المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الصحابة إذا اختلفوا في حادثة بآرائهم ولم يحاج بعضهم في ذلك بحديث] - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي - جـ ٣

[علاء الدين عبد العزيز البخاري - فخر الإسلام البزدوي]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ) (الِانْقِطَاعِ)وَهُوَ نَوْعَانِ

- ‌ مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ

- ‌ إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ

- ‌[الإنقطاع الظَّاهِرُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ] [

- ‌ إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ

- ‌ الِاتِّصَالَ بِالِانْقِطَاعِ

- ‌[الِانْقِطَاعُ الْبَاطِلُ]

- ‌ الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ وَخَفِيَ الْحَدِيثُ

- ‌[الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ]

- ‌ خَبَرُ الْمَسْتُورِ

- ‌[الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ]

- ‌ خَبَرِ الْفَاسِقِ

- ‌[خَبَر الْكَافِرِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ]

- ‌[خَبَر صَاحِبُ الْهَوَى]

- ‌(بَابُ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ)

- ‌[بَابُ بَيَانِ الْخَبَرُ]

- ‌ بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ)

- ‌بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى)

- ‌(بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي)

- ‌(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ)

- ‌‌‌(بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌(بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ آيَتَيْنِ

- ‌[كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[تعارض الْجُرْح وَالتَّعْدِيل]

- ‌(بَابُ الْبَيَانِ)

- ‌[أَوْجُه الْبَيَانُ]

- ‌[بَيَانُ التَّقْرِير]

- ‌ بَيَانُ التَّفْسِيرِ

- ‌[تَخْصِيصِ الْعَامِّ]

- ‌(بَابُ بَيَانِ التَّغْيِيرِ)

- ‌[أَنْوَاع بَيَانِ التَّغْيِيرِ]

- ‌{بَابُ بَيَانِ الضَّرُورَةِ}

- ‌[أَوْجُهٍ بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌{بَابُ بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[تَفْسِيرِ النَّسْخِ]

- ‌النَّسْخُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ مَحِلِّ النَّسْخِ)

- ‌[أَقْسَام مَالَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ]

- ‌[بَابُ بَيَانِ شُرُوطِ النَّسْخ]

- ‌{بَابُ تَقْسِيمِ النَّاسِخِ}

- ‌[النَّسْخُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]

- ‌[نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ]

- ‌نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ

- ‌(بَابُ تَفْصِيلِ) (الْمَنْسُوخِ)

- ‌[أَنْوَاعٌ الْمَنْسُوخُ]

- ‌[الْفُرْق بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ]

- ‌(بَابُ أَفْعَالِ النَّبِيِّ)

- ‌[أَقْسَام أَفْعَالِ النَّبِيِّ]

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ السُّنَّةِ)فِي حَقِّ النَّبِيِّ

- ‌[أَنْوَاع الوحى]

- ‌[جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ]

- ‌(بَابُ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا)

- ‌ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ

- ‌[بَابُ مُتَابَعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ]

- ‌[تَقْلِيد التَّابِعِينَ]

- ‌(بَابُ الْإِجْمَاعِ)

- ‌[أَرْكَان الْإِجْمَاع]

- ‌[بَابُ أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاع]

- ‌بَابُ شُرُوطِ) (الْإِجْمَاعِ) :

- ‌[بَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ وَمَحِلّه]

- ‌[إنْكَار الْإِجْمَاع]

- ‌[بَابُ بَيَانِ سَبَب الْإِجْمَاعُ]

- ‌(بَابُ الْقِيَاسِ)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ]

- ‌[ثُبُوت الْقِيَاس وَأَنْوَاعه]

- ‌(فَصْلٌ فِي تَعْلِيلِ الْأُصُولِ)

- ‌بَابٌ شُرُوطُ الْقِيَاسِ) :

- ‌[بَابُ رُكْنُ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَا يصلح دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّة]

- ‌[بَابُ الِاحْتِجَاجَ بِالطَّرْدِ]

- ‌ التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِلَا دَلِيلٍ

- ‌بَابُ حُكْمِ الْعِلَّةِ) :

- ‌[جُمْلَةَ مَا يُعَلَّلُ لَهُ]

الفصل: ‌[الصحابة إذا اختلفوا في حادثة بآرائهم ولم يحاج بعضهم في ذلك بحديث]

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم هُمْ الْأُصُولُ فِي نَقْلِ الشَّرِيعَةِ فَإِعْرَاضُهُمْ يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِهِ وَانْتِسَاخِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ كَانَ ذَلِكَ زِيَافَةً؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ النَّصِّ غَيْرُ سَائِغٍ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى قَوْلِهِ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا

ــ

[كشف الأسرار]

فِي تِلْكَ الْحَوَادِثِ لِقَرَائِنَ اخْتَصَّتْ بِهِ أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ مَشْهُورًا عِنْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الصِّدْقِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ شُهْرَتِهِ يُعَارِضُ ظَنَّ الصِّدْقِ فَلَا يَحْصُلُ الظَّنُّ مَعَ الْمُعَارِضِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَذَلِكَ أَيْ شُذُوذُ الْحَدِيثِ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ مِثْلُ حَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَرَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما كَانُوا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَلَمَّا شَذَّ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ وَمَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَحَادِيثَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الصِّحَّةِ دَالَّةٍ عَلَى خِلَافِهِ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَمِثْلُ حَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ الَّذِي رَوَتْهُ بُسْرَةُ؛ فَإِنَّهُ شَاذٌّ لِانْفِرَادِهَا بِرِوَايَتِهِ مَعَ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى زِيَافَتِهِ إذْ الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام خَصَّهَا بِتَعْلِيمِ هَذَا الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَائِرُ الصَّحَابَةِ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ شِبْهُ الْمُحَالِ، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله.

وَلَا يُقَالُ: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَسَالِمٌ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَغَيْرُهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ شَاذًّا مَعَ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ؟ ، لِأَنَّا نَقُولُ: تِلْكَ الرِّوَايَاتُ مُضْطَرِبَةُ الْأَسَانِيدِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِضَعْفِ رِجَالِهَا وَلِمُعَارَضَتِهَا أَيْضًا بِرِوَايَاتٍ صَحِيحَةٍ تُخَالِفُهَا عَلَى مَا بَيَّنَهَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ رحمه الله فِي شَرْحِ الْآثَارِ فَلَا يَنْتَفِي الشُّذُوذُ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ خَبَرِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَخَبَرِ الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِ الْجِنَازَةِ وَخَبَرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ وَنَحْوِهَا.

[الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ]

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ) أَيْ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الرَّدِّ لِلْحَدِيثِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ قَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ إذَا ثَبَتَ وَصَحَّ سَنَدُهُ فَخِلَافُ الصَّحَابِيِّ إيَّاهُ وَتَرْكُهُ الْعَمَلَ وَالْمُحَاجَّةُ بِهِ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ حُجَّةٌ عَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ وَالصَّحَابِيُّ مَحْجُوجٌ بِهِ كَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] وَقَوْلُهُ عز وجل {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وَرَدَا عَامَّيْنِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِبَعْضِ الْأُمَّةِ دُونَ الْبَعْضِ وَمَنْ رَدَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم هُمْ الْأُصُولُ فِي نَقْلِ الدِّينِ لَمْ يُتَّهَمُوا بِتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ أَنَّ عِنَايَتَهُمْ بِالْحُجَجِ كَانَتْ أَقْوَى مِنْ عِنَايَةِ غَيْرِهِمْ بِهَا فَتَرْكُ الْمُحَاجَاةِ وَالْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الِاخْتِلَافِ فِيهِمْ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ سَهْوٌ مِمَّنْ رَوَاهُ بَعْدَهُمْ أَوْ مَنْسُوخٌ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا إذَا بَلَغَهُمْ الْخَبَرُ ثُمَّ لَمْ يُحَاجُّوا بِهِ فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُحَاجُّوا بِهِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ عليه السلام فَيَجُوزُ أَنَّ مَنْ سَمِعَ الْخَبَرَ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُ اخْتِلَافُهُمْ لِيَرْوِيَ لَهُمْ الْخَبَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ بِمِثْلِهِ لِحَدِيثٍ إذَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الْمُنْقَطِعُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مِثْلُ حَدِيثِ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الطَّلَاقِ بِحَالِ الرَّجُلِ، وَهُوَ مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ

ص: 18

كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ» فَهَذَا انْقِطَاعٌ بَاطِنٌ مَعْنَوِيