الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: تفسير آية العنكبوت.
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى.
الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.
السابعة: ذكر ثواب من فعله.
الثامنة: ذكر عقاب من تركه.
33-
باب "التوكل من شروط الإيمان
"
قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 1.
...............................................................................................................
بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا كالظالم الذي يعض على يديه، وأما كون حامده ينقلب ذاما فهذا يقع كثيرا ويحصل في العاقبة فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ابتداء عند أهوائهم". انتهى.
قوله: "باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ". قال أبو السعادات يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، وأراد المصنف بهذه الترجمة بالآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله؛ لأنه من أجمع أنواع العبادة الباطنة، فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله كما في هذه الآية. قال الإمام أحمد:"التوكل عمل القلب". قال ابن القيم في الآية المترجم بها: "فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه". قال شيخ الإسلام: "وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه شرك {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ
1 سورة المائدة آية: 23.
وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} 1 الآية.
وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 2.
...............................................................................................................
الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} 3" اهـ. والتوكل قسمان: أحدهما التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت، فهذا شرك أكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. وأما التوكل على الأحياء الحاضرين والسلطان ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهو نوع شرك أصغر، والمباح أن يوكل شخصا بالنيابة عنه في التصرف فيما له التصرف فيه من أمور دنياه كالبيع والشراء والإجارة والطلاق والعتاق وغير ذلك فهذا جائز بالإجماع، لكن لا يقول: توكلت عليه بل يقول وكلته فإنه لو وكله فلا بد أن يتوكل في ذلك على الله سبحانه.
قوله: "وقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية ". قال ابن عباس في الآية: المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه. ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فأدوا فرائضه، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال السدي في قوله:{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} هو الرجل يريد أن يظلم، أو قال يهم بمعصية فيقال له: اتق الله فيوجل قلبه. رواه ابن أبي شيبة وابن جرير.
قوله: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} 4 استدل الصحابة والتابعون ومن تبعهم من أهل السنة بهذه الآية ونظائرها على زيادة الإيمان ونقصانه.
قوله: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} 5 أي يعتمدون عليه، ويفوضون إليه أمورهم، فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، وهو من أعظم الأسباب في حصول المطالب الدنيوية والأخروية، وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان تستلزم حصول أعمال الإيمان الواجبة والمستحبة.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 6 قال ابن القيم: "أي الله
1 سورة الأنفال آية: 2.
2 سورة الأنفال آية: 64.
3 سورة الحج آية: 31.
4 سورة الأنفال آية: 2.
5 سورة الأنفال آية: 2.
6 سورة الأنفال آية: 64.
وقوله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} 1
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " " حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" قالها إبراهيم صلي الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلي الله عليه وسلم حين قالوا له: " إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" "2 رواه البخاري والنسائي.
...............................................................................................................
وحده كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد". وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
قوله: "وقول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} " قال ابن القيم وغيره: "أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه، فلا مطمع فيه لعدو ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ به مراده فلا يكون أبدا. قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أي كافيه فلم يقل فله كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل الله سبحانه نفسه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا وكفاه ونصره"، انتهى.
قوله: "حَسْبُنَا اللَّهُ " تقدم معناه.
قوله: "وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " أي نعم من توكل عليه المتوكلون، ومخصوص "نعم" محذوف تقديره نعم الوكيل الله.
قوله: قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} 3 الآية.
قوله: وقالها محمد صلي الله عليه وسلم حين قالوا له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} 4 وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد، فمر بهم ركب من عبد القيس فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قالوا: هل
1 سورة الطلاق آية: 3.
2 البخاري رقم (4563 ، 4564) في التفسير باب تفسير سورة آل عمران، ولم أجده عند النسائي ولعله في "الكبرى".
3 سورة الأنبياء آية: 68-69.
4 سورة آل عمران آية: 173.