الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسميات هذه الصفات عند الإطلاق، فالرب سبحانه وتعالى مستحق للكمال، مختص به على وجه لا يماثله فيه شيء، فليس له سمي ولا كفؤ سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق والتفاوت الذي بينهما أعظم من التفاوت الذي بين أدنى المخلوقات وأعلاها.
فالأسماء والصفات نوعان: نوع يختص به الرب مثل الإله، ورب العالمين ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال ومن هنا ضل المشركون الذين جعلوه أندادا. والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة -كالحي والعالم والقادر- فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثلما يثبت للرب أصلا: فإنه لو ثبت له ما ثبت له للزم أن يجوز على أحدهما ما لا يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ومثال ما يمتنع على الرب: اتخاذ الولد، والصاحبة، والشريك، والولي من الذل فإن نفى هذا من خصائص الربوبية، وكذلك السنة والنوم، واللغوب والنسيان، والعجز، والموت، والظلم وغير ذلك مما هو مستحيل عليه ممتنع في حقه، ولكنه واقع في العباد، فهذا القسم ممكن واقع بالنسبة للعباد، ومستحيل فيحق الله ومما يجب له كونه رب العالمين، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، ومما يجوز عليه كونه يحي ويميت ويرزق ويعز ويذل.
مراد النفاة بحلول الحوادث والاعراض والاغراض
…
قوله:
وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيها وتجسيما تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمى الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس، عقلهم، ودينهم، حتى أخرجوهم إلى الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة.
ش: يعني يقال للنفات: تسميتكم إثبات أسماء الله وصفاته: تشبيها وتجسيما وتلقيبكم من يثبت ذلك بالمشبه والمجسم لا يغير من الواقع شيئا ولا يغير من وجهة أهل البصيرة والمعرفة بالله: فالتوحيد لا يكون شركا، ووصف الله بأوصاف الكمال ونعوت الجلال لا يكون تشبيها، وإنما التشبيه هو ما يقوله "النفاة المعطلة" الذين سموا تعطيلهم وإلحادهم ونفيهم توحيداً، وهو غاية النقص فقد قلبوا الحقائق، ونفوا حقائق أسمائه وصفاته تحت ستار ألفاظ، يسمعها الغر المخدوع، فيظنها تنزيها لله عن النقائص والعيوب، وأنهم يعظمون الله ويمجدونه، ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ، فيرى تحتها الإلحاد، وتكذيب الرسل، وتعطيل الرب، سبحانه وتعالى عما يستحقه من كمال ومن هذه الألفاظ قولهم نحن ننزه الله عن الإعراض، والأغراض، والأبعاض، وننزهه عن الحدود والجهات، وعن حلول الحوادث، وتنزيهم لله عن الإعراض، هو جحد صفاته-كسمعه وبصره وحياته وعلمه وكلامه وإرادته- فإن هذه أعراض على زعمهم لا تقوم إلا بجسم فلو كان متصفا بها لكان جسما، وكانت إعراضاً له، وهو منزه عن الإعراض وأما الأغراض فهي الغاية والحكمة، التي لأجلها يخلق، ويأمر، وينهى، ويثبت، ويعاقب، وهي الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره، ونهيه، وفعله، فيسمونها أغراضا وعللا ينزهونه عنها وأما تنزيهم لله عن الأبعاض فمرادهم أنه ليس له وجه ولا يدان، ولا يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، فإن ذلك كله ابعاض، والله منزه عن الابعاض، وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش اله، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار إليه أعلم الخلق به، ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إليه، إذا لو كان كذلك للزم إثبات الحدود والجهات
له، وهو منزه عن ذلك: وأما تنزيههم لله عن حلول الحوادث، فمرادهم بذلك أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ولا يَأتِي يوم القيامة، ولا يحب، ولا يريد شيئا بعد أن لم مريدا له، فلا يقول كن حقيقة، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا، ولا يغضب يوم القيامة غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده، مثله، ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا لهم، ولا يقول للمصلى إذا قال:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حمدني عبدي فإن هذه كلها حوادث، وهو منزه عن حلول الحوادث ونحن لا ننفي أوصاف الرب ونعوت جلاله، لأجل تسميتهم لها بهذه الأسماء، كما أننا لا ننسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم، نواصب- ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريا، ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية النفاة لنا حشوية ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على العرش، لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها.
فإن كان تجسيما ثبوت استوائه
…
على عرشه إني ذاً لمجسم
وإن كان تشبيها ثبوت صفاته
…
فمن ذلك التشبيه لا أتكتم
وإن كان تنزيها جحود استوائه
…
وأوصافه أو كونه يتكلم
فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا
…
بتوفيقه والله أعلى وأعظم
قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه، بعد إنشاده هذه الأبيات ورحمة الله على الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب بقوله:
يا راكبا قف بالمحصب من منى
…
واهتف بقاعد خيفها والناهض
إن كان رفضا حب آل محمد
…
فليشهد الثقلان أني رافضي
وهذا كله مأخوذ من قول الشاعر الأول:
وعيرني الواشون أني أحبها
…
وذلك ذنب لست منه أتوب
فنفيهم للصفات بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى، وجناية على ألفاظ الوحي أما الخطأ اللفظي فتسميتهم هذه الصفات تركيبا وتجسيما وتشبيها، فكذبوا على القرآن، وعلى الرسول، وعلى اللغة، ووضعوا للصفات ألفاظاً منهم بدأت وإليهم تعود، وأما خطؤهم في المعنى فنفيهم وتعطيلهم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب، فنفوا المعنى الحق، وسموه بالاسم المنكر، وكانوا في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يره، فسأل عنه فقيل له مائع رقيق أصفر يشبه العذرة -تتقيؤه الزنابير- فمن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا التعريف، ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له، ورغبة فيه، ولله در القائل:
تقول هذا جناء النحل تمدحه
…
وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما
…
والحق قد يعتريه سوء تعبير
وقوله:"وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة"
يعني وبسبب تسمية الحق الثابت بأسماء منكرة وتلقيب أصحاب العلم الإلهي، وأهل الديانة والصلاح بالألقاب الشنيعة أفسدت الملاحدة فطر الناس ولوثت عقولهم فإن أشد ما سلكت الملاحدة في التنفير عن الحق سوء التعبير عنه، وضرب الأمثال القبيحة له والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة، ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين فوصلت إلى قلوبهم، وأكثر العقول يقبل القول بعبارة ويرده بعبارة أخرى، ومثل هذا ما يستعمله الفساق والملاحدة في زماننا من الألفاظ البذيئة التي يطلقونها على الفضلاء وأهل الديانة كقولهم: متحجرون، وجامدون، ورجعيون، ومتأخرون، بينما ينعتون أشباههم بالتقدميين، والمتنورين، والراقين فهي إذا شنشنة معروفة من اخزم في قديم