المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(319) باب استحباب الطيب قبل الإحرام - فتح المنعم شرح صحيح مسلم - جـ ٥

[موسى شاهين لاشين]

فهرس الكتاب

- ‌(311) باب فضل الصيام والتطوع به

- ‌(312) باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها

- ‌كتاب الاعتكاف

- ‌(313) باب الاعتكاف في رمضان

- ‌(314) باب صوم عشر ذي الحجة

- ‌كتاب الحج

- ‌(315) باب ما يباح وما لا يباح لبسه للمحرم بحج أو عمرة

- ‌(316) باب مواقيت الحج

- ‌(317) باب التلبية وصفتها ووقتها

- ‌(318) باب من أي مكان من الميقات يحرم الحاج القادم من المدينة

- ‌(319) باب استحباب الطيب قبل الإحرام

- ‌(320) باب تحريم الصيد المأكول البري أو ما أصله ذلك على المحرم

- ‌(321) باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم

- ‌(322) باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها

- ‌(323) باب جواز الحجامة للمحرم

- ‌(324) باب جواز مداوة المحرم عينيه

- ‌(325) باب جواز غسل المحرم بدنه ورأسه

- ‌(326) باب ما يفعل بالمحرم إذا مات

- ‌(327) باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر

- ‌(328) باب إحرام النفساء

- ‌(329) باب وجوه الإحرام وحجة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(330) باب بيان عدد عمر النبي صلى الله عليه وسلم وزمانها

- ‌(331) باب فضل العمرة في رمضان

- ‌(332) باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا

- ‌(333) باب استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة

- ‌(334) باب استحباب الرمل في الطواف

- ‌(335) باب استحباب استلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود في الطواف وجواز الطواف راكباً

- ‌(336) باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن وأنه لا يكرر

- ‌(337) باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يوم النحر والتلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات والإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، والتغليس بصلاة الصبح، وتقديم دفع الضعفة

- ‌(338) باب رمي جمرة العقبة والذبح والحلق وطواف الإفاضة

- ‌(339) باب نزول المحصب يوم النفر

- ‌(340) باب المبيت بمنى أيام التشريق وفضل القيام بالسقاية

- ‌(341) باب الهدي والتصدق بلحمه وجلده، والاشتراك فيه، وكيفية نحره وبعثه إلى الحرم، وتقليده، وجواز ركوبه، وما يفعل به إذا عطب

- ‌(342) باب طواف الوداع

- ‌(343) باب دخول الكعبة والصلاة فيها

- ‌(344) باب نقض الكعبة وبنائها

- ‌(345) باب الحج عن العاجز والميت

- ‌(346) باب حج الصبي

- ‌(347) باب فرض الحج مرة في العمر

- ‌(348) باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره

- ‌(349) باب الذكر عند السفر إلى الحج وعند الرجوع منه

- ‌(350) باب النزول ببطحاء ذي الحليفة

- ‌(351) باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان

- ‌(352) باب فضل يوم عرفة

- ‌(353) باب فضل الحج والعمرة

- ‌(354) باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها

- ‌(355) باب ما يقيم المهاجر في مكة إذا فرغ من الحج والعمرة

- ‌(356) باب تحريم مكة، وتحريم صيدها، وخلاها وشجرها، ولقطتها، وحمل السلاح بها

- ‌(357) باب جواز دخول مكة بغير إحرام

- ‌(358) باب فضل المدينة، وتحريم صيدها، وشجرها، والترغيب في سكناها، والصبر على لأوائها، وأنها تنفي خبثها، ومن أرادها بسوء أذابه الله

- ‌(359) باب ما بين بيته ومنبره صلى الله عليه وسلم

- ‌(360) باب فضل جبل أحد

- ‌(361) باب فضل المساجد الثلاثة، ومسجد قباء

- ‌كتاب النكاح

- ‌(362) باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه

- ‌(363) باب من رأى امرأة فوقعت في نفسه فليأت امرأته

- ‌(364) باب نكاح المتعة

- ‌(365) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، وأن تسأل المرأة طلاق أختها

