الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والإضافة، فالمضاف إلى الجنة يعرف الفرق بينه وبين حقائق الدنيا بمجرد الإضافة إليها، لأن ما في الجنة أعظم وأكمل مما في الدنيا.
وهكذا المضاف إلى الله يعرف الفرق بينه وبين المضاف إلى المخلوق بمجرد الإضافة! لأن صفات العظيم عظيمة. وكذلك التعريف فيحصل الفرق بين المعلوم المعهود وبين نيره بمجرد التعريف بأل وحينئذ فمعاني أسماء الله وصفاته وما أخبر به عن اليوم الأخر معلومة مفهومة من الخطاب وإن كنا نجهل كيفية ذلك، فإن حقائق ما وعد الله به في الآخرة داخلة في قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ونجهل حقائق أسماء الله وصفاته، إذ هذا داخل تحت قوله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ} .
يزول الاشتباه بكل من الاضافة والتعريف
…
قوله:
ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله. وإنما ذمهم لكونه تأولوه على غير تأويله. وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وأن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينفوا مطلق لفظ التأويل كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله فذلك لا يعاب بل يحمد. ويراد بالتأويل الحقيقة التي: استأثر الله بعلمها، فذلك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.
ش: ومن آجل أن معاني صفات الله معلومة ومراده بكلامه مفهوم، أنكر الإمام أحمد بن حنبل وعثمان الدار مي وابن خزيمة وأمثالهم من أئمة السنة وسلف الأمة أنكروا على الجهمية وأشباههم من الزنادقة، والمعتزلة تحريفهم لكلام الله عن مواضعه، وتأويلهم ما تشابه عليهم من كلام الله على غير تأويله، وقد صنف الإمام أحمد كتابا في الرد على هؤلاء وسماه الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على مني تأويله، فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير معناه.
ولم يقل أحمد ولا احد من الأئمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف معاني آيات الصفات وأحاديثها، ولا قالوا أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه. كيف، وقد أمر الله بتدبر كتابه فقال تعالى:{كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته} ولم يقل بعض آياته. وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن} وقال: {فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} .
وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن الله يحب أن يتدبر الناس القرآن كله، وأنه جعله نورا وهدى لعباده، ومحال أن يكون ذلك مما لا يفهم معناه. وهذا الكتاب مما ألفه الإمام أحمد بن حبل في حبسه، وقد ذكره عنه الحلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلى، وأبو الفضل التيمي، وأبو الوفاء بن عقيل وغير واحد من أصحابه، وقد قال في أوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! ! ينفون عن كتاب الله تحريف الضالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على
الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين.
ومما جاء في هذا الكتاب بصدد الرد على الزنادقة فوله "وأما قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلينَ} وقال في آية أخرى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ} فقالوا: أن الله قد ذم قوما كانوا يصلون فقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ} وقد قال في قوم أنهم إنما دخلوا النار لأنهم لم يكونوا يصلون فشكوا في القرآن من أجل ذلك وزعموا أنه متناقض. قال: وأما قوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ} عنى به المنافقين {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} حتى يذهب الوقت {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ} يقول إذا رأوهم صلوا وإذا لم يروهم لم يصلوا، وأما قوله:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلينَ} يعني الموحدين المؤمنين. فهذا ما شكت فيه الزنادقة. وأما قوله. عز وجل: {خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} ثم قال: {مِنْ طِينٍ لازِبٍ} ثم قال: {مِنْ سُلالَةٍ} ثم قال: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} ثم قال: {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} فشكوا في القرآن وقالوا هذا ينقض بعضه بعضا. فهذا بدأ خلق آدم، خلقه الله أول بدء من تراب ثم من طينة حمراء وسوداء وبيضاء من طينة طيبة وسبخة، فكذلك ذريته طيب وخبيث، أسود وأحمر وأبيض ثم بل التراب فصار طينا. فذلك قوله:{مِنْ طِينٍ} فلما لصق الطين بعضه ببعض صار طينا لازبا يعني لاصقا ثم قال {مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} يقول مثل الطين إذا عصر أنسل من بين الأصابع ثم نتن فصار حمأ مسنوناً فخلق من الحمأ فلما صار صلصالا كالفخار. يقول صار له صلصلة الفخار، له دوي كدوي الفخار، فهذا بيان خلق آدم.
وأما قوله {مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} فهذا بدء خلق ذريته من سلالة بعني النطفة "مهين ضعيف" فهذا ما شكت فيه الزنادقة. وبصدد الرد على الجهمية جاء في قوله: "باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على
العرش فقلنا لم أنكرتم أن يكون الله على العرش؟ وقد قال جل ثناؤه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال {خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} فقالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش؟ فهو على العرش، وفي السموات وفي الأرض، وفي كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان وتلوا آية من القرآن {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ} فقلنا قد عرف السلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء. فقالوا: أي مكان؟ قلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظم الرب شيء، قد أخبرنا أنه الله في السماء. فقال {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} وقال:{إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وقال: {أني مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} وقال: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} وقال: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ} وقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} وقال: {ذِي الْمَعَارِجِ} وقال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} وقال: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} .
فهذا إخبار الله اخبرنا أنه في السراء ووجدنا كل شيء أسفل منه حيث يقول الله جل ثناؤه هـ: {أن الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} ، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْأنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} وقلنا لهم أتعلمون أن إبليس كان مكانه والشياطين مكانهم؟ فلم يكن الله بمجتمع هو وإبليس في مكان واحد؟ وإنما معنى قوله جل ثناؤه:{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ} يقول: هو إله من في السموات واله من في الأرض، وهو على العرش وقد أحاط بعلمه ما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. فذلك قوله تعالى:{لِتَعْلَمُوا أن اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأن اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} انتهى.