الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " 1.
فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
الخامسة: قرب الجنة والنار.
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ولو كان من أعبد الناس.
الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.
التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله:{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} 2.
العاشرة: فيه تفسير " لا إله إلا الله"، كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
1 مسلم رقم (93) في الإيمان: باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، ومن مات مشركا دخل النار ، وأحمد في " المسند " 3/ 345.
2 سورة إبراهيم آية: 36.
5-
باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1.
..................................................................................................
قال أبو جعفر بن جرير: يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم "قل " يا محمد "هذه " الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له
1 سورة يوسف آية: 108.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله- وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك
..................................................................................................
دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته "سبيلي " طريقتي ودعوتي {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى} 1 وحده لا شريك له {عَلَى بَصِيرَةٍ} بذلك ويقين علم مني به "أنا و " يدعو إليه على بصيرة أيضا {وَمَنِ اتَّبَعَنِي} وصدقني وآمن بي {سُبْحَانَ اللَّهِ} يقول - تعالى ذكره -: وقل تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 2 يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني اهـ.
وهذه الآية تدل على أن أتباعه هم أهل البصائر الداعون إلى الله تعالى، ومن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى، قاله العلامة ابن القيم رحمه الله. وقد قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} 3 وما زال النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه يدعون إلى ما أمر الله به من الدعوة إلى توحيده في العبادة والنهي عن الشرك به ويجاهدون على ذلك. والآيات في الأمر بذلك كثيرة جدا.
قوله: "وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " الحديث. وأهل الكتاب المذكورون في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى إذ ذاك قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " وكانوا يقولونها، لكنهم جهلوا معناها الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه. فكان قولهم لا إله إلا الله لا ينفعهم لجهلهم بمعنى هذه الكلمة كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة؛ فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد، فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم، وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك، وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع تقليدا للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فلم يدخلهم في الإسلام كما قال تعالى:{قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 4 إلى قوله: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} وقوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ
1 سورة يوسف آية: 108.
2 سورة الأنعام آية: 79.
3 سورة الرعد آية: 36.
4 سورة المؤمنون آية: 84.
وَالأَبْصَارَ} 1.
إلى قوله: {وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 2، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير. وهذا التوحيد قد أقر به مشركو الأمم وأقر به أهل الجاهلية الذين بعث فيهم محمد صلي الله عليه وسلم فلم يدخلهم في الإسلام؛ لأنهم قد جحدوا ما دلت عليه هذه الكلمة من توحيد الإلهية، وهو إخلاص العبادة ونفي الشرك والبراءة منه كما قال تعالى:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} 3، فهذا التوحيد هو أصل الإسلام، وقال تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 4، وقال:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ} 5 وقال تعالى: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} 6 وقال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 7، وأمثال هذه الآيات في بيان التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب في القرآن كثير. وسنذكر بعض ذلك إن شاء الله تعالى في هذا التعليق.
قوله: "فليكن أول " منصوب على أنه خبر يكن مقدم و "شهادة " اسمها مؤخر ويجوز العكس، وفيه دليل أن توحيد العبادة هو أول واجب؛ لأنه أساس الملة وأصل دين الإسلام. وأما قول المتكلمين ومن تبعهم: إن أول واجب معرفة الله بالنظر والاستدلال فذلك أمر فطري فطر الله عليه عباده. ولهذا كان مفتتح دعوة الرسل أممهم إلى توحيد العبادة {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 8 أي لا تعبدوا إلا الله، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 9، وقال تعالى:{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} 10، قال العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى -: هذا يحتمل شيئين: أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة "والمعنى الثاني ": أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك وهو الخالق لجميع الموجودات، فلا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنون أنها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى اهـ.
"قلت ": وهذا الاحتمال الثاني يتضمن الأول، وروى أبو جعفر بن جرير بسنده عن عكرمة ومجاهد وعامر أنهم قالوا:" ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السماوات والأرض فهذا إيمانهم "، وعن عكرمة أيضا تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون الله، فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره. وتقدم أن لا إله إلا الله قد قيدت بالكتاب والسنة
1 سورة يونس آية: 31.
2 سورة يونس آية: 31.
3 سورة آل عمران آية: 64.
4 سورة يوسف آية: 40.
5 سورة الروم آية: 43.
6 سورة غافر آية: 12.
7 سورة آية: 2-3.
8 سورة المؤمنون آية: 32.
9 سورة الأنبياء آية: 25.
10 سورة إبراهيم آية: 10.
لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة
..................................................................................................
بقيود ثقال، منها: العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والقبول والانقياد والكفر بما يعبد من دون الله. فإذا اجتمعت هذه القيود لمن قالها نفعته هذه الكلمة، وإن لم تجتمع هذه لم تنفعه، والناس متفاوتون في العلم بها والعمل، فمنهم من ينفعه قولها ومنهم من لا ينفعه كما لا يخفى.
قوله: " فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة "فيه دليل على أن المشرك لا يطالب بفعل الصلاة إلا إذا أسلم بتركه الشرك باطنا وظاهرا؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادة كما قال النووي رحمه الله ما معناه: إنه يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم في الآخرة، والصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه، وهذا قول الأكثرين.
قوله: " فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ".
فيه أن الزكاة لا تنفع إلا من وحد الله وصلى الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وواجباتها. والزكاة قرينة الصلوات في كتاب الله تعالى، ويدل على هذه الجملة قوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 1 فمن أتى بهذه الأمور أتى ببقية الأركان لقوة الداعي إلى ذلك؛ لأن ذلك يقتضي الإتيان بها لزوما.
قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ} 2 قال أنس في الآية: توبتهم خلع الأوثان وعبادتهم ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وعن ابن مسعود مرفوعا " أمرت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له "3. وقال ابن زيد:
1 سورة البينة آية: 5.
2 سورة التوبة آية: 5.
3 قال الهيثمي في "المجمع" 3 / 62: رواه الطبراني في "الكبير" وله إسناد صحيح ، وهو موقوف في حكم المرفوع.
المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " أخرجاه1.
و"لهما" عن سهل بن سعد رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال يوم
..................................................................................................
" أبى الله أن تقبل الصلاة إلا بالزكاة "! وفيه بيان مصرف الزكاة.
قوله: " فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم " 2 تحذيرا له من أن يتجاوز ما شرعه الله ورسوله في الزكاة، وهو أخذها من أوساط المال؛ لأن ذلك سبب لإخراجها بطيب نفس ونية صحيحة وكل ما زاد على المشروع فلا خير فيه وهذا أصل ينبغي التفطن له.
قوله: "واتق دعوة المظلوم " يدل على أن العامل إذا زاد على المشروع صار ظالما لمن أخذ ذلك منه، ودعوة المظلوم مقبولة ليس بينها وبين الله حجاب يمنع قبولها3. وفيه التحذير من الظلم مطلقا فعلى العامل أن يتحرى العدل فيما استعمل فيه، فلا يظلم بأخذ زيادة على الحق ولا يحابي بترك شيء منه، فعليه أن يقصد العدل من الطرفين والله أعلم.
قوله: "عن سهل بن سعد " أي ابن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس صحابي شهير، أبوه صحابي أيضا مات سنة ثمان وثمانين وقد جاوز المائة.
قوله: " أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه "الحديث. فيه البشارة بالفتح وهو علم من أعلام النبوة وقد وقع كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
1 البخاري رقم (1395) في الزكاة: باب وجوب الزكاة ، ورقم (1458) : باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة ، ورقم (1496) : باب تؤخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء ، ورقم (2448) في المظالم: باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم ، ورقم (4347) في المغازي: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ، ورقم (7371- 7372) في التوحيد: باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله تبارك وتعالى ، ومسلم رقم (19) في الإيمان: باب الدعاء الى الشهادتين وشرائع الاسلام ، والترمذي رقم (625) في الزكاة: باب ما جاء في كراهية أخذ المال في الصدقة وأبو داود رقم (1584) في الزكاة: باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي ، والنسائي 5/ 55 في الزكاة: باب إخراج الزكاة من بلد إلي بلد. وأحمد في " المسند" 1 / 233.
2 قوله: " وكرائم أموالهم" الكرائم جمع كريمة قال صاحب "المطالع": هي جامعه الكمال الممكن في حقها ، من غزارة لبن وجمال صورة أو كثرة لحم أو صوف.
3 قوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " أي أنها مسموعة لا ترد.
خيبر: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: " أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأتي به. فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم " 1 يدوكون: أي يخوضون.
..................................................................................................
قوله: "يحبه الله ورسوله" قال شيخ الإسلام: ليس هذا الوصف مختصا بعلي ولا بالأئمة؛ فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه أو يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك لكن هذا باطل، فإن الله ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم الله أنه يموت كافرا. وفيه إثبات صفة المحبة لله خلافا للجهمية ومن أخذ عنهم، وفيه فضيلة أخرى لعلي رضي الله عنه بما خصه به من إعطاء الراية ودعوته أهل خيبر إلى الإسلام وقتالهم إذا لم يقبلوا، وقد جرى له رضي الله عنه في قتالهم كرامات مذكورة في السير والمغازي، وفيه مشروعية الدعوة إلى الإسلام الذي أساسه شهادة أن لا إله إلا الله؛ لقوله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} 2 الآية.
قوله: " فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه "قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع ومنعها عمن سعى".
1 البخاري رقم (2942) في الجهاد: باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وفي النبوة رقم (3009) باب فضل من أسلم على يديه رجل ، ورقم (3701) في فضائل الصحابة: باب مناقب علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، ورقم (4210) في المغازي: باب غزوة خيبر ، ومسلم رقم (2406) في فضائل الصحابة: باب من فضائل علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، وأحمد في "المسند" 5/ 333.
قوله: " حمر النعم " هي الإبل الحمر ، وهي أنفس أموال العرب ، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء ، وإنه ليس هناك أعظم منه.
2 سورة آل عمران آية: 104.
قوله: "فأرسل إليه " أي النبي صلي الله عليه وسلم أرسل إليه من يأتيه به، وفي صحيح مسلم أن الذي جاء به سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وعن إياس بن سلمة عن أبيه أن الذي جاء به سلمة رضي الله عنه.
قوله: "فبصق في عينيه " أي: تفل. قوله: "ودعا له فبرأ ". هو بفتح الراء والهمزة، أي عوفي في الحال عافية كاملة، وذلك بدعوة النبي صلي الله عليه وسلم كما في الحديث فدعا فاستجيب له عليه السلام، وفيه علم من أعلام النبوة أيضا، وذلك كله بالله ومن الله وحده، وهو الذي يملك الضر والنفع والعطاء والمنع، لا إله غيره ولا رب سواه.
قوله: " أنفذ" هو بضم الفاء والهمزة. قوله: "على رسلك " أمره أن يسير إليهم بأدب وأناة "حتى تنزل بساحتهم " الساحة هي ما قرب من حصونهم.
قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام " هذا هو شاهد الترجمة وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن يكون قصدهم بجهادهم هداية الخلق إلى الإسلام والدخول فيه، وينبغي لولاة الأمر أن يكون هذا هو معتمدهم ومرادهم ونيتهم، قال شيخ الإسلام: دين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب، والخضوع لله وحده بعبادته دون ما سواه، فمن عبده وحده وعبد معه إلها آخر لم يكن مسلما، ومن استكبر عن عبادته لم يكن مسلما، وأما الإيمان فأصله تصديق القلب وإقراره ومعرفته.
وقوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه "، مما أمر به وشرعه من حقوق لا إله إلا الله، وهذا يدل على أن الأعمال من الإيمان خلافا للأشاعرة والمرجئة في قولهم: إنه القول وزعموا أن الإيمان هو مجرد التصديق وتركوا ما دل عليه الكتاب والسنة؛ لأن الدين ما أمر الله به فعلا، وما نهى عنه تركا. وفيه الرد على المشركين المستدلين على الشرك بكرامات الأولياء لدلالتها على فضلهم، وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقع له من الكرامات ما لم يقع لغيره، وقد خد الأخاديد وأضرمها بالنار، وقذف فيها من غلا فيه أو اعتقد فيه بعض ما كان يعتقده هؤلاء المشركون مع أهل البيت وغيرهم، فصار من أشد الصحابة رضي الله عنه بعدا عن الشرك وشدة على من أشرك حتى أحرقهم بالنار1.
وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ما أعطي من الكرامات صار من أبعد الصحابة عن الشرك وذرائعه. وهؤلاء أفضل أهل الكرامات، فما زادهم ذلك إلا قوة في
1 انظر " الفتح " 12 / 267 - 273 في استتابة المرتدين: باب حكم المرتد والمرتدة.
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه صلي الله عليه وسلم
..................................................................................................
التوحيد، وشدة على أهل الشرك والتنديد، كما جرى لعمر رضي الله عنه في الاستسقاء بالعباس1 وتعمية قبر دانيال، لما وجده الصحابة في بيت مال الهرمزان، كما أن المعجزات إنما زادت الرسل قوة في الدعوة إلى التوحيد وشدة على أهل الشرك والإنكار عليهم وجهادهم، لكن قد يقع من الأحوال الشيطانية لمن استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر ربه ما قد يلتبس على الجهال الذين تلبسوا بالشرك، ويظنون أن ذلك كرامات وهي من مكر الشيطان وإغوائه لمن لم يعرف الحق من الباطل، وقد قال تعالى لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم:{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 2 فكذلك يجب على كل أحد أن يطلب الحق من القرآن بتدبره، فإنه الصراط المستقيم، ولا يلتفت إلى ما زخرفته الشياطين، كما اغتر به من اغتر في هذه الأمة ومن قبلهم.
قوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى " فيه من أداء الفرائض على الوجه الشرعي، والنهي عن تعدي الحدود التي حدها الله بين الحلال والحرام، وذلك من الإيمان، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله، فإذا أخذ بالإسلام الذي هو التوحيد والإخلاص، وأحل ما أحله الله تعالى وحرم ما حرمه الله تعالى، وأمر بذلك وجاهد عليه، فقد قام بما وجب وبالله التوفيق.
قوله: "فوالله " فيه جواز الحلف على ما أفتى به. قوله: " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " حمر بسكون الميم: الإبل الحمر وهي أنفس الأموال عند العرب، وفيه الترغيب في الدعوة إلى الله وطلب الهداية لمن أراد الله هدايته ليحصل للداعي إلى الحق هذه الفضيلة العظيمة بهداية من اهتدى، فلا ينبغي التفريط في هذه المطالب العالية وبالله التوفيق.
قوله: "يدوكون " أي يخوضون: بين المصنف - رحمه الله تعالى - معنى هذه اللفظة بأن المراد خوض السامعين في هذا الخير وتمني حصوله.
1 البخاري رقم (1010) في الاستسقاء: باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا ، ورقم (3710) في فضائل الصحابة: باب ذكر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، من حديث أنس رضي الله عنه.
2 سورة الزخرف آية: 43.
الثانية: التنبيه على الإخلاص. لأن كثيرا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد: كونه تنزيها لله تعالى عن المسبة.
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.
السادسة: - وهي من أهمها- إبعاد المسلم عن المشركين لئلا يصير منهم ولو لم يشرك.
السابعة: كون التوحيد أول واجب.
الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
التاسعة: أن معنى: " أن يوحدوا الله" معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم- فالأهم.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
التاسعة عشرة: قوله: " لأعطين الراية" إلخ. علم من أعلام النبوة.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا.
الحادية والعشرون: فضيلة علي رضي الله عنه.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم وشغلهم تلك الليلة عن بشارة الفتح.