلّ بذلك الاحتفال، وصرف عن البال. وهذه المناور رسوم قد عفت، وجسوم [أكلت شعل النّار أرواحها]«4» فانطفت.
على أنه قد نصّ في «التعريف» على مناور طريق البيرة، ومناور طريق الرّحبة، وهما من نفس المملكة.
قلت: وهذه المناور مأخوذة عن ملوك الهند، فقد رأيت في بعض الكتب أنّ ببلادهم مناور على جبال مرتفعة، ترى النّار فيها على بعد أكثر من هذه.
على أن مرتّبها بهذه المملكة أوّلا أتى بحكمة ملوكيّة لا تساوى مقدارا، إذ قد ترقّى في سرعة بلوغ الأخبار إلى الغاية القصوى. وذلك أن البريد يأتي من سرعة الخبر بما لم يأت به غيره، والحمام يأتي من الخبر بما هو أسرع من البريد، والمناور تأتي من الخبر بما هو أسرع من الحمام. وناهيك أن يظهر عنوان الخبر في الفرات بمصر في مسافة يوم وليلة «5» .