الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّ الثَّابِتَ بِهِمَا إذَا اخْتَلَفَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ سَقَطَ التَّعَارُضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَمُوسُ، وَقَالَ {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي هَذَا اللَّغْوِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ الْمُثْبِتَةَ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ فِي دَارِ الْجَزَاءِ وَالْمُؤَاخَذَةَ الْمَنْفِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ فَصَحَّ الْجَمْعُ وَبَطَلَ التَّدَافُعُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
عَنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ أَيْضًا، قَوْلُهُ (وَمِثَالُ مَا قُلْنَا) مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ مِنْ النُّصُوصِ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُهَا مِنْ الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مَا إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ مُبْهَمٍ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَيْكُمَا طَالِقٌ أَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ أَحَدَيْكُمَا حُرَّةٌ وَمَا إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ عُيِّنَ ثُمَّ نَسِيَهُ بِأَنْ قَالَ لِإِحْدَى امْرَأَتَيْهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لِإِحْدَى أَمَتَيْهِ أَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ نَسِيَ الْمُطَلَّقَةَ وَالْمُعْتَقَةَ فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ الْجَهْلِ الْمَحْضِ كَمَا فِي الْقِيَاسَيْنِ، وَقَدْ كَانَ تَعْيِينُ الْمَحَلِّ مَمْلُوكًا لَهُ شَرْعًا كَابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ فَبِمُبَاشَرَةِ الْإِيقَاعِ أَسْقَطَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ وَلَمْ يُسْقِطْ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي التَّعْيِينِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْخِيَارُ ثَابِتًا لَهُ شَرْعًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ وَرَاءَ الْإِبْهَامِ مَحَلٌّ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ أَيْ بَعْدَمَا أَوْقَعَ أَصْلَ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ مُبْهَمًا بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ أَيْ الْإِيجَادَ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِ وَهُوَ تَعْيِينُ الْمَحَلِّ.
أَوْ مَعْنَاهُ بَعْدَمَا أَوْقَعَ أَصْلَ الطَّلَاقِ مُبْهَمًا بَقِيَ مَحَلٌّ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ وَهُوَ ذَاتُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُبْهَمَ لَمْ يَنْزِلْ فِي الْمَحَلِّ عَلَى مَا عُرِفَ فَتَبْقَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَحَلًّا لِتَصَرُّفِهِ، فَصَلُحَ الْمِلْكُ أَيْ بَقَاءُ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ دَلِيلًا لِوِلَايَةِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ كَالْقِيَاسَيْنِ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجَّةً فِي حَقِّ الْعَمَلِ ثَبَتَ فِيهِمَا التَّخْيِيرُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ قَدْ نَزَلَ فِي أَحَدَيْهِمَا وَخَرَجَ الْمَحَلُّ عَنْ مِلْكِهِ وَالتَّعَارُضُ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ لِجَهْلِهِ بِالْمَحِلِّ الَّذِي عَيَّنَهُ عِنْدَ الْإِيقَاعِ وَجَهْلُهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ لَهُ شَرْعًا، وَلَوْ جُعِلَ إلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ صَرْفِ الْحُرْمَةِ عَنْ مَحَلِّهَا إلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا كَمَا فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ لَمَّا ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى الْجَهْلِ بِالنَّاسِخِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ صَرْفُ الْحَقِيقَةِ عَنْ حُجَّةٍ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ
[كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ]
قَوْلُهُ (وَإِذَا عَرَفْتَ رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ) يَعْنِي لَمَّا عَلِمْت أَنَّ رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ تَقَابُلُ الْحُجَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنَّ شَرْطَهَا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ وَالْوَقْتِ كَمَا بَيَّنَّا، وَجَبَ أَنْ تَبْنِيَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا عَرَفْت كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ التَّعَارُضِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَمِ أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَعْدَمُهُ مِنْ الْأَصْلِ بِأَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ ثَابِتَةٌ لِعَدَمِ رُكْنِهَا وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُجَّتَيْنِ أَوْ عَدَمِ شَرْطِهَا وَهُوَ عَدَمُ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ أَوْ الْوَقْتِ إلَى آخِرِ مَا بَيَّنَّا فَمَا ذُكِرَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْمُعَارَضَةِ هُوَ الْمَخْلَصُ مِنْهَا عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِهَا وَتَسْلِيمِهَا وَهَذَا هُوَ الْمَخْلَصُ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَنْعِ مِثْلُ الْمُحْكَمِ يُعَارِضُهُ الْمُجْمَلُ أَوْ الْمُتَشَابِهُ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] مُحْكَمٌ فِي نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ فَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ عز وجل {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] لِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ لِانْتِفَاءِ رُكْنِ الْمُعَارَضَةِ وَهُوَ التَّسَاوِي فِي الْحُجَّتَيْنِ، وَلَوْ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ فِي حِلِّ الْبَيْعِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] لَا يَكُونُ لِخَصْمِهِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ فَلَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَمِثْلُ الْكِتَابِ الْمَشْهُورُ مِنْ السُّنَّةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ عليه السلام «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَمِثْلُ قَوْلِهِ عليه السلام، «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» لَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُجَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحُكْمُ) فَكَذَا إنَّمَا يُطْلَبُ الْمَخْلَصُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُعَارَضَةِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي يُثْبِتُهُ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَيْنَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
مَا يَنْفِيهِ الْآخَرُ بِالتَّحْقِيقِ التَّدَافُعِ وَالتَّمَانُعِ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ بِأَنْ يَنْفِيَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ لَا يَثْبُتُ التَّدَافُعُ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي كُلِّ يَمِينٍ مَكْسُوبَةٍ بِالْقَلْبِ أَيْ مَقْصُودَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْقُودَةً أَوْ غَيْرَ مَعْقُودَةٍ فَيَتَحَقَّقُ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْغَمُوسِ، وَقَوْلِهِ جل جلاله فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] يَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى نَوْعَيْنِ مَعْقُودَةٌ فِيهَا مُؤَاخَذَةٌ، وَلَغْوٌ لَا مُؤَاخَذَةَ فِيهِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْمَعْقُودَةِ وَنَفْيِهَا عَنْ اللَّغْوِ، وَالْغَمُوسُ لَيْسَتْ بِمَعْقُودَةٍ فَكَانَتْ لَغْوًا فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ إذْ اللَّغْوُ اسْمٌ لِكَلَامٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَيْسَتْ فِي الْغَمُوسِ فَائِدَةُ الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَنَّهَا ثُلُثٌ خَلَتْ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ أَوْ الصِّدْقِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ فِي الْغَمُوسِ أَصْلًا فَكَانَتْ لَغْوًا أَيْ كَلَامًا لَا عِبْرَةَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِحُكْمِهِ كَبَيْعِ الْحُرِّ فَكَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي هَذَا اللَّغْوِ أَيْ اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَائِدَةِ.
وَلَمْ يَقُلْ دَاخِلَةً لِتَأْوِيلِ الْغَمُوسِ بِالْحَلِفِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فِي حَقِّ الْغَمُوسِ إذْ الْأُولَى تُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا وَالثَّانِيَةُ تَنْفِيهَا عَنْهَا، فَيَتَخَلَّصُ عَنْهُ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ بِأَنْ يُقَالَ الْمُؤَاخَذَةُ الْمُثْبَتَةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] ، مُطْلَقَةٌ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا الْمُؤَاخَذَةُ الْكَامِلَةُ فَإِنَّ الْآخِرَةَ خُلِقَتْ لِلْجَزَاءِ وَلِلْمُؤَاخَذَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فَأَمَّا الدُّنْيَا فَدَارُ ابْتِلَاءٍ يُؤَاخِذُ الْمُطِيعَ فِيهَا بِمِحْنَةٍ تَطْهِيرًا وَيُنْعِمُ عَلَى الْعَاصِي اسْتِدْرَاجًا وَالْمُؤَاخَذَاتُ الْمُعَجَّلَةُ فِي الدُّنْيَا لَمْ تُشْرَعْ إلَّا بِأَسْبَابٍ لَنَا فِيهَا ضَرْبُ ضَرَرٍ لِتَكُونَ زَوَاجِرَ عَنْهَا كُلِّهَا لِصَلَاحِنَا فَلَا تَتَمَحَّضُ مُؤَاخَذَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا تَتَمَحَّضُ فِي الْآخِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمَنْفِيَّةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ عز وجل {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] مُقَيَّدَةٌ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ أَيْ الْمُرَادُ مِنْهَا نَفْيُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَحَدُ النَّصَّيْنِ غَيْرُ الْحُكْمِ الَّذِي يَنْفِيه الْآخَرُ فَلَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَبَطَلَ التَّدَافُعُ.
ثُمَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله نَفَى التَّعَارُضَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَحَمَلَ الْمُؤَاخَذَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مُفَسَّرَةٌ بِالْكَفَّارَةِ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْأُولَى، وَحَمَلَ الْعَقْدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْقَصْدُ لَا الْعَقْدُ الَّذِي ضِدُّهُ الْحَلُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُطْلَقُ عَلَى قَصْدِ الْقَلْبِ وَعَزْمِهِ عَلَى الشَّيْءِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى رَبْطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ يُقَالُ عَقَدْتُ عَلَى كَذَا أَيْ عَزَمْت وَاعْتَقَدْتُ كَذَا أَيْ قَصَدْت وَمِنْهُ الْعَقِيدَةُ لِلْعَزِيمَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:
عَقَدْت عَلَى قَلْبِي بِأَنْ نَكْتُمَ الْهَوَى
…
فَصَاحَ وَنَادَى إنَّنِي غَيْرُ فَاعِلٍ
وقَوْله تَعَالَى {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] مُفَسَّرٌ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْقَصْدَ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمِلُ عَلَى الْمُفَسَّرِ فَيَكُونُ الْغَمُوسُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ دَاخِلَةٌ فِي الْعَقْدِ لَا فِي اللَّغْوِ
وَأَمَّا الْحَالُ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّخْفِيفِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَيَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ الْكَفَّارَةَ بِنَفْسِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ حِنْثٍ فَقَالَ {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89]، وَقَالَ تَعَالَى {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] وَلَمْ يَقُلْ إذَا حَنِثْتُمْ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِنَفْسِ الْيَمِينِ إلَّا فِي الْغَمُوسِ، فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ نَفْيُ الْكَفَّارَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَإِثْبَاتُهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمَعْقُودَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ رحمه الله لَمَّا بَطَلَ التَّدَافُعُ وَالتَّعَارُضُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ أَيْ يُحْمَلَ الْعَقْدُ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ الْمُقَيَّدَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ فَائِدَةِ النَّصِّ فَإِنَّا مَتَى حَمَلْنَا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَ تَكْرَارًا وَحَمْلُ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِفَادَةِ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعَقْدِ رَبْطُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْحَبْلِ بِالْآخَرِ وَالْعَقْدُ الشَّرْعِيُّ يُسَمَّى عَقْدًا لِمَا فِيهِ مِنْ ارْتِبَاطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ أَوْ ارْتِبَاطِ الْكَلَامِ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ إنْ كَانَ الْكَلَامُ وَاحِدًا وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ لَا تَرْتَبِطُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ حُكْمًا إلَّا أَنَّهَا سَبَبُ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ فَانْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَقْدِ فَكَانَ مَجَازًا، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِالتَّشْدِيدِ كَمَا قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، وَبِالتَّشْدِيدِ لَا يُحْتَمَلُ عَقْدُ الْقَلْبِ أَصْلًا فَكَانَ حَمْلُ الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَقِيقَةِ، وَتَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْقَصْدِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ رحمه الله أَنَّهُ تَعَالَى نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ اللَّغْوِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَأَثْبَتَهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْإِثْمِ وَنَفَاهَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى عَنْ اللَّغْوِ وَأَثْبَتَهَا فِي الْمَعْقُودَةِ وَفَسَّرَهَا هَاهُنَا بِالْكَفَّارَةِ فَكَانَ بَيَانًا أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْمَعْقُودَةِ بِالْكَفَّارَةِ وَفِي الْغَمُوسِ بِالْإِثْمِ وَفِي اللَّغْوِ لَا مُؤَاخَذَةَ أَصْلًا فَلَزِمَ تَسْلِيمُ الْبَيَانِ وَالْعَمَلُ بِكُلِّ نَصٍّ عَلَى حِدَةٍ دُونَ صَرْفِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَتَقْيِيدِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ وَلَا فِي الْعُقْدَةِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ وَلَا يَثْبُتُ التَّعَارُضُ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَثْبَتَ التَّعَارُضَ بِأَنْ جَعَلَهَا دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ لِيُمْكِنَهُ إيرَادُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ سَقَطَ التَّعَارُضُ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ وَلَمَّا كَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ ثَابِتًا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ إلَّا أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ إلَى آخِرِهِ
1 -
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحَالُ) أَيْ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّخْفِيفِ تَقْتَضِي أَنْ يَحِلَّ الْقُرْبَانُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ سَوَاءٌ انْقَطَعَ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ عِبَارَةٌ عَنْ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ يُقَالُ طَهُرَتْ الْمَرْأَةُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ حَيْضِهَا وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحِلَّ الْقُرْبَانُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ سَوَاءٌ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رحمهم الله؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ هُوَ الِاغْتِسَالُ.
