المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[خبر الكافر والصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان] - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي - جـ ٣

[علاء الدين عبد العزيز البخاري - فخر الإسلام البزدوي]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ) (الِانْقِطَاعِ)وَهُوَ نَوْعَانِ

- ‌ مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ

- ‌ إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ

- ‌[الإنقطاع الظَّاهِرُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ] [

- ‌ إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ

- ‌ الِاتِّصَالَ بِالِانْقِطَاعِ

- ‌[الِانْقِطَاعُ الْبَاطِلُ]

- ‌ الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ وَخَفِيَ الْحَدِيثُ

- ‌[الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ]

- ‌ خَبَرُ الْمَسْتُورِ

- ‌[الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ]

- ‌ خَبَرِ الْفَاسِقِ

- ‌[خَبَر الْكَافِرِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ]

- ‌[خَبَر صَاحِبُ الْهَوَى]

- ‌(بَابُ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ)

- ‌[بَابُ بَيَانِ الْخَبَرُ]

- ‌ بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ)

- ‌بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى)

- ‌(بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي)

- ‌(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ)

- ‌‌‌(بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌(بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ آيَتَيْنِ

- ‌[كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[تعارض الْجُرْح وَالتَّعْدِيل]

- ‌(بَابُ الْبَيَانِ)

- ‌[أَوْجُه الْبَيَانُ]

- ‌[بَيَانُ التَّقْرِير]

- ‌ بَيَانُ التَّفْسِيرِ

- ‌[تَخْصِيصِ الْعَامِّ]

- ‌(بَابُ بَيَانِ التَّغْيِيرِ)

- ‌[أَنْوَاع بَيَانِ التَّغْيِيرِ]

- ‌{بَابُ بَيَانِ الضَّرُورَةِ}

- ‌[أَوْجُهٍ بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌{بَابُ بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[تَفْسِيرِ النَّسْخِ]

- ‌النَّسْخُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ مَحِلِّ النَّسْخِ)

- ‌[أَقْسَام مَالَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ]

- ‌[بَابُ بَيَانِ شُرُوطِ النَّسْخ]

- ‌{بَابُ تَقْسِيمِ النَّاسِخِ}

- ‌[النَّسْخُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]

- ‌[نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ]

- ‌نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ

- ‌(بَابُ تَفْصِيلِ) (الْمَنْسُوخِ)

- ‌[أَنْوَاعٌ الْمَنْسُوخُ]

- ‌[الْفُرْق بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ]

- ‌(بَابُ أَفْعَالِ النَّبِيِّ)

- ‌[أَقْسَام أَفْعَالِ النَّبِيِّ]

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ السُّنَّةِ)فِي حَقِّ النَّبِيِّ

- ‌[أَنْوَاع الوحى]

- ‌[جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ]

- ‌(بَابُ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا)

- ‌ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ

- ‌[بَابُ مُتَابَعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ]

- ‌[تَقْلِيد التَّابِعِينَ]

- ‌(بَابُ الْإِجْمَاعِ)

- ‌[أَرْكَان الْإِجْمَاع]

- ‌[بَابُ أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاع]

- ‌بَابُ شُرُوطِ) (الْإِجْمَاعِ) :

- ‌[بَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ وَمَحِلّه]

- ‌[إنْكَار الْإِجْمَاع]

- ‌[بَابُ بَيَانِ سَبَب الْإِجْمَاعُ]

- ‌(بَابُ الْقِيَاسِ)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ]

- ‌[ثُبُوت الْقِيَاس وَأَنْوَاعه]

- ‌(فَصْلٌ فِي تَعْلِيلِ الْأُصُولِ)

- ‌بَابٌ شُرُوطُ الْقِيَاسِ) :

- ‌[بَابُ رُكْنُ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَا يصلح دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّة]

- ‌[بَابُ الِاحْتِجَاجَ بِالطَّرْدِ]

- ‌ التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِلَا دَلِيلٍ

- ‌بَابُ حُكْمِ الْعِلَّةِ) :

- ‌[جُمْلَةَ مَا يُعَلَّلُ لَهُ]

الفصل: ‌[خبر الكافر والصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان]

فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُمَا مِثْلُ الْعَدْلِ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا مِثْلُ الْكَافِرِ لَا يَقُومُ حُجَّةٌ بِخَبَرِهِمَا وَلَا يُفَوَّضُ أَمْرُ الدِّينِ إلَيْهِمَا لِمَا قُلْنَا: إنَّ خَبَرَهُمَا لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ فَرْعٌ لِلْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ وَلَيْسَ لَهُمَا وِلَايَةٌ مُلْزِمَةٌ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا وَإِنَّمَا هِيَ مُجَوَّزَةٌ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مُتَعَدِّيَةً مُلْزِمَةً وَإِنَّمَا.