- ‌(366) باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته

- ‌(367) باب تحريم الخطبة على الخطبة حتى يأذن الخاطب أو يترك

- ‌(368) باب تحريم نكاح الشغار

- ‌(369) باب الوفاء بالشرط في النكاح

- ‌(370) باب استئذان الثيب والبكر في النكاح وتزويج الأب البكر الصغيرة

- ‌(371) باب استحباب التزويج في شوال

- ‌(372) باب النظر إلى المخطوبة

- ‌(373) باب الصداق وأقله

- ‌(374) باب فضيلة إعتاقه أمته، ثم يتزوجها، وزواجه صلى الله عليه وسلم بصفية رضي الله عنها

- ‌(375) باب زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش ونزول الحجاب وإثبات وليمة العرس

- ‌(376) باب الدعوة إلى الوليمة والأمر بإجابتها

- ‌(377) باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره

- ‌(378) باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع

- ‌(379) باب جماع امرأته في قبلها من خلفها

- ‌(380) باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها

- ‌(381) باب تحريم إفشاء سر المرأة

- ‌(382) باب حكم العزل

- ‌(383) باب تحريم وطء الحامل المسبية

- ‌(384) باب جواز الغيلة، وهي وطء المرضع

- ‌كتاب الرضاع

- ‌(385) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب

- ‌(386) باب قدر الرضاع المحرم وسنه

- ‌(387) باب وطء المسبية

الفصل: ‌(319) باب استحباب الطيب قبل الإحرام

(319) باب استحباب الطيب قبل الإحرام

2473 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم. ولحله قبل أن يطوف بالبيت.

2474 -

عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم. ولحله حين أحل. قبل أن يطوف بالبيت.

2475 -

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم. ولحله قبل أن يطوف بالبيت.

2476 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله ولحرمه.

2477 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة. في حجة الوداع. للحل والإحرام.

2478 -

عن عثمان بن عروة عن أبيه، قال: سألت عائشة رضي الله عنها: بأي شيء طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حرمه؟ قالت: بأطيب الطيب.

2479 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أقدر عليه. قبل أن يحرم. ثم يحرم.

2480 -

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يفيض، بأطيب ما وجدت.

ص: 117

2481 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. ولم يقل خلف في روايته: وهو محرم. ولكنه قال: وذاك طيب إحرامه.

2482 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهل.

2483 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي.

-عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لكأني أنظر" بمثل حديث وكيع.

2484 -

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كأنما أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم.

2485 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كنت لأنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم.

2486 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم، يتطيب بأطيب ما يجد. ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته، بعد ذلك.

2487 -

عن عائشة رضي الله عنها: قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم.

ص: 118

2488 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم، ويوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت، بطيب فيه مسك.

2489 -

عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: سألت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرماً؟ فقال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً. لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. فدخلت على عائشة رضي الله عنها فأخبرتها؛ أن ابن عمر قال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً. لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه. ثم طاف في نسائه. ثم أصبح محرماً.

2490 -

عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: سمعت أبي يحدث عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم يطوف على نسائه. ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً.

2491 -

عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه. قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: لأن أصبح مطلياً بقطران، أحب إلي من أن أصبح محرماً أنضخ طيباً. قال فدخلت على عائشة رضي الله عنها. فأخبرتها بقوله. فقالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف في نسائه. ثم أصبح محرماً.

-[المعنى العام]-

الكثير من الأحكام الشرعية تشهد للإسلام بأنه دين النظافة، دين الشعور المرهف والأحاسيس الراقية، دين المجتمع والتآلف وما يقرب الناس بعضهم من بعض.