وَالْقَوْلُ بِهِمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ حَتَّى لِلْغَايَةِ وَبَيْنَ امْتِدَادِ الشَّيْءِ إلَى غَايَةٍ وَبَيْنَ اقْتِصَارِهِ دُونَهَا تَنَافٍ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ أَيْ بِأَنْ تُحْمَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى حَالٍ فَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ
وَمَعْنَاهُ انْقِطَاعُ الدَّمِ وَبِالتَّشْدِيدِ قُرِئَ، وَمَعْنَاهُ الِاغْتِسَالُ وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَضَادَّانِ ظَاهِرًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَدَّ إلَى الِاغْتِسَالِ مَعَ امْتِدَادِهِ إلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَ الشَّيْءِ إلَى غَايَةٍ وَاقْتِصَارَهُ دُونَهَا مَعًا ضِدَّانِ لَكِنَّ التَّعَارُضَ يَرْتَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ بِأَنْ يُحْمَلَ الِانْقِطَاعُ عَلَى الْعِشْرَةِ فَهُوَ الِانْقِطَاعُ التَّامُّ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ فِيهِ وَلَا يَسْتَقِيمُ التَّرَاخِي إلَى الِاغْتِسَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ بُطْلَانِ التَّقْدِيرِ وَيُحْمَلُ الِاغْتِسَالُ عَلَى مَا دُونَ مُدَّةِ الِانْقِطَاعِ وَالتَّنَاهِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُفْتَقِرُ إلَى الِاغْتِسَالِ فَيَنْعَدِمُ بِهِ التَّعَارُضُ،
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُ انْقِطَاعٌ بِيَقِينٍ وَحُرْمَةُ الْقُرْبَانِ تَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ لِمَعْنَى الْأَذَى بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فَبَعْدَ الِانْقِطَاعِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ لَا يَجُوزُ تَرَاخِي الْحُرْمَةِ إلَى الِاغْتِسَالِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى جَعْلِ الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيْضِ حَيْضًا وَهُوَ تَنَاقُضٌ وَإِبْطَالٌ لِلتَّقْدِيرِ الْوَارِدِ فِي الْحَيْضِ، أَوْ يُؤَدِّي إلَى مَنْعِ الزَّوْجِ عَنْ حَقِّهِ وَهُوَ الْقُرْبَانُ بِدُونِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَهِيَ الْأَذَى وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ، وَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى مَا دُونَ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَثْبُتُ الِانْقِطَاعُ بِيَقِينٍ لِتَوَهُّمِ أَنْ يُعَاوِدَهَا الدَّمُ وَيَكُونَ ذَلِكَ حَيْضًا فَإِنَّ الدَّمَ يَنْقَطِعُ مَرَّةً وَيَدِرُّ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ مُؤَكِّدٍ لِجَانِبِ الِانْقِطَاعِ وَهُوَ الِاغْتِسَالُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَقَدْ أَقَامَتْ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم الِاغْتِسَالَ مَقَامَ الِانْقِطَاعِ فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ ذَكَرَ أَنَّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَالَيْنِ انْقَطَعَ التَّعَارُضُ، فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] فِي الْقِرَاءَةِ يَأْبَى هَذَا التَّوْفِيقَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمْتُمْ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ فَإِذَا طَهُرْنَ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالِاغْتِسَالِ بِالْقِرَاءَتَيْنِ أَيْ حَتَّى يَطْهُرْنَ بِانْقِطَاعِ حَيْضِهِنَّ وَحَتَّى يَتَطَهَّرْنَ بِالِاغْتِسَالِ، قُلْنَا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ تَأْخِيرَ حَقِّ الزَّوْجِ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الِانْقِطَاعِ عَلَى الْعَشَرَةِ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ يُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى تَطْهُرْنَ فِي قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ عَلَى طَهُرْنَ فَإِنَّ تَفَعَّلَ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى فَعَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صُنْعٍ كَتَبَيَّنَ بِمَعْنَى بَانَ أَيْ ظَهَرَ وَكَمَا يُقَالُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ: عز وجل تَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ وَلَا يُرَادُ بِهِ صِفَةٌ تَكُونُ بِإِحْدَاثِ الْفِعْلِ، إلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ رحمه الله، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ مَعْنَاهُ تَوَضَّأْنَ أَيْ صِرْنَ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ كَذَا فِي عَيْنِ الْمَعَانِي يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْتُمْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ التَّطَهُّرُ حَقِيقَةٌ فِي الِاغْتِسَالِ وَحَمْلُهُ عَلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ إنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَهُوَ إثْبَاتُ الْعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ أُرِيدَا مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ غَيْرُ جَائِزَةٍ.