قُلْنَا: إنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ مُلْزِمَةٌ؛ لِأَنَّ مَا يُخْبِرُ عَنْهُ الصَّبِيُّ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَيَصِيرُ غَيْرُهُ مَقْصُودًا بِخَبَرِهِ فَيَصِيرُ مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْكَافِرِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا وَالْمَعْتُوهُ مِثْلُ الصَّبِيِّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَبْسُوطِ

ــ

[كشف الأسرار]

قَبُولِهِ فِي الْهَدَايَا وَالْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ حَيْثُ يَجِبُ التَّحَرِّي فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجِبُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بَلْ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْكِيمِ الرَّأْيِ فَقَالَ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ أَيْ لَكِنَّ الضَّرُورَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ إلَى آخِرِهِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَلَالٌ فِي الْأَصْلِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ حِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ دُونَ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ لَكِنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَمَّا اتَّفَقَتَا فِي الْحُكْمِ قَالَ الْمَاءُ طَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْحِلُّ أَيْضًا فَلَمْ يُجْعَلْ الْفِسْقُ هَدَرًا أَيْ بَاطِلًا سَاقِطًا بَلْ وَجَبَ ضَمُّ التَّحَرِّي إلَيْهِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْهَدَايَا وَالْوَكَالَاتِ بِأَنْ قَالَ إنَّ فُلَانًا أَهْدَى إلَيْك هَذَا الشَّيْءَ أَوْ قَالَ إنَّ فُلَانًا وَكَّلَك بِبَيْعِ هَذَا الشَّيْءِ أَوْ وَكَّلَنِي بِهِ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ حَيْثُ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ ضَمِّ التَّحَرِّي إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ ثَمَّهْ بِسُكُونِ الْهَاءِ لَازِمَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَبْعَثُ هَدِيَّةً لَا يَجِدُ عَدْلًا يَبْعَثُهَا عَلَى يَدَيْهِ وَكَذَا فِي الْوَكَالَةِ وَلَيْسَ فِيهَا أَصْلٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ فَجُعِلَ الْفِسْقُ هَدَرًا وَجَوَّزَ قَبُولَ قَوْلِهِ مُطْلَقًا كَخَبَرِ الْعَدْلِ.

وَفِيهِ أَيْ فِي الْفَرْقِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يُجْعَلْ خَبَرُ الْفَاسِقِ فِيهِمَا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ يَنْفَكُّ عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَجَازَ الِاعْتِمَادُ فِيهَا عَلَى خَبَرِهِ مُطْلَقًا.

[خَبَر الْكَافِرِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ]

قَوْلُهُ (قَالَ بَعْضُهُمْ) كَذَا إنَّمَا نَشَأَ الْخِلَافُ مِنْ تَعَدُّدِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ، وَإِذَا حَضَرَ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا فِي إنَاءٍ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ قَذَرٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ مَرَضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَسْتُورًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مُرَادُهُ بِهَذَا الْعَطْفِ أَنَّ الصَّبِيَّ كَالْبَالِغِ إذَا كَانَ مَرَضِيًّا فَجَعَلَهُ عَطْفًا عَلَى الْعَدْلِ لَا عَلَى الْكَافِرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ وَلَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الْكَافِرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَعْقِلَا مَا يَقُولَانِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُمَا أَيْضًا، وَهَذَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ لَمَّا سَقَطَ فِي هَذَا الْبَابِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْبُلُوغِ كَمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ قَبِلُوا خَبَرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى اسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا؛ فَإِنَّهُ عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّهُ لِصِغَرِهِ وَتَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ كَانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُرَادُهُ الْعَطْفُ عَلَى الْفَاسِقِ حَتَّى وَجَبَ ضَمُّ التَّحَرِّي إلَى خَبَرِهِ كَمَا فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُرَادَهُ الْعَطْفُ عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ فَلَا يُجْعَلُ عَطْفًا عَلَى الْأَبْعَدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِمَا قُلْنَا يَعْنِي فِي أَوَّلِ بَابِ تَفْسِيرِ الشُّرُوطِ أَنَّ خَبَرَهُمَا لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا بِحَالٍ يَعْنِي سَوَاءٌ انْضَمَّ إلَيْهِ التَّحَرِّي أَوْلَمَ يَنْضَمَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ فَرْعٌ لِلْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ أَيْ ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ فَرْعٌ لِثُبُوتِهَا عَلَى نَفْسِهِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْوِلَايَاتِ وِلَايَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ قُدْرَةٌ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ فِي نَفْسِهِ

ص: 22

أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ تَحَمَّلُوا فِي صِغَرِهِمْ وَنَقَلُوا فِي كِبَرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْكَافِرِ يُخْبِرُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ: إنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِخَبَرِهِ وَيَتَوَضَّأُ بِهِ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَأَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَفِي الْفَاسِقِ جُعِلَ الِاحْتِيَاطُ أَصْلًا

ــ

[كشف الأسرار]

لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهَا لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَيْ لِلصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ وِلَايَةٌ مُلْزِمَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا هِيَ مُجَوَّزَةٌ يَعْنِي تَصَرُّفَهُمَا جَائِزُ الثُّبُوتِ حَتَّى لَوْ انْضَمَّ إلَيْهِ رَأْيُ الْوَلِيِّ يَصِيرُ مُلْزِمًا وَلَوْ كَانَ مُلْزِمًا ابْتِدَاءً لَمْ يَحْتَجْ إلَى انْضِمَامِ رَأْيِهِ إلَيْهِ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ يَعْنِي لَوْ قَبِلْنَا خَبَرَهُمَا صَارَتْ وِلَايَتُهُمَا مُتَعَدِّيَةً إلَى الْغَيْرِ مُلْزِمَةً عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْكَافِرِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ مُوجَبُ مَا أَخْبَرَ بِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِالشَّرَائِعِ كَانَ خَبَرُهُ مُلْزِمًا عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِلْزَامِ، فَكَذَا الصَّبِيُّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا أَيْ فِي آخِرِ بَابِ تَفْسِيرِ الشُّرُوطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ إلَى آخِرِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ بَالِغٌ مُخَاطَبٌ مُسَاوٍ لِلْحُرِّ فِي أُمُورِ الدِّينِ فَلَا يَكُونُ الْغَيْرُ مَقْصُودًا بِخَبَرِهِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَبِالرِّقِّ إنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَهْلِيَّةِ الِالْتِزَامِ وَمَا فِيهِ الْتِزَامٌ يُسَاوِي الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا وَقَوْلُهُ، أَلَا تَرَى مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا يَقُومُ الْحُجَّةُ بِخَبَرِهِمَا أَوَبِقَوْلِهِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مُتَعَدِّيَةً مُلْزِمَةً، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَيْ بَعْضَهُمْ تَحَمَّلُوا الْأَخْبَارَ عَنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي صِغَرِهِمْ وَنَقَلُوهَا فِي كِبَرِهِمْ دُونَ صِغَرِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ رِوَايَةُ الصِّغَارِ حُجَّةً لَنَقَلُوهَا فِي صِغَرِهِمْ كَمَا نَقَلُوهَا فِي كِبَرِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَهْلِ قُبَاءَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي أَتَاهُمْ أَنَسٌ رضي الله عنه فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا جَاءَا جَمِيعًا وَأَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا عَلَى رِوَايَةِ الْبَالِغِ، وَهُوَ أَنَسٌ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَوْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ بَالِغًا يَوْمَئِذٍ؛ فَإِنَّهُ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام رَدَّهُ فِي الْقِتَالِ لِضَعْفِ بِنْيَتِهِ يَوْمَئِذٍ لَا لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله.

قَوْلُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) إلَى آخِرِهِ فَرَّقَ مُحَمَّدٌ رحمه الله بَيْنَ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الِاحْتِيَاطِ فَأَوْجَبَ الِاحْتِيَاطَ، وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَلَمْ يُوجِبْهُ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ فَقَالَ فِي الْكَافِرِ إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا يَعْمَلُ الْمَخْبَرُ عَنْهُ بِخَبَرِهِ وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ بَلْ يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَلَكِنْ إنْ أَرَاقَ الْمَاءَ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ بَعْدُ كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ وَصَلَّى لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَالْفَاسِقُ إذْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُرِيقَ الْمَاءَ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَلَمْ يُرِقْ الْمَاءَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَا يَجُوزُ صَلَاتُهُ فَأَوْجَبَ الِاحْتِرَازَ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ حَيْثُ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ وَلَمْ يُجَوِّزْ التَّوَضُّؤَ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَعَلَ الِاحْتِيَاطَ أَصْلًا أَيْ بَنَى الْحُكْمَ، وَهُوَ الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَلَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزْ التَّيَمُّمَ بِدُونِ الْإِرَاقَةِ وَجَوَّزَ التَّوَضُّؤَ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَ الِاحْتِيَاطَ أَيْ التَّحَرِّيَ أَصْلًا فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ؛ فَإِنَّ التَّحَرِّيَ هُوَ الِاحْتِيَاطُ حَيْثُ قَالَ يُحَكِّمُ السَّامِعُ رَأْيَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ خَبَرَهُ حُجَّةً وَلَا هَدَرًا بَلْ جَعَلَ التَّحَرِّيَ فِيهِ أَصْلًا وَلَمْ يَجْعَلْ الِاحْتِيَاطَ أَيْ التَّحَرِّيَ أَصْلًا فِي خَبَرِ الْكَافِرِ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلْ بِخَبَرِهِ أَصْلًا وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى هَذِهِ التَّقَاسِيمِ مَسَائِلُ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رحمه الله قَالَ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَلَا يَجِبُ الْإِرَاقَةُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ وَاجِبٌ وَفِي خَبَرِ الْفَاسِقِ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لَكِنَّ الْإِرَاقَةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ بَعْدَ التَّثَبُّتِ لَكِنْ مَعَ شُبْهَةٍ فَلِقِيَامِ شُبْهَةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ أَيْ وُجُوبِ الْعَمَلِ أَمَرْنَاهُ بِالْإِرَاقَةِ وَلِوُجُودِ أَصْلِ الْوُجُوبِ أَوْجَبْنَا التَّيَمُّمَ، وَفِي خَبَرِ الْكَافِرِ لَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ لَكِنْ أَحَبُّ إلَيَّ

ص: 23

وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الصَّبِيِّ فِيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْكَافِرِ دُونَ الْفَاسِقِ الْمُسْلِمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَاسِقَ شَاهِدٌ عِنْدَنَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرُ غَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى الْمُسْلِمِ أَصْلًا فَصَارَ الصَّبِيُّ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ الْبَالِغُ فِي أُمُورِ الدِّينِ سَوَاءً وَالْفَاسِقُ فَوْقَهُمَا حَتَّى أَنَّا نَقُولُ فِي خَبَرِهِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ يَتَيَمَّمُ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةِ الْمَاءِ فَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحْوَطُ لِلتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا فِي خَبَرِ الْكَافِرِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَمْ يَتَيَمَّمْ فَإِنْ أَرَاقَ ثُمَّ تَيَمَّمَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَلِي هَذَا الْعَطْفَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ الْكَافِرُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ خَاصَّةً، وَأَمَّا الْمُغَفَّلُ الشَّدِيدُ الْغَفْلَةِ، وَهُوَ مِثْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ فَأَمَّا تُهْمَةُ الْغَفْلَةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَخْلُو عَامَّةُ الْبَشَرِ عَنْ ضَرْبِ غَفْلَةٍ إذَا كَانَ عَامَّةُ حَالِهِ التَّيَقُّظَ، وَأَمَّا الْمُسَاهِلُ؛ فَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الْمُجَازِفَ الَّذِي لَا يُبَالِي مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ وَالتَّزْوِيرِ وَهَذَا مِثْلُ الْمُغَفَّلِ إذَا اعْتَادَ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ الْعَادَةُ لَلَزِمَ مِنْ الْخِلْقَةِ.

ــ

[كشف الأسرار]

أَنْ يُرِيقَ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا عَدَالَةَ لَهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ ثَابِتَةٌ بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ذُو وِلَايَةٍ عَلَى جِنْسِهِ وَفِي خَبَرِ الصَّبِيِّ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ بِخَبَرِهِ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ.

قَوْلُهُ (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ) أَيْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَأْنُ الْكَافِرِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ كَشَأْنِهِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ أَيْ مِنْ الْأَخْذِ بِهِ يَعْنِي لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِي الدِّينِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً كَمَا لَمْ يُقْبَلْ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ إلَّا أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَوْ كَانَ فِي الْعَمَلِ بِهِ يُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ بِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ كَمَا اسْتَحَبَّ الْإِرَاقَةَ ثُمَّ التَّيَمُّمَ هُنَاكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ ثَابِتًا بَيْنَ خَبَرِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ خَبَرِهِمَا حُجَّةً كَثُبُوتِهِ فِي إخْبَارِهِمَا عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَإِذَا رَوَى الْكَافِرُ حَدِيثًا لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْأَخْذِ بِهِ يَكُونُ الِاسْتِحْبَابُ فِي الْعَمَلِ بِهِ فَوْقَ الِاسْتِحْبَابِ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْكَافِرِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ الْكَلَامِ، فَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحْوَطُ لِلتَّيَمُّمِ، أَيْ الْإِرَاقَةُ ثُمَّ التَّيَمُّمُ أَحْوَطُ مِنْ التَّيَمُّمِ بِلَا إرَاقَةٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَاءِ طَاهِرًا وَكَوْنِ الْمُخْبِرِ كَاذِبًا فَيَكُونُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِرَاقَةِ لِيَصِيرَ عَادِمًا لِلْمَاءِ فَيَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِيَقِينٍ، فَإِنْ أَرَاقَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ فَهُوَ أَفْضَلُ أَيْ الْإِرَاقَةُ ثُمَّ التَّيَمُّمُ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَضُّؤِ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا إذْ الْكُفْرُ لَا يُنَافِي الصِّدْقَ فَلَا يَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ وَيَتَنَجَّسُ الْأَعْضَاءُ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي إرَاقَتِهِ ثُمَّ التَّيَمُّمُ بَعْدَهُ لِيَحْصُلَ الطَّهَارَةُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِيَقِينٍ.

وَقَوْلُهُ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ لِلتَّوَضُّؤِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِهِ صِدْقُ الْكَافِرِ فِي إخْبَارِهِ يَتَوَضَّأُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَلَكِنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِهِ تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ خَبَرِهِ وَخَبَرِ الْفَاسِقِ إذْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقَعْ الصِّدْقُ فِي قَلْبِ السَّامِعِ فَالْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ) أَيْ وَكَالْكَافِرِ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ لِمَا ذُكِرَ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ أَيْ يَكُونُ الصَّبِيُّ أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَالْكَافِرِ أَيْضًا حَتَّى لَا يُقْبَلَ خَبَرُهُ لِمَا مَرَّ.

وَقَوْلُهُ فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ خَاصَّةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي رَدِّ خَبَرِ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ كَمَا أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي رَدِّ خَبَرِ الْكَافِرِ لِتَحَقُّقِ التُّهْمَةِ فِي خَبَرِ هَؤُلَاءِ فَسَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَافِرِ فِي هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْقَوْلِ بِهِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْأَحْكَامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِيهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ كَالْكَافِرِ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً خُصُوصًا فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ مُسْتَحَبٌّ مَعَ كُفْرِهِ وَاتِّهَامُهُ بِعَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الصَّبِيِّ الْمُسْلِمِ أَوْلَى بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْ خُصُوصًا فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَتَدَيُّنِهِ بِحُرْمَةِ الْكَذِبِ فَكَانَ الِاسْتِحْبَابُ وَانْتِفَاءُ الْوُجُوبِ فِي خَبَرِ الصَّبِيِّ أَوْلَى لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَعَدَمِ احْتِرَازِهِ عَنْ الْكَذِبِ لَا مِنْهُ مِنْ الْعِقَابِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَا هَاهُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ عَنْ السَّلَفِ فِي نَقْلِ هَؤُلَاءِ الْحَدِيثَ

ص: 24