الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-إنه مجرد لذاته- ومعنى كونه معقولا هو أنه غير محجوب عن ذاته بذاته ولا بغيره- وسيَأتِي الشرح الصحيح للعقل في الكلام على القاعدة الأولى إنشاء الله تعالى.
من نفى شيئا ثابتا فرارا من محذور
…
قوله:
وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئا فرارا إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه، فلا بد في آخر الأمر من أن يثبت موجوداً واجباً قديما، متصفا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه، فيقال له: هكذا القول في جميع الصفات، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلابد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال.
ش: يعني كما يقال لهؤلاء الفلاسفة إنكم نفيتم الصفات- فراراً من التركيب اللازم من التعدد- وقد لزمكم مثل ما فررتم منه حيث تثبتون أنتم صفات متعددة متباينة يقال أيضا لكل من نفى شيئا مما أثبته الله ورسوله فالباب واحد والقاعدة مطردة، فمثلا إذا قال الأشعري- الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك- هو من صفات الأجسام فإنه يقال له: كذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، من صفات الأجسام، فإنه كما لا نعقل في الشاهد ما ينزل ويستوي ويغضب ويرضى، إلا جسما لم نعقل ما يسمع ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، إلا جسما. فإذا قال: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليس كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته. قيل له: ورضاه ليس كرضانا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله ليس كنزولنا. فإذا قال: لا يعقل في الشاهد غضب، إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام. قيل له:
ولا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه وينفعه ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره والله سبحانه كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي" يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني" فهو منزه عن الإرادة التي لا تعقل في الشاهد إلا هكذا وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا وصول صوت في الصماخ، وذلك لا يكون إلا في أجوف، والله سبحانه أحد صمد منزه عن ذلك: والمعتزلة نفوا الصفات فرارا من التشبيه بالمخلوقات فيقال لهم: أنتم تثبتون الأسماء لله فتسمونه حياً عليما قديرا وهذه الأسماء يسمى بها المخلوق، فيلزم من ذلك التشبيه فقد فررتم من أمر ونفيتم من أجله الصفات، ولكن المحذور لازم لكم فيما تثبتون من الأسماء، فإنه كما يسمى بها الخالق يسمى بها أيضا المخلوق، فكما سمى نفسه عليما، سمى المخلوق عليما، وسمى نفسه سميعا بصيرا، وسمى المخلوق سميعا بصيرا، إلى غير ذلك. ويقال للجهمية: المخلوق يوصف بالخلق كما في قوله سبحانه: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي} ويوصف بالفعل كما قوله: {فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كانوا يَفْعَلُونَ} وقوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أنهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} والله سبحانه يوصف بالخلق كما في قوله تعالى: {يا أيهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ويوصف بالفعل كما في قوله عز وجل: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} وأنتم أيها الجهمية تثبتون كون الله خالقا فاعلا فهل فعله وخلقه سبحانه مثل المخلوق؟ إن قلتم هذا فهذا هو التشبيه وأنتم تفرون منه، وإن قلتم بل فعل الله وخلقه على ما يليق به، وفعل المخلوق وخلقه على ما يناسبه، فيجب أن تقولوا: هذا في سائر الصفات، فالحاصل أن هؤلاء النفاة جميعا لم يستفيدوا من نفيهم إلا تعطيل حقائق النصوص، وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه محذورا، بل هو لازم لهم فيما فروا إليه، بل قد يثبتون ما هو أعظم محذورا- كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء فرارا من التحيز والحصر- ثم قالوا: هو في
كل مكان بذاته، فنزهوه عن استوائه ومباينته لخلقه وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأماكن التي يرغب عن ذكرها، فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان، فتعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وقوله" فلابد في آخر الأمر من أن يثبت موجودا واجبا قديما متصفا بصفات تميزه عن غيره" الخ
…
معناه أن هؤلاء الذين ينفون شيئا فرارا من محذور، لابد وأن يثبتوا شيئا يمتاز به الخالق عن المخلوق- ككونه سبحانه موجودا قائما بنفسه- وأن وجوده لا يماثل وجود خلقه، وأن قيامه بنفسه لا يماثل قيام المخلوقين بأنفسهم، فإنه سبحانه غني عما سواه، والخلق مفتقرون إليه، فإذا اثبت المعطل هذه الصفات لله قيل له- فيجب أن تقول هذا في سائر الصفات- فالباب واحد، ومهما أثبت من وصف لله فلا بد أن يدل على قدر مشترك بين الخالق والمخلوق، بحيث يتفقان فيه عند الإطلاق، فإنك لابد أن تثبت لله وصفا ككونه شيئا موجودا، فالشيء والوجود يتصف به كل من الخالق والمخلوق، ولولا أننا نفهم قدراً مشتركا بين الخالق والمخلوق في مسمى الشيء والوجود ونحو ذلك لما فهمنا ما خاطبنا الله به، فإن الشيء ضد لا شيء والوجود ضد العدم، كما أن القدرة ضد العجز، والعلم ضد الجهل، وهكذا سائر الصفات، لكننا نعلم أن ما يضاف إلى المخلوق من الأوصاف هو على ما يناسب ذاته ويليق به، وما يضاف إلى الله من حقائق أسمائه ونعوت جلاله هو أعظم مما يخطر ببال إنسان أو يدور في خلده، فالله أعلى من أن يتصور عظمته متصور، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقوله عليه الصلاة والسلام " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك". الحديث.