وَلَا يُقَالُ مَعْنَى التَّطَهُّرِ الِاغْتِسَالُ لَا غَيْرُ عِنْدَ مَنْ اخْتَارَ التَّشْدِيدَ وَانْقِطَاعُ الدَّمِ لَا غَيْرُ عِنْدَ مَنْ اخْتَارَ التَّخْفِيفَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ جَمِيعُ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ حَقٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَمَنْ اخْتَارَ التَّشْدِيدَ فَالتَّخْفِيفُ عِنْدَهُ حَقٌّ وَمَنْ اخْتَارَ التَّخْفِيفَ فَالتَّشْدِيدُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ، قُلْنَا لَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الِانْقِطَاعِ فِي حَالِ اخْتِيَارِ التَّخْفِيفِ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى غَيْرُهُ وَإِرَادَةُ الِاغْتِسَالِ فِي حَالِ اخْتِيَارِ التَّشْدِيدِ وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْحَالَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ إذْ لَا يُقْرَأُ بِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إذْ مِنْ شَرْطِهِ اتِّحَادُ الْحَالِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ} [الروم: 3] فَإِنَّ الْغَلَبَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اللَّازِمِ عَلَى قِرَاءَةِ غُلِبَتْ عَلَى الْمَجْهُولِ أَيْ غُلِبُوا وَهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ صَارُوا مَغْلُوبِينَ سَيَغْلِبُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَبِمَعْنَى الْمُتَعَدِّي عَلَى قِرَاءَةِ غُلِبَتْ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] بِالْخَفْضِ وَالنَّصْبِ مُتَعَارِضَانِ ظَاهِرًا فَإِذَا حَمَلْنَا النَّصْبَ عَلَى ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ وَالْخَفْضَ عَلَى حَالِ الِاسْتِتَارِ بِالْخُفَّيْنِ لَمْ يَثْبُتْ التَّعَارُضُ فَصَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ أُقِيمَ مُقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ فَصَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الْقَدَمِ.
وَأَمَّا صَرِيحُ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فَبِأَنْ يُعْرَفَ التَّارِيخُ فَيَسْقُطَ التَّعَارُضُ وَيَكُونَ آخِرُهُمَا نَاسِخًا
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْمَعْرُوفِ أَيْ غُلِبُوا وَهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ كَانُوا غَالِبِينَ عَلَى خَصْمِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلَكِنَّهُ جَازَ إرَادَتُهُمَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَتَيْنِ كَذَلِكَ هُنَا، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي النِّسَاءِ أَنْ لَا يَمْتَدَّ حَيْضُهُنَّ إلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَقَلِّ بَلْ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ هُنَّ نَاقِصَاتُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ» ثُمَّ وَصَفَ نُقْصَانَ دِينِهِنَّ بِأَنْ تَتَحَيَّضَ إحْدَاهُنَّ فِي الشَّهْرِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا وَصَفَهُنَّ جُمْلَةً بِنُقْصَانِ الدِّينِ ثُمَّ فَسَّرَ النُّقْصَانَ فِي جُمْلَتِهِنَّ بِمَا ذَكَرَ فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ فِي جُمْلَتَيْنِ وَالْخِطَابُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِهِنَّ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهُنَّ دُونَ الْعَشَرَةِ وَبِهِ نَقُولُ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا أَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا بِالتَّخْفِيفِ فَلِأَنَّ الِانْقِطَاعَ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالِاغْتِسَالِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِمَا ذَكَرْنَا فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ الطُّهْرِ الِاغْتِسَالُ أَيْضًا فَلِذَلِكَ قُرِئَ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ فَإِذًا تَطَهَّرْنَ دُونَ طَهُرْنَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الِانْقِطَاعَ بِالِاغْتِسَالِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى) أَيْ وَكَمَا أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُتَعَارِضَتَانِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَيَنْدَفِعُ ذَلِكَ التَّعَارُضُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَكَذَا الْقِرَاءَتَانِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِخَفْضِ اللَّامِ وَنَصْبِهَا مُتَعَارِضَتَانِ إذْ الْخَفْضُ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّأْسِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ مَسْحِ الرِّجْلِ لَا غَيْرُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الرَّوَافِضِ وَالنَّصْبُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْوَجْهِ فَيُوجِبُ وُجُوبَ الْغَسْلِ وَعَدَمَ جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَسْحِ فَيَتَعَارَضَانِ ظَاهِرًا فَيُتَخَلَّصُ عَنْهُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ (وَصَحَّ ذَلِكَ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا يَسْتَقِيمُ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلِ عَلَى قِرَاءَةِ الْخَفْضِ لَا عَلَى الْخُفِّ إذْ لَمْ يَقُلْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَخِفَافِكُمْ، فَقَالَ قَدْ صَحَّ ذَلِكَ أَيْ حَمْلُ قِرَاءَةِ الْخَفْضِ عَلَى الْمَسْحِ بِالْخُفِّ وَإِنْ أُضِيفَ الْمَسْحُ إلَى الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ لَمَّا أُقِيمَ مُقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا صَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ مَسْحِ الْقَدَمِ فَصَارَ إضَافَةُ الْمَسْحِ إلَى الرِّجْلِ وَإِرَادَةُ الْخُفِّ مِنْهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَصَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الْقَدَمِ أَيْ الْجِلْدُ لَمَّا قَامَ مَقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ كَانَ الْمَسْحُ مُصَادِفًا بَشَرَةَ الْقَدَمِ تَقْدِيرًا كَمَا أَنَّ الْغَسْلَ يُصَادِفُ بَشَرَةَ الْقَدَمِ تَحْقِيقًا فَيَصِحُّ إضَافَةُ الْمَسْحِ إلَى الرِّجْلِ، وَفِي ذِكْرِ الرِّجْلِ دُونَ الْخُفِّ فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمَسْحَ لَوْ أُضِيفَ إلَى الْخُفِّ بِأَنْ قِيلَ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَخِفَافِكُمْ لَأَوْهَمَ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَلْبُوسٍ فَفِي إضَافَتِهِ إلَى الرِّجْلِ وَإِرَادَةِ الْخُفِّ إزَالَةُ ذَلِكَ الْوَهْمِ، وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا شَرْعِيَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ بِالْكِتَابِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَأَمَّا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ فَالْمَسْحُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ دُونَ الْكِتَابِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْهِدَايَةِ وَعَامَّةِ الْكُتُبِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا بِهِ لَكَانَ مُغَيًّا إلَى الْكَعْبَيْنِ كَالْغَسْلِ.
وَمَا قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مُغَيًّا إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ نُسِخَتْ الْغَايَةُ بِالسُّنَّةِ وَبَقِيَ أَصْلُ الْمَسْحِ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالنَّقْلِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ مُغَيًّا ثُمَّ نُسِخَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله مَا قُلْت بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ أَوْ قَالَ مِثْلُ فَلَقِ الصُّبْحِ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَقَالَ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ إنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الصُّغْرَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} [الطلاق: 4] نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَرَادَ بِهِ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234] الْآيَةَ وَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَثْبُتُ دَلَالَةً فَمِثْلُ النَّصَّيْنِ تَعَارَضَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الْحَاظِرَ يُجْعَلُ آخِرًا نَاسِخًا دَلَالَةً؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي زَمَانَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْحَاظِرُ أَوَّلًا كَانَ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ ثُمَّ كَانَ الْمُبِيحُ نَاسِخًا فَتَكَرَّرَ النَّسْخُ، وَإِذَا تَقَدَّمَ الْمُبِيحُ ثُمَّ الْحَاظِرُ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَكَانَ الْمُتَيَقَّنُ أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْكِتَابِ لَمَا اسْتَقَامَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ.
ثُمَّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْقِرَاءَةُ بِالْخَفْضِ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفَةً عَلَى الرَّأْسِ فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلْغَسْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْمَسْحِ الْغَسْلُ فِي حَقِّ الرِّجْلِ لِلْمُشَاكَلَةِ وَهِيَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَك طَبْخَهُ
…
. قُلْت اُطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا
وَلِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمْسَاسُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ وَالْمُتَوَضِّئُ لَا يَقْنَعُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ حَتَّى يَمْسَحَهَا فِي الْغَسْلِ وَيُقَالُ تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ أَيْ تَوَضَّأْت، وَقَالَ تَعَالَى {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} [ص: 33] أَيْ غَسَلَ أَعْنَاقَهَا وَأَرْجُلَهَا غَسْلًا خَفِيفًا فِي قَوْلٍ إزَالَةً لِلْغُبَارِ عَنْهَا لِكَرَامَتِهَا عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَسْحِ قَدْ أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ {وَامْسَحُوا} [المائدة: 6] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا أُرِيدَ الْغَسْلُ بِالْمَسْحِ الْمُقَدَّرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] إذْ التَّقْدِيرُ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَامْسَحُوا بِأَرْجُلِكُمْ دُونَ الْمَذْكُورِ صَرِيحًا فَلَا يَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي عَطْفِ الْمَغْسُولِ عَلَى الْمَمْسُوحِ؟ قُلْنَا هِيَ التَّحْذِيرُ عَنْ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَعُطِفَ عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِتُمْسَحَ وَلَكِنْ لِيُنَبِّهَ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَادِ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْكَشَّافِ قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه) وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ أَيْ بِأَطْوَلِ الْعِدَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ تُوجِبُ عِدَّةً عَلَى وَجْهٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه هَذَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ فَإِذَا عُرِفَ تَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ، وَقَدْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} [الطلاق: 4] عِنْدَهُ حَتَّى دَعَا إلَى الْمُبَاهَلَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَالْمُبَاهَلَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْبُهْلَةِ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَهِيَ اللَّعْنَةُ وَيُرْوَى لَاعَنْته. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ اجْتَمَعُوا وَقَالُوا بُهْلَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ فَجَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه التَّأَخُّرَ دَلِيلَ النَّسْخِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ النَّصَّيْنِ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي ثَبَتَ دَلَالَةً) إلَى آخِرِهِ إذَا اجْتَمَعَ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ نُقِلَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَأَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُمَا يُطْرَحَانِ وَيَرْجِعُ الْمُجْتَهِدُ إلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَدِلَّةِ كَالْوَلِيَّيْنِ عَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمُوَلِّيَةِ وَلَا يُعْلَمُ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُمَا يَبْطُلَانِ وَكَالْغَرْقَى بَعْضُهُمْ عَلَى الْبَعْضِ، وَفِي الْقَوَاطِعِ لِأَبِي مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيِّ إذَا اقْتَضَى أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ الْحَظْرَ وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ وَصَدَقَ الرَّاوِي فِيهِمَا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْحَاظِرَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَعِنْدَنَا يُرَجَّحُ الْمُحَرِّمُ لِقَوْلِهِ عليه السلام «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إلَّا وَغَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَقَوْلُهُ عليه السلام «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَلَا يَرِيبُهُ جَوَازُ تَرْكِ هَذَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ كَوْنِهِ حَرَامًا أَوْ مُبَاحًا وَإِنَّمَا يَرِيبُهُ جَوَازُ فِعْلِهِ فَيَجِبُ تَرْكُهُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ فِي الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى وَلِأَنَّ مَنْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ أَوْ أَعْتَقَ إحْدَى إمَائِهِ وَنَسِيَهَا
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْإِبَاحَةَ أَصْلًا وَلَسْنَا نَقُولُ لِهَذَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا هَذَا بِنَاءٌ عَلَى زَمَانِ الْفَتْرَةِ قَبْلَ شَرِيعَتِنَا
ــ
[كشف الأسرار]
يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ جَمِيعِهِنَّ بِالِاتِّفَاقِ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ.
وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ كَوْنِ الْمُحَرِّمِ نَاسِخًا؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي زَمَانَيْنِ إذْ لَوْ كَانَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لَكَانَا مُتَنَاقِضَيْنِ وَنِسْبَةُ التَّنَاقُضِ إلَى الشَّارِعِ مُحَالٌ ثُمَّ لَوْ كَانَ الْحَاظِرُ مُتَقَدِّمًا يَتَكَرَّرُ النَّسْخُ وَلَوْ كَانَ الْمُبِيحُ مُتَقَدِّمًا لَا يَتَكَرَّرُ فَكَانَ الْمُتَيَقَّنُ وَهُوَ النَّسْخُ مَرَّةً أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِالتَّكْرَارِ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاظِرَ نَاسِخٌ بِيَقِينٍ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا نَاسِخٌ لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ لِلْإِبَاحَةِ الْعَارِضَةِ وَالْمُبِيحُ مُحْتَمِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ كَانَ مُقَرِّرًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا نَاسِخًا لَهَا فَكَانَ الْعَمَلُ بِمَا هُوَ نَاسِخٌ بِيَقِينٍ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُحْتَمَلِ قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ جَعْلُ الْحَاظِرِ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ. بِنَاءً عَلَى كَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَحْتَمِلُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهَا وَحَظْرِهَا أَنَّهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ عَلَى الْحَظْرِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا خُصُوصًا الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ وَأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا شَاءَ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْإِكْرَاهِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ تَهَدَّدَ بِقَتْلٍ حَتَّى يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ أَوْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ آثِمًا؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَشُرْبَ الْخَمْرِ لَمْ يُحَرَّمَا إلَّا بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا فَجَعَلَ الْإِبَاحَةَ أَصْلًا وَالْحُرْمَةَ بِعَارِضِ النَّهْيِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ وَأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمُعْتَزِلَةُ بَغْدَادَ إنَّهُمَا عَلَى الْحَظْرِ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ لَا يُبَاحُ لَهُ شَيْءٌ إلَّا مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ التَّنَفُّسِ وَالِانْتِقَالِ عَنْ مَكَان إلَى مَكَان.
وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إنَّهَا عَلَى الْوَقْفِ لَا تُوصَفُ بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ وَلَا يَتَنَاوَلَ شَيْئًا فَإِنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا لَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْحَظْرِ وَلَا بِالْإِبَاحَةِ.
قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَتَفْسِيرُ الْوَقْفِ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِفِعْلِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ رحمه الله فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ إنَّ الْعَقْلَ لَا حَظَّ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ هَذَا الْقِسْمِ يَعْنِي فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْبَقَاءِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَلَى الْحَقِيقَةِ جَوَادٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْغَنِيُّ الْجَوَادُ لَا يَمْنَعُ مَالَهُ عَنْ عِبَادِهِ إلَّا مَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَتَكُونُ الْإِبَاحَةُ هِيَ الْأَصْلُ بِاعْتِبَارِ غِنَاهُ وُجُودِهِ وَالْحُرْمَةُ لِعَوَارِضَ وَلَمْ يَثْبُتْ فَيَبْقَى عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِبَاحَةِ الْمَالِكِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ الْإِبَاحَةُ بَقِيَتْ عَلَى الْحَظْرِ لِقِيَامِ سَبَبِهِ وَهُوَ مِلْكُ الْغَيْرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْوَاقِفِيَّةِ أَنَّ الْحُرْمَةَ أَوْ الْإِبَاحَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَقَبْلَ وُرُودِهِ لَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُحْكَمُ فِيهَا بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ.