لكن هذه الشهادة تفوق كل شهادة، فقد شاءت حكمة الله أن يكون الحاج أشعث أغبر، شاءت حكمة الله أن يحرم عليه ما يزيل تفثه مدة إحرامه وأن يحرم عليه مظاهر التجمل والزينة مدة إحرامه فترة قصيرة قد تصل إلى بضعة أيام يشعر فيها بالذلة والتواضع والمسكنة لخالق النعم التي يتسربل بها أيام عزه وبحبوحته.

ص: 119

أشبه ما تكون هذه الفترة بفترة سجن لنفس المؤمن، والسجين يستعد لسجنه بما يخفف عنه متاعب الحبس والقهر قدر ما يستطيع.

إن هذا المؤمن الذي سيتعرض للتفث والشعث عليه أن يستعد له بما يخفف من آثاره الضارة له ولجليسه وصاحبه، عليه أن يتأهب لذلك بالغسل قبل الإحرام، وقد سبق القول فيه.

أما هذه الأحاديث فهي ترمي إلى أن يتأهب للروائح الكريهة التي ستلحقه وأن يتأهب للحرمان من الطيب الذي سيفرض عليه بالتزود بالطيب قبل أن يمتنع منه.

وهكذا تطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إحرامه بأطيب طيب يقدر عليه، وبأكبر قدر من الطيب يبقى ويستمر وتطول آثاره، حتى إن الناظر إلى رأسه يرى لمعانه في شعره صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة أيام من إحرامه، وللهدف نفسه يسارع صلى الله عليه وسلم إلى الطيب عقب رفع الحظر دون تراخ، فيبادر إليه عقب رمي جمرة العقبة والحلق قبل أن ينزل إلى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة.

يتطيب في أواخر لحظات الإباحة قبل المنع، ويتطيب في أول لحظات الإباحة بعد المنع. فهل رأيت ديناً أحرص على النظافة من الإسلام؟ وهل رأيت شاهداً على ذلك أقوى من هذا الشاهد؟ .

وإن رقياً آخر بالمشاعر يبدو لنا من هذا الشاهد، رقي بمشاعر الصحب من جانبي الصحبة، الزوجة تحرص على أن تطيب زوجها بيديها، والزوج ينعم بهذه الأيدي الرقيقة ويسعد بها، ألم يكن يستطيع أن يطيب نفسه؟ ألم تكن تستطيع أن تتركه يفعل هذا الأمر الهين بنفسه؟ لكن القدوة الحسنة، والمثل الأعلى للحياة الزوجية يشهد لبيت النبوة، وصدق الله العظيم إذ يقول:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب: 33].

وإن رقياً ثالثاً بالمشاعر يبدو لنا من هذه الأحاديث. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيسافر للحج سفراً طويلاً ولن يصحب معه نساءه التسع، بل سيقرع بينهن ويخرج بمن خرج سهمها وصاحبة ليلة السفر ستكون أكثر حظاً من غيرها فكيف يجبر خاطر جميعهن؟ لقد كان يطوف عليهن جميعاً ليلة السفر، فتحصل كل واحدة منهن على نفس درجة الأخرى من القرب منه صلى الله عليه وسلم وصدق فيه قول ربه:{وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4]. وقول ربه: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128].

-[المباحث العربية]-

(لحرمه) قال النووي: ضبطوها بضم الحاء وكسرها، والضم أكثر، ولم يذكر الهروي وآخرون غيره -أي غير الضم-، وأنكر ثابت الضم على المحدثين، وقال الصواب الكسر والمراد بحرمه إحرامه بالحج. اهـ

واللام للتعليل، قال الحافظ ابن حجر: أي لأجل إحرامه، وللنسائي "حين أراد أن يحرم". اهـ وفي

ص: 120

روايتنا الرابعة عشرة "إذا أراد أن يحرم يتطيب" فالتطيب عند إرادة الإحرام وقبله، وهذا هو المراد من قولها في الرواية الأولى والثانية "حين أحرم" أي حين أراد أن يحرم، وقولها في الرواية السابعة عشرة "عند إحرامه" أي عند إرادته الإحرام وقبل أن يحرم بدليل قولها في الرواية الثالثة، والسابعة، والسادسة عشرة "قبل أن يحرم" وقولها في الرواية السابعة عشرة والتاسعة عشرة "أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه، ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرماً" وقولها في الرواية الثامنة عشرة "ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً".

وقد اعترض على قولها في الرواية السابعة، والسادسة عشرة، والثامنة عشرة "كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم" بأن هذا التعبير يفيد التكرار، مع أن ذلك لم يقع منها إلا مرة واحدة، وقد صرحت بعض الروايات بأن ذلك كان في حجة الوداع. قال النووي: المختار أن "كان" لا تقتضي تكراراً ولا استمراراً وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدنا من قولهم: "كان حاتم يقري الضيف" أن ذلك كان يتكرر منه، وقال جماعة من المحققين: إنها تقتضي التكرار ظهوراً، لكن قد تقع قرينة تدل على عدمه، فيستفاد من السياق المبالغة في إثبات ذلك، على معنى أنها كانت ستكرر فعل الطيب لو تكرر منه فعل الإحرام وذلك لما اطلعت عليه من استحبابه لذلك. قال الحافظ ابن حجر: على أن هذه اللفظة لم تتفق عليها الرواة عنها. ففي كثير من الروايات لفظ "طيبت" والله أعلم.

(ولحله قبل أن يطوف بالبيت) المراد به طواف الإفاضة، وفي الرواية الثانية "ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت" وفي الرواية الثامنة "ولحله قبل أن يفيض" وفي الرواية السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت" وللحج تحللان يأتي الكلام عليهما في فقه الحديث.

(بيدي بذريرة) في بعض الروايات "بيدي هاتين" وأشارت بيديها والذريرة بفتح الذال: نوع من الطيب يستخرج من زهر نبت قصبي -أي ساقه أنابيب وكعوب- كان يؤتى به من الهند، ولعله كان خير الطيب عندهم في ذلك الوقت، لقولها في الرواية السادسة "بأطيب الطيب" وفي الثامنة "بأطيب ما وجدت" وفي السابعة "بأطيب ما أقدر عليه" وفي الرابعة عشرة "بأطيب ما يجد".

ولا يعارض قولها "بذريرة" قولها في الرواية السادسة عشرة "بطيب فيه مسك" وقولها في الرواية الخامسة عشرة "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم" فإنهم كانوا يخلطون أنواع الطيب الجيد فيزداد جودة.

(قبل أن يفيض) يقال أفاض الحجاج أي انصرفوا واندفعوا، والمراد قبل أن يطوف طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة يوم النحر، حيث ينصرف الحاج من منى إلى مكة فيطوف ويعود، فعند الدارمي "وطيبته بمنى قبل أن يفيض" وفي روايتنا السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت".

(وبيص الطيب) أي بريقه، وقيل: إن الوبيص زيادة على البريق وأن المراد به التلألؤ.

ص: 121

(في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم المفارق جمع مفرق، وهو المكان الذي يفترق في الشعر في وسط الرأس، ولشعر الرأس مفرق واحد غالباً، ولهذا قيل: إنها ذكرته بصيغة الجمع تعميماً لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر. والظاهر أن مكشوف الشعر في الهواء تتعدد مفارقه بفعل الريح، لهذا ذكرته بصيغة الجمع.

(إن كنت لأنظر)"إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف واللام في خبرها فارقة بينها وبين "إن" النافية، والتقدير: إن الحال والشأن كنت أنظر. فنظرها إلى الوبيص حاصل وواقع، لقولها في الرواية الرابعة عشرة "ثم أرى وبيص الدهن" لكنه لما لم يكن النظر مقصوداً ومتعمداً وهدفاً عبرت عن ذلك بالتشبيه، بقولها في الرواية التاسعة والحادية عشرة، والخامسة عشرة "كأني أنظر

" وفي الرواية الثانية عشرة "كأنما أنظر" على معنى كأني كنت أنظر في ذلك الوقت، والأولى أن يكون المعنى كأني الآن أو كأنما الآن أنظر

فكأنها تستحضر الصورة لتؤكد حصولها.

(وهو محرم) ترفع بذلك إيهام أن الطيب كان قبل الإحرام وزال أثره بعد الإحرام وفي الرواية العاشرة "وهو يهل" أي يرفع الصوت بالتلبية، وفي الرواية الحادية عشرة "وهو يلبي".

(ينضخ طيباً) النضخ بالخاء الأثر يبقى في الثوب وغيره من طيب ونحوه قال النووي: وضبطه بعضهم بالحاء المهملة، وهما متقاربان في المعنى.

-[فقه الحديث]-

لا خلاف في استحباب الطيب قبل الإحرام بشرط غسله وإزالة ريحه لحظة الإحرام ولا خلاف في تحريم الطيب على المحرم في الثوب والبدن، على الرجل والمرأة.

وإنما الخلاف في استدامة رائحة الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن لمن تطيب به قبل الإحرام، وهذه المسألة هي فقه الحديث وجوهره.

فالجمهور على أن المحرم إذا تطيب قبل إحرامه بما شاء من أنواع الطيب مسكاً كان أو غيره فإنه لا بأس به ولا شيء عليه، سواء كان مما يبقى عليه بعد إحرامه أو لا، ولا يضره بقاؤه عليه بعد إحرامه.

قال بذلك أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي، وأصحابه، وأحمد، والثوري والأوزاعي وهو قول عائشة -راوية الأحاديث- وقول سعد بن أبي وقاص وابن عباس، وابن الزبير وابن جعفر، وأبي سعيد الخدري، وآخرين، وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام.

وقال آخرون يحرم التطيب قبل الإحرام بما يبقى بعد الإحرام، وهو قول مالك والزهري، وعطاء، وهو قول عمر وابنه عبد الله -كما هو صريح قوله في روايتنا السابعة عشرة، والتاسعة عشرة، وخالفهما

ص: 122

سالم بن عبد الله بن عمر الذي ذكر له قول عمر بعد سماعه حديث عائشة فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع.

وعن مالك في وجوب الفدية قولان.

ويحاول المالكية أن يجيبوا عن أحاديث الباب، فيقول بعضهم:

إنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بعد هذا التطيب، لأنه كان يطوف على نسائه بعده، والمراد من الطواف الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة، فالضرورة أن يذهب عنه بغسله ما كان على بدنه من طيب.

ورد هذا بقولها في روايتنا الثامنة عشرة "ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً" ولا شك أن نضخ الطيب وهو رائحته كان في حال إحرامه، كما هو صريح روايتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة وغيرها.

قالوا: لعل في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصل طاف على نسائه ينضخ طيباً ثم أصبح محرماً، ورد بأن هذا خلاف الظاهر، والروايات صريحة في أن هذا الأثر في وقت إحرامه بل في بعض الروايات "بعد ثلاث" من إحرامه.

قالوا: إن الأثر الذي بقي كان وبيص الطيب ولمعانه، وهو الأمر الذي يرى بالنظر وليس الرائحة.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر أيضاً، فسياق عائشة وإنكارها على ابن عمر يؤكد أن الخلاف في بقاء الرائحة وليس في بقاء الزيت دون الرائحة شبهة حتى تنكر.

قالوا: لعل هذا الطيب لم تكن له رائحة، فقد ورد في بعض الروايات "بطيب ليس كطيبكم" ورد بأن مرادها بذلك قوة الجودة والرائحة لقولها "بأطيب ما أجد".

وادعى بعضهم أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، قالوا: لأن الطيب من دواعي النكاح، فنهى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه ففعله ورد بأن الخصائص لا تثبت بالقياس، كما رد بحديث عائشة بنت طلحة عند أبي داود عن عائشة قالت:"كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم، ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا" فهذا صريح في بقاء عين الطيب، ولا يقال: إن ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين.

قال المهلب: إنه تطيب خصوصية لمباشرته الملائكة لأجل الوحي، ورد بأن ذلك فرع ثبوت الخصوصية ولا سبيل لثبوتها.

وتمسكوا بحديث الرجل الذي سأل عما يفعل المحرم بالعمرة وهو متضمخ بطيب حديثنا قبل بابين، وفيه "اغسل الطيب الذي بك، وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك".

ورد عليهم بأن قصة هذا الرجل كانت بالجعرانة، وهي في سنة ثمان بلا خلاف وأحاديث عائشة تفيد أنه صلى الله عليه وسلم تطيب في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر

ص: 123

من الأمر وبأن المأمور بغسله في قصة الرجل إنما هو الخلوق، لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقاً، محرماً وغير محرم.

القول الثالث في هذه المسألة: القول بكراهية الطيب قبل الإحرام بما يبقى عينه بعده وهو قول محمد بن الحسن.

القول الرابع: قول الطرطوشي: يكره الطيب المؤنث -أي طيب النساء- كالمسك والزعفران والكافور والغالية والعود ونحوها، فإن تطيب وأحرم به فعليه الفدية، وأما غير المؤنث كالرياحين والياسمين والورد فليس من ذلك ولا فدية فيه أصلاً.

-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-

1 -

يؤخذ من قولها في الرواية الثانية "ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت": أن تحللاً يحصل للحاج بدون طواف الإفاضة، قال النووي: وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم والحلق، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان، وإذا فعل اثنين منها حصل التحلل الأول، "أي اثنين كانا"، ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح منهن غير الجماع بالتحلل الأول، وهو قول بعض الشافعية، وللشافعي قول: أنه لا يحل بالأول إلا اللبس والحلق وقلم الأظفار. اهـ

2 -

ويؤخذ من قولها في الرواية السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت": أن التحلل الأول يحصل بعد رمي جمرة العقبة والحلق، وقبل الطواف قال النووي: وهذا متفق عليه.

3 -

وفيه دلالة على استباحة الطيب بالتحلل الأول.

4 -

ومن قولها في الرواية الثامنة عشرة "ثم يطوف على نسائه": أن القسم لم يكن واجباً عليه صلى الله عليه وسلم، لأن الفقهاء يقولون: أقل القسم ليلة لكل امرأة. قال النووي: هذا الطواف كان برضاهن، ولا خلاف في جوازه برضاهن كيف كان، قال أبو سعيد الإصطخري: لم يكن القسم واجباً عليه وإنما كان يقسم بالسوية، ويقرع بينهن تكرماً وتبرعاً لا وجوباً، وقال الأكثرون: كان واجباً، والله أعلم.

5 -

يؤخذ من استحباب الطيب قبل الإحرام: استحباب وسائل النظافة والتجمل بعامة قبل الإحرام، قال النووي في المجموع: يستحب أن يتأهب للإحرام بحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وقلم الأظفار، وغسل الرأس بسدر أو نحوه.

وقال أيضاً: قال الشافعي في الأم والمختصر: أحب للمرأة أن تخضب للإحرام، واتفق الأصحاب على استحباب الخضاب لها، قالوا: وسواء كان لها زوج أم لا، لأن هذا مستحب بسبب الإحرام، فلا فرق بينهما، فأما إذا كانت لا تريد الإحرام ولها زوج استحب لها الخضاب في كل وقت، لأنه زينة وجمال وهي مندوبة إلى الزينة والتجمل لزوجها كل وقت، وإن كانت غير ذات زوج ولم ترد

ص: 124

الإحرام، كره لها الخضاب من غير عذر، لأنه يخاف به الفتنة عليها وعلى غيرها بها، وهذا كله متفق عليه، وسواء في استحباب الخضاب عند الإحرام العجوز والشابة، كالتطيب. قال الشافعية: ويكره للمرأة الخضاب بعد الإحرام، لأنه من الزينة، وهي مكروهة للمحرم، لأنه أشعث أغبر، فإن اختضبت في الإحرام فلا فدية، لأن الحناء ليس بطيب عندنا.

والله أعلم

ص: 125