المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بعث الله رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل - التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية - جـ ١

[فالح بن مهدي آل مهدي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌نبذة عن حياة شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌خطبة الحاجة

- ‌الداعي إلى تحقيق أصلي التوحيد

- ‌الكلام في باب توحيد الربوبية من باب الخبر، وفي باب الشرع من باب الإنشاء

- ‌ما يجب على العبد في كل منهما

- ‌دلالة سورتي الإخلاص على أنواع التوحيد

- ‌الأصل في باب الأسماء والصفات

- ‌نموذج مما ورد عن بعض السلف في هذا الباب

- ‌بعث الله رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل

- ‌أسماء الطوائف التي زاغت وحادت عن سبيل المرسلين

- ‌شبهة غلاة القرامطة ومن ضاهاهم

- ‌اسم القديم ليس من أسماء الله الحسنى

- ‌مذهب الفلاسفة في الصفات

- ‌أصل تسمية المعتزلة

- ‌السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات

- ‌معنى الواجب والممكن

- ‌الصفات لها ثلاث اعتبارات

- ‌سمى الله نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده باسماء

- ‌تفسير بسط اليدين

- ‌مناظرة مع الأشعري

- ‌وجه الاستدلال على الصفات السبع بالعقل

- ‌رجوع أبي الحسن الأشعري عن مذهبه

- ‌دحض شبه المعتزلة

- ‌ما يترتب على نفي الجهمية للصفات

- ‌اتفاق المسميات في في الأسماء والصفات لا يوجب تماثلها

- ‌مراد النفاة بحلول الحوادث والاعراض والاغراض

- ‌مناقشة نفاة الصفات في تسميتهم تعطيلهم توحيدا

- ‌من نفى شيئا ثابتا فرارا من محذور

- ‌معنى قول الماتن فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته

- ‌الأشاعرة يسلكونفيما ينفونه إما التأويل وإما التفويض

- ‌يلزمهم في المعنى المصروف إليه ما يلزمهم في المعنى المصروف عنه

- ‌كلام اللغويين في المثل

- ‌أقسام الناس في باب الإيمان بالله واليوم الآخر

- ‌أهل التصوف والسلوك

- ‌قياس التمثيل والشمول

- ‌وصف الروح في النصوص

- ‌كلام الفلاسفة في الروح

- ‌المعاني الاصطلاحية في الجسم

- ‌وجه ضرب المثل بالروح

- ‌كل نفي وصف الرب به نفسه فهو متضمن لاثبات المدح والكمال

- ‌حقيقة مذهب المعطلة

- ‌القول بأنه لاداخل العالم ولا خارجه هو بمنزلة القول بأنه لاقديم ولا محدث

- ‌أربعة أوجه يرد بها شيخ الإسلام على اعتذار النفاة

- ‌مقالة النفاة العاديين أعظم كفرا من مقالة النفاة المحضة من وجه

- ‌قولهم ليس بمتحيز هو بمعنى قولهم لاداخل العالم ولا خارجه

- ‌لايتوقف الايمان بما جاءبه الرسول على معرفة المعنى

- ‌الأقوال المجملة تشتمل على حق وباطل

- ‌شيء من النصوص الداله على عظمة الله وانه لايحوزه شيء من مخلوقاته

- ‌ لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك

- ‌الذين يجعلون ظاهر النصوص هو التشبيه يغلطون من وجهين

- ‌الفروق بين آيتي (ص) ، (يس)

- ‌النصوص المتفق على معناها بين أهل السنة والأشاعرة

- ‌أربعة محاذير يقع فيها من من نفى شيئا من الصفات

- ‌نصوص فوقية الله على خلقه واستوائه على عرشه

- ‌معاني الاستواء

- ‌ذكر الله استواء يخصه ويليق به

- ‌خلق الله العالم بعضه فوق بعض

- ‌حرف (في) يختلف معناه بحسب ما قبله وما بعده

- ‌النصوص الداله على تدبر القرآن وتفهم معانيه

- ‌القائلون بأن الوقف في آية آل عمران على لفظ الجلاله

- ‌انقسام التأويل إلى ثلاثة أقسام

- ‌التفسير هو البيان

- ‌موجودات الدنيا تشبه موجودات الآخرة

- ‌حديث أسألك بكل أسم هو لك

- ‌تعتبر الصفات مترادفة بالنسبة لدلالتها على ذات واحدة ومتباينة من جهة اختلاف المعنى

- ‌التواطؤ والاشتراك

- ‌التشابه الخاص والاحكام الخاص

- ‌ما من شيئين إلاويشتبهان من وجه ويختلفان من وجه آخر

- ‌حقيقة مذهب الاتحادية

- ‌لفظ الوجود من باب التواطؤ

- ‌دحض شبهة النصارى في استدلالهم بمثل (إنا) و (نحن) على تعدد الآلهة

- ‌يزول الاشتباه بكل من الاضافة والتعريف

- ‌اضطراب مقالة الطائفة التي تنفي التأويل وتستدل على بطلانه بقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله}

- ‌الإشارة إلى مراجع الكتاب

الفصل: ‌بعث الله رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل

أقسام: ثالثها تسمية الأصنام بأسماء الله كتسمية اللات من الإله، والعزى من العزيز، ونحوه: ورابعها تسميته سبحانه بما لا يلق بجلاله، كتسمية النصارى له أباً وتسمية الفلاسفة له موجباً أو علة فاعله: وخامسها وصفه بما يتعالى ويتقدس عنه من النقائص كقول أخبث اليهود أن الله فقير، وقولهم يد الله مغلولة فذم الملحدين بالتشبيه لتشبيههم صفات الله بصفات خلقه، وذم الملحدين بالتعطيل لتعطيلهم الأسماء الحسنى عن معانيها وجحد حقائقها، تعالى الله عن قول الملحدين علواً كبيراً: والمقصود أن السلف أثبتوا لله ما يجب إثباته إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، على مقتضى قوله سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} والكاف في قوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أصح الأقوال فيها أنها صلة والحروف الزائدة تأتي في الأسلوب العربي لتقوية المعنى وتأكيده كما في قول الشاعر:

ليس كمثل الفتى زهير

خلق يوازيه في الفضائل

وعلى هذا يكون المعنى ليس مثل الله شيء: والقول الثاني أن الكاف بمعنى مثل، وعلى هذا يكون المعنى ليس مثل الله شيء، ووجه كونها ردا على المشبهة، الممثلة، النفي الصريح بأنه ليس مثل الله شيء ووجه كونها رداً على أهل الإلحاد والتعطيل، أن فيها نسبة السمع والبصر إلى الله حقيقة، وذلك يقتضي أتصاف الباري بها وإذا كان متصفاً بها وهى على ما يليق به فكذلك سائر الصفات.

ص: 29

‌بعث الله رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل

قوله:

والله سبحانه: بعث رسله "بإثبات مفصل، ونفي مجمل، فاثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا؟}

ص: 29

قال أهل اللغة هل تعلم له سميا؟ أي نظيراً يستحق مثل اسمه، ويقال مساميا يساميه، وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا} مثيلا أو شبيهاً. وقال تعالى {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} وقال تعالى {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً} وقال تعالى {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وقال تعالى {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} وقال تعالى {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إناثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إنهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإنهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَان مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أنهُمْ لَمُحْضَرُونَ سبحان اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} إلى قوله {سبحان رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه إذ هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات، وبديع المخلوقات.

ش: المعنى أن ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات الصفات جاء على طريقة التفصيل: مثل وصفه بالاستواء، والعلم، والقدرة، والمحبة، والرضا، وما جاء في الكتاب والسنة من نفي مماثلة أحد من الخلق للباري سبحانه جاء على طريقة النفي الإجمالي، كقوله تعالى {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا} وقوله سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ونحو ذلك فنفى المماثلة مطلقاً

ص: 30

والمشابهة والمسامات مطلقاً ولم ينف المماثلة في شيء معين كأن يقول لا سمي له في علمه، أوفي استوائه، أولا مثل له في محبته، أو كلامه ونحو ذلك. والواو في قوله "فأثبتوا ونفوا" مرجعه الرسل ثم أتباعهم من أئمة الدين وأهل السنة والجماعة، وقد سبق معنى هذا: ومقصود المؤلف أن السلف يثبتون

إثباتا مفصلا، وينفون نفيا محملا، علي طريقة الكتاب والسنة، ثم شرع رحمه الله يمثل للنفي الإجمالي في القرآن الكريم فذكر آية "مريم " وكلام اللغويين في معنى السمي:

والمعنى أنه ليس له مثل ولا نظير حتى يشاركه في العبادة: فلما انتفى المشارك استحق الله سبحانه أن ينفرد بالعبادة وتخلص له: هذا مبني على أن المراد بالسمي هو الشريك في المسمى- وقيل المراد به- الشريك في الاسم كما هو الظاهر من لغة العرب- وقوله: "وهذا ما يروى عن ابن عباس" يعني أن ابن عباس فسر السمي بالشبيه والنظير، وإذا قيل في الآية هل تعلم له سميا، يستحق مثل اسمه أو مساميا يضارعه؟ فالمعنى لا شبيه له ولا نظير: والاستفهام في الآية مراد به النفي فالمعنى لا سمي له في الاسم ولا المسمى.

قال أهل اللغة "المعنى أنه لم يسم شيء من الأصنام ولا غيرها بالله قط " يعني بدخول الألف واللام التي عوضت عن الهمزة ولزمت قال الزجاج "تأويله والله أعلم هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون "وعلى هذا لا سمي لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمي بشيء من أسمائه فلله سبحانه حقيقة ذلك الوصف، والمراد بنفي العلم المستفاد من الإنكار هنا نفي المعلوم على أبلغ وجه وأكمله. ووجه الدلالة من الآية الثانية أن الله نفى أن يكون له كفوء أي شبيه ونظير مكافئ له، فنفى المكافأة والمشابهة عموماً، وهذا نفي مجمل والشاهد قوله {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} وأما قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} فهي من باب

ص: 31

النفي المفصل لأنه نفى صفة معينة، وقد خرجت هذه الآية عن القاعدة الأغلبية: وهي أن طريقة القرآن في النفي "الإجمال " وذلك لسببين: الأول أن اليهود والمشركين نسبوا الولد إلى الله فرد الله عليهم ونفى هذه الصفة بعينها. والثاني أن الولد والولادة صفة كمال في المخلوق، فنفيت لئلا يتوهم أن الله متصف بها، فهي وإن كانت وصف كمال في المخلوق إلا أنه كمال مقترن بالنقص، هذا هو السبب في خروج هذه الآية عن القاعدة ولها نظائر قليلة. الآية الثالثة والرابعة "الأنداد" جمع ند وهو الشبيه، والنظير فلا

شبيه لله ولا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والشاهد من الآيتين الدلالة على النفي المجمل، فإنه لم يقل لا ند له في علمه أو استوائه أو قدرته ونحو ذلك. الآية الخامسة:"الجن" الشياطين المعنى جعلوا الشياطين شركاء الله حيث أطاعوهم "خرقوا" اختلقوا وافتروا "بديع " مبدع ومخترع الأشياء على غير مثال سابق "أنى يكون " كيف أو من أين يكون والشاهد من الآية- الدلالة على النفي المجمل حيث نزه نفسه عما يصفه به المفترون المشركون على وجه العموم. الآية السادسة" تبارك" تعاظم وتقدس " الفرقان" القرآن والشاهد من الآية الدلالة على النفي المجمل حث إنه لا مثل له لاتصافه بصفات الكمال وانفراده بالوحدانية. فنفي العيوب والنقائص يستلزم ثبوت الكمال، ونفي الشركاء يقتضي الوحدانية وهو تمام الكمال. الآية السابعة "أفكهم " كذبهم "اصطفى" اختار"سلطان " حجة وبرهان "الجنة " الملائكة، والشاهد من الآية الدلالة على النفي المجمل حيث نزه نفسه عما يصفه به المفترون تنزيهاً عاما عن كل ما ينسب إليه مما لا يليق به سبحانه وتعالى "وابن عباس " هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما الإمام البحر عالم الأمة، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعبد الله ثلاث عشرة سنة وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل، روى عكرمة عن ابن عباس قال:

ص: 32

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المخرج ثم خرج فإذا تور مغطى فقال: من صنع هذا؟

قال عبد الله: فقلت أنا، فقال: اللهم علمه تأويل القرآن!

وقال ابن مسعود "نعم ترجمان القرآن ابن عباس لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد" توفي ابن عباس بالطائف في سنة ثمان وستين فصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة رضي الله عنه.

قوله:

"وأما الإثبات المفصل " فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} الآية بكمالها، وقوله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} السورة وقوله {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}

{وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} ، {هُوَ الْأولُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} ، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . وقوله {ذَلِكَ بِأنهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} وقوله {فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} الآية وقوله {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} وقوله {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} وقوله {إن الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ} وقوله {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أن يَأتِيهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} وقوله {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَان فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أو كَرْهاً قَالَتا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} وقوله {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} وقوله {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانبِ الطُّورِ الْأيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيا} وقوله {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وقوله: {إنما أَمْرُهُ

ص: 33

إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وقوله {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سبحان اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

ش: سبق الكلام على النفي المجمل وهذا بيان الإثبات المفصل، وقد ذكر المؤلف أن الله قد ذكر من أسمائه، وصفاته، ما هو واضح بين مفصل، في القرآن تفصيلا لا غموض معه والصمد هو الذي يقصد في الحوائج دون سواه، والصمد الذي لا جوف له، "الودود" كثير المودة وهي أعلا درجات المحبة "المجيد" العظيم، الجليل المتعالي، "سبح " نزه الله ومجده، "العزيز" القوي العظيم، الغالب، "الأول " السابق على جميع الموجودات، الذي لم يسبقه عدم، "الأخر "الباقي بعد فنائها، "الظاهر" الذي ليس فوقه شيء، "الباطن" الذي ليس دونه شيء، "ما يلج " ما يدخل، "تعرج " تصعد، "أذلة " خاضعين متذللين، "أعزة " أشداء غليظين، "أحبط أعمالهم " أبطلها، "ما أسخط الله" أغضبه غضباً شديداً،

"ظلل " ما يستظل به جمع ظلة، "والغمام" السحاب الأبيض الرقيق، "لمقت الله" غضبه الشديد "لعنه " طرده وأبعده عن رحمته، "استوى" عمد وقصد غير استوى التي بمعنى علا وارتفع فتلك تتعدى بعلى وهذه تتعدى بإلى والدخان هو في اللغة الكدرة في سواد، "الملك " المالك لكل شيء "القدوس " البليغ في النزاهة عن النقائص، "السلام " ذو السلامة من كل عيب وتمثيل، " المؤمن " المصدق لرسله بالمعجزات "المهيمن " الرقيب على كل شيء، "الجبار"القاهر العظيم وجابر الكسر، "المتكبر" البليغ الكبرياء والعظمة، "البارىء" المبدع المخترع، "المصور" خالق الصور على ما يريد، "وناديناه " أي نادينا موسى وكلمناه بقولنا {يا مُوسَى إني أنا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} الطور هو اسم جبل بين مصر ومدين والأيمن الذي يلي يمين موسى حين

ص: 34

اقبل من مدين "ونجيا" معناه مناجيا والنداء هو الصوت الرفيع وضده النجاء.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

إن النداء الصوت الرفيع وضده

فهو النجاء كلاهما صوتان

قوله:

إلى أمثال هذه الآيات، والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ".

ش: يعني أنه لم يحصر هنا كل ما ورد في ذلك من الآيات بل مثل لذلك

"وفي البعض تنبيه على الكل ".

فقد تطابقت نصوص الكتاب والسنة على إثبات الصفات لله، وتنوعت دلالتها أنواعاً توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه، فتارة يذكر الاسم الدال على الصفة كالسميع، البصير، العليم، القدير، العزيز، الحكيم، وتارة يذكر المصدر وهو الأصل الذي اشتقت منه تلك الصفة كقوله: أنزله بعلمه، وقوله: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وقوله: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، وقوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "حجاب النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وقوله في دعاء الاستخارة "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" وقوله: "أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق" وقول عائشة رضي الله عنها "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات" ونحوه. وتارة يذكر حكم تلك

ص: 35

الصفة كقوله {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ} {إننِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} وقوله: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} وقوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} وقوله: {عَلِمَ اللَّهُ أنكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانونَ أنفُسَكُمْ} ونظائر ذلك كثيرة؛ ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص وبلفظ العلو والاستواء، وأنه في السماء، وأنه ذو المعارج، وأنه رفيع الدرجات، وأنه تعرج إليه الملائكة وتنزل من عنده، وأنه ينزل من عنده، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عياناً من فوقهم، إلى أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام، ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ودعوى المجاز فيه والاستعارة وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص، إذ يلزم من ذلك محاذير ثلاثة لابد منها وهي القدح في علم المتكلم بها أوفي بيانه أوفي نصحه، وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة وأوقاح المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة. ولم يذكر المؤلف هنا بعض الأحاديث المثبتة لشيء من الصفات وإن كان قد ذكره في غير هذا الموضع من هذه الرسالة. والإشارة في قوله فإن في ذلك راجعة إلى النصوص الواردة في الكتاب، والسنة، من إثبات صفات الرب ونفي المماثلة عنه يعني فيما ذكر من إثبات لصفات، تفصيليا لا إجماليا ما هدى الله به أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية الذين تلقوا ما ورد في الكتاب، والسنة، بالقبول ورضوا لله ما رضيه لنفسه، فهذه يعني الإثبات المفصل والنفي المجمل واثبات ذلك للرب سبحانه هي طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، وقوله:"من إثبات الوحدانية" يشير إلى أن الله سبحانه كما أنه لا مثل له ولا شبه له فهو كذلك واحد لا شريك له في ألوهيته.

ص: 36