ثُمَّ الشَّيْخُ رحمه الله اخْتَارَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَشْيَاءَ فِي أَصْلِ وَضْعِهَا مُبَاحَةً مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ بِحَظْرٍ وَتَحْرِيمٍ ثُمَّ بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ عليهم السلام وَأَوْحَى إلَيْهِمْ بِحَظْرِ بَعْضِهَا وَإِبْقَاءِ بَعْضِهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ
وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ حَرَّمَ الضَّبَّ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ خُلِقَ الْخَلَائِقُ وَلَمْ يُكَلَّفُوا بِشَيْءٍ مُدَّةً ثُمَّ بُعِثَ فِيهِمْ الْأَنْبِيَاءُ بِالتَّكْلِيفِ فَكُلِّفُوا بِتَحْرِيمِ الْبَعْضِ وَإِبْقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إذْ النَّاسُ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى أَيْ مُهْمَلًا فِي زَمَانٍ فَإِنَّ أَوَّلَ الْبَشَرِ آدَمَ عليه السلام وَهُوَ كَانَ صَاحِبَ شَرْعٍ قَدْ أَتَى بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يَخْلُ قَرْنٌ بَعْدَهُ عَنْ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ وَإِنْ فَتَرَ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْدِيدِ النَّظَرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] أَيْ وَمَا مِنْ أُمَّةٍ فِيمَا مَضَى إلَّا جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَذَّرَ الْقَوْلُ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ بِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بِكَوْنِهَا أَصْلًا فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عليهما السلام؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَالْحُرْمَةَ قَدْ ثَبَتَتَا فِي الْأَشْيَاءِ بِالشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ وَبَقِيَتَا إلَى زَمَانِ الْفَتْرَةِ ثُمَّ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ ظَاهِرَةً فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يَثْبُتَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ فِي شَرِيعَتِنَا فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا لَا أَنَّهَا أَصْلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ بَيَانُ مَحَلِّ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ أَوْ الْحَظْرِ أَوْ التَّوَقُّفِ قَبْلَ وُجُودِ الْخَلَائِقِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَبَعْدَمَا وُجِدُوا لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي زَمَانٍ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلُّ الْخِلَافِ إلَّا زَمَانَ الْفَتْرَةِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَنْ بَلَغَ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُ السَّمْعِ أَوْ فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَهَذَا أَيْ الْوَقْفُ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَضِرَارٍ وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ زَمَانُ الْعُقَلَاءِ عَنْ شَرِيعَةٍ وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا لَا عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ تَارَةً وَيُبَاحَ أُخْرَى فَقَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَوْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ الشَّرْعُ لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ وَلَا بِالْإِبَاحَةِ وَفِعْلُ الْإِنْسَانِ فِيهِ أَيْضًا لَا يُوصَفُ بِالْحِلِّ وَلَا بِالْحُرْمَةِ كَفِعْلِ مَنْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَالْأَمْوَالُ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِالْإِجْمَاعِ مَا لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَهُمْ الْعِبَادَاتِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَحْصِيلِهَا إلَّا بِالْعِصْمَةِ عَنْ الْإِتْلَافِ وَالْعِصْمَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِتَحْرِيمِ إتْلَافِ الْأَنْفُسِ وَالْأَطْرَافِ جَمِيعًا، قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ تَرْجِيحُ الْمُحَرَّمِ وَجَعْلُهُ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ حَرَّمَ الضَّبَّ وَهُوَ مَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُ أُهْدِي لَهَا ضَبٌّ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِهِ فَكَرِهَهُ فَجَاءَ سَائِلٌ فَأَرَادَتْ أَنْ تُطْعِمَهُ إيَّاهُ فَقَالَ عليه السلام، أَتُطْعِمِينَ مَا لَا تَأْكُلِينَ» فَدَلَّ أَنَّهُ كَرِهَهُ لِحُرْمَتِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَرَاهِيَةُ الْأَكْلِ لِلْحُرْمَةِ لَأَمَرَهَا بِالتَّصَدُّقِ كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي شَاةِ الْأَنْصَارِيِّ بِقَوْلِهِ أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ أَنَّهُ.
قَالَ «نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ وَطَبَخْنَا مِنْهَا وَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي بِهَا إذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَا هَذَا، فَقُلْنَا ضِبَابٌ أَصَبْنَاهَا فَقَالَ إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَاكْفِنُوهَا» وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم -