الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحينئذ، فالإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة لم ينكروا التأويل بالمعنى الذي جاء في الكتاب والسنة وتكلم به سلف الآمة، وهو الكيفية والحقيقة التي يؤول إليها الكلام والتفسير وبيان مراد المتكلم بكلامه فإن هذا لا يذمه أحد من السلف وإنما ذمهم منصب على تأويلات الزنادقة وطوائف الابتداع "حيث حرفوا كلام الله عن مواضعه وصرفوا النص عن معناه إلى غير معناه بغير دليل يوجب ذلك.
وقد بسط المؤلف الكلام على هذه المسألة في غير هذه الرسالة ككتابه "موافقة مريح المعقول لصحيح المنقول " كما أنه رحمه الله قد ذكر في أول هذه القاعدة انقسام التأويل إلى ثلاثة أقسام بحسب تعدد
الاصطلاحات وبين أن تأويل أهل التحريف والبدع هو الذي حصل في الكلام من حيث الذم والبطلان.
اضطراب مقالة الطائفة التي تنفي التأويل وتستدل على بطلانه بقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله}
…
قوله:
ومن لم يعرف هذا، اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون أن التأويل باطل، وأنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره، ويحتجون بقوله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ} ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل، وهذا تناقض منهم، لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقا. وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو.
وأما التأويل المذموم والباطل: فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك، ويدعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحظور اللازم فيما أثبتوه بالعقل، ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني الق نفوها عنه، فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقا عكنا كان المنفي مثله، وأن كان المنفي باطلا ممتنعا كان الثابت مثله.
ش: المعنى أن من لم يعرف أقسام التأويل ولم يميز صحيحها من فاسدها تناقض في أقواله واضطرب في مقالاته، مثل طائفة من الجهمية والمفوضة تقول: أن التأويل باطل وأنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره وتقول: التأويل باطل بدليل قوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ} فقد تناقضت هذه الطائفة من جهتين
أولا من جهة قولها ببطلان التأويل مع قولها يجب إجراء اللفظ على ظاهره، فإن الجملة الأولى تعني أنه ليس له معنى مفهوم. والجملة الثانية تعني أن ما يسبق إلى العقل ويتبادر إلى الفهم من اللفظ هو مراد اله بكلامه.
ثانيا: قولهم ببطلان التأويل فإنه يتنافى مع استدلالهم بآية آل عمران فإن الآية الكريمة تبين أن له تأويلا ولكن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله وهم ينفون التأويل بجميع معانيه وجهة غلطهم أنهم لم يفهموا تأويل الشيء بمعنى حقيقته وتأويله بمعنى تفسيره وإنما يعرفون التأويل الذي هو صرف النص من مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك فظنوا أن قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ} يراد به هذا المعنى، وهذا غلط فاحش! فإن هذا التأويل من باب تحريف الكلم عن مواضعه، فهو من جس تأويل القرامطة والباطنية وهو التأويل الذي اتفق سلف الآمة وأثمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في آثارهم بالشهب وبهذا يتبين أن القول في بعض صفات الله كالقول في سائرها، وأن القول في صفاته كالقول في ذاته فمن نفى النزول والاستواء أو الرضا والغضب أو العلم والقدرة، أو اسم العليم أو القدير، أو الوصف بالوجود، فرارا بزعمه من التشبيه والتركيب والتجسيم لزمه فيما أثبته نظر ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبته المثبت، وكل ما استدل به على نفى النزول والاستواء والرضا والغضب أمكن منازعة أن يتدلى بنظيره على نفى
الإرادة والسر والبصر والقدرة والعلم وكل ما استدل به على نفى القدرة والعلم والسمع والبصر، أمكن منازعة أن يتدل بنظيره على نفى العليم والقدير والسميع والبصير وكل ما استدل به على نفى هذه الأسماء يمكن منازعة أن يتدل به على نفي الموجود والواجب.
والحاصل أن ما نفوه هو من جنس ما أثبتوه من حيث لزوم المحذور أو عدم لزومه، فإن كان المعنى المصروف إليه حقا ممكنا لا يقتضى تشبيها فالمعنى المصروف عنه حق ثابت لا يقتضى تشبيها، وأن كان المصروف عنه باطلا ممتنعا يقتضى تشبيها فالمعنى المصروف إليه مثله.
قوله:
وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقا، ويحتجون بقوله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ} قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه احد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء. وهذا مع أنه باطل فهو متناقض، لأنا إ ذا لم نفهم منه شيئا لم يجز لنا أن نقول له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه، لا مكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر، فلا يكون تأويلا.
ولا يجوز نفي دلالته ملى معان لا نعرفها على هذا التقدير. فإن تلك المعان التي دل عليها قد لا تكون عارفين بها، ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلان لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى، لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به! فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني ولا يفهم منه معنى أصلا لم يكن مشعرا بما أريد به، فلان لا يكون مشعرا بما لم يرد به أولى
فلا يجوز أن يقال: أن هذا اللفظ مؤول بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلا عن أن يقال: أن هذا التأويل لا يعلمه لم لا الله. اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق. فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لابد وأن يكون له تأويل يخالف ظاهره.
لكن إذا قال هؤلاء: أنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو أنها مجرى على المعاني الظاهرة منها كانوا متناقضين، وأن أرادوا بالظاهر هنا معنى، في هناك معنى، في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسا. وأن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ. أي تجرى على مجرد اللفظ. الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضا، لأن من أثبت تأويلا أو نفاء فقد فهم معنى من المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب.
ش: الإشارة راجعة إلى الطائفة التي اضطربت وتناقضت بسبب عدم معرفة التأويل وعدم تمييز صحيحه من فاسده، ولهذا نعتها المؤلف بقوله: الذين ينفون التأويل مطلقا ويحتجون بقوله: {وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ} وإذاً فمراد المؤلف أنه يلزم على قول هذه الطائفة أن يكون الرسول لا يعرف معنى ما أنزل إليه من هذه الآيات، ولا أصحابه يعلمون معنى ذلك، بل لازم قولهم: أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف معنى ما تكلم به من أحاديث الصفات، بل يتكلم بكلام لا يعرف معناه.
ولاشك في بطلان ظنهم وفساد لوازم قولهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم ومتبعوه منزهون عن ذلك، بل مات صلى الله عليه وسلم وقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
والحاصل أنه يلزم من قال هذه المقالة احد ثلاثة لوازم إما أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد لا جبريل الذي نزل به من عند الله، ولا الرسول الذي نزل عليه وحي الله ولا الصحابة الذين تلقوا الوحي عن رسول الله. والثاني: أنا خوطبنا في القرآن بما لا معنى له أصلا، بل هي ألفاظ جوفاء مجردة من المعاني. والثالث: أنا خوطبنا في القرآن بما لا نفهم منه شيئا بل هو عبارة عن ألغاز ورموز لا نفهمها.
والقول بنفي التأويل والاستدلال على نفيه بالآية وما يلزم عليه من لوازم قول باطل ومع بطلانه فهو متناقض. وقد بين المؤلف وجه التناقض بأمرين:
أحدهما: قوله لأنا إذا لم نفهم منه شيئا لم يجز لنا أن نقول له تأويل يحالف الظاهر ولا يوافقه ثم بين وجه ذلك بقوله لإمكان أن يكون له معنى صحيح لا يخالف المعنى المعلوم لنا ثم قال فإنه لا ظاهر له على قولهم فلا تكون دلالته على ذلك المعنى الذي يزعمونه دلالة على خلاف الظاهر. فهم يقولون: التأويل باطل! وهذا يعني أنه لا تأويل له، وحينئذ لا يجوز أن يكون دالاً على معان لا نعرفها على تقدير نفي التأويل لأنا والحالة هذه لا نكون عالمين بمعنى من المعاني أصلاً.
والأمر الثاني: ذكره بقوله "ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلان لا نفهم ما لا يدل عليه اللفظ أولى" ثم شرح ذلك بقوله "لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعار بما لا يراد به ".
وحينئذ فلا يجوز أن يقال إذ هذا اللفظ مصروف عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، فإنه لا معنى له أصلاً حيث لم يشعر اللفظ بشيء ولا يقال أيضاً بطريق الأولى: له تأويل لا يعلمه إلا الله لا مكان أن يكون المعنى الظاهر المعلوم لنا بمقتضى اللفظ هو المراد، وحيث قالوا نريد
بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين فنصرف النص عن هذا المعنى إلى المعنى اللائق بالله. قيل لهم: لاشك أن النصوص ليست دالة على هذا الظاهر، بل ظاهرها السابق إلى العقل والمتبادر إلى الفهم هو إثبات صفات الله اللائقة به، وليست مماثلة لصفات خلقه، وحينئذ فلها تأويل يخالف هذا المعنى الذي تزعمون أنه ظاهرها.
لكن إذا قالت هذه الطائفة: التأويل باطل، وللنصوص تأويل يخالف ظاهرها، أو قالت: التأويل باطل، وتجرى النصوص على ظاهرها كانت بهذا القول متناقضة، ووجه ذلك أن قولهم: التأويل باطل، معناه ليس للنصوص تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه. وقولهم: لها تأويل يخالف الظاهر معناه أنهم يثبتون أن لها تأويلا. وقولهم تجرى على ظاهرها، معناه إثبات تأويل لها فلا يتفق مع قولهم: التأويل باطل لأن مدلول هذه الكلمة نفي دلالة اللفظ على معنى من المعاني.
وحيث قالوا نريد بالظاهر في قولنا للنصوص تأويلا يخالف الظاهر.
نريد بالظاهر هنا ما يماثل صفات المخلوقين، وفي قولنا: ليس لها تأويل يخالف الظاهر أو تجرى النصوص على ظاهرها. نريد بالظاهر هنا المعنى اللائق بالله حين يقولون هذه المقالة في سياق واحد من غير بيان وإيضاح لمرادهم بكلمة الظاهر في الموضعين كان هذا منهم تدليسا على السامع لأنهم ينفون التأويل مطلقا.
وهذا يعني أنه ليس لها معنى يوافق الظاهر أو يخالفه، وحيث قالوا نريد بالظاهر في قولنا، تجرى على ظاهرها مجرد اللفظ من غير أن يفهم منه معنى كانوا متناقضين لأن قولهم: تجرى على ظاهرها، معناه أنهم حكموا بأن لها معنى. كم أن قولهم: لها تأويل يخالف الظاهر حكم منهم بإثبات معنى من المعاني.