الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
12-
باب من الشرك النذر لغير الله
وقول الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} 1 وقوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} 2
..................................................................................................
"باب من الشرك النذر لغير الله "
"وقول الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} الآية ".
قال العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "أي يتعبدون لله تعالى فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر".
قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} قال ابن كثير: "يخبر الله تعالى بأنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاتهم على ذلك أوفر الجزاء للعاملين به ابتغاء وجهه". قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "وأما النذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو شرك، وقال فيمن نذر للقبور ونحوها دهنا لتنور به ويقول: إنها تقبل النذر كما يقوله بعض المشركين، فهذا النذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالا للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة؛ فإن فيهم شبها من السدنة التي كانت عند العزى ومناة يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل عليه السلام:{مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} 3، فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، انتهى. وذلك لأن الناذر لله وحده علق رغبته به وحده لعلمه بأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فتوحيد القصد هو توحيد العبادة، ولهذا ترتب عليه وجوب الوفاء فيما نذره طاعة لله، والعبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك شركا بالله؛ لالتفاته إلى غيره تعالى فيما يرغب فيه أو يرهب فقد جعله شريكا لله
1 سورة الإنسان آية: 7.
2 سورة البقرة آية: 270.
3 سورة الأنبياء آية: 52.
في العبادة، فيكون قد أثبت ما نفته "لا إله إلا الله " من إلهية غير الله ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص، وكل هذه الأبواب التي ذكرها المصنف - رحمه الله تعالى - تدل على أن من أشرك مع الله غيره بالقصد والطلب فقد خالف ما نفته "لا إله إلا الله "، فعكس مدلولها فأثبت ما نفته ونفي ما أثبتته من التوحيد، وهذا معنى قول شيخنا: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب. فكل شرك وقع أو قد يقع فهو ينافي كلمة الإخلاص وما تضمنته من التوحيد.
قال الرافعي في شرح المنهاج: "وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء، أو تردد في تلك البقعة أو المشهد أو الزاوية، أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد؛ فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع به البلاء، ويستجلب به النعماء، ويستشفى بالنذر لهما من الأدواء، حتى إنهم لينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشمع والزيت ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب وسلامة مال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقا، ومن ذلك نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر إبراهيم الخليل عليه السلام، ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء؛ فإن الناذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على القبر تبركا وتعظيما ظانا أن ذلك قربة فهذا مما لا ريب في بطلانه، والإيقاد المذكور محرم سواء انتفع به منتفع أم لا".
وقال الشيخ قاسم الحنفي في شرح درر البحار: "النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة فيأتي إلى بعض الصلحاء ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع والزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: "منها " أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك شيئا، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى عز وجل واعتقاد ذلك كفر- إلى أن قال: إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ينتقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين"، نقله عنه ابن نجيم في البحر الرائق، ونقله المرشدي في تذكرته وغيرهما عنه، وزاد:"وقد ابتلي الناس بهذا لا سيما في مولد البدوي"، وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي رحمه الله في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء: "فهذا الذبح والنذر إن كان
وفي " الصحيح " عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه "1.
..................................................................................................
على اسم فلان فهو لغير الله تعالى فيكون باطلا، وفي التنزيل {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} 2 {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 3 والنذر لغير الله إشراك مع الله كالذبح لغيره. انتهى.
قوله: "وفي الصحيح " أي صحيح البخاري.
قوله: "عن عائشة " هي أم المؤمنين زوج النبي صلي الله عليه وسلم وابنة الصديق رضي الله عنه، وأعلم النساء بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم، تزوجها النبي صلي الله عليه وسلم وهي بنت سبع ودخل بها وهي ابنة تسع، وأفضل أزواج النبي صلي الله عليه وسلم إلا خديجة ففيها خلاف، بل لا يقال خديجة أفضل ولا عائشة أفضل، والتحقيق أن لخديجة من الفضائل في بدء الوحي ما ليس لعائشة من سبقها إلى الإيمان بالنبي صلي الله عليه وسلم، وتأييده في تلك الحال التي بدئ بالوحي فيها كما في صحيح البخاري4 وغيره ما زالت كذلك حتى توفيت رضي الله عنها قبل الهجرة، ولعائشة من العلم بالأحاديث والأحكام ما ليس لخديجة لعلمها بأحوال النبي صلي الله عليه وسلم ونزول القرآن وبيان الحلال والحرام، وكان الصحابة رضي الله عنه، بعد وفاته صلي الله عليه وسلم يرجعون إليها فيما أشكل عليهم من أحوال النبي صلي الله عليه وسلم وحديثه، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي عن أصحابه وأزواجه، توفيت سنة سبع وخمسين رضي الله عنها.
قوله: " من نذر أن يطيع الله فليطعه "؛ لأنه نذره لله خالصا فوجب عليه الوفاء به فصار عبادة، وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه كإن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا ونحو ذلك، وجب عليه إن حصل له ما علق نذره على حصوله، إلا أن أبا حنيفة قال: لا يلزمه الوفاء إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع كالصوم وأما ما ليس كذلك فلا يوجب عليه الوفاء به.
1 رواه البخاري رقم (6696) في الأيمان والنذور: باب النذر في الطاعة ، ورقم (6700) :باب النذر فيما لا يملك ، وأحمد في "المسند" 6 / 36 و 41 ، وأبو داود رقم (3289) في الأيمان والنذور ، والترمذي رقم (1526) في النذور: باب من نذر أن يطيع الله فليطعه ، والنسائي 7 /17 في الأيمان والنذور: باب النذر في المعصية ، وابن ماجه رقم (2126) في الكفارات:باب النذر في المعصية.
2 سورة الأنعام آية: 121.
3 سورة آية: 162.
4 البخاري رقم (3) في بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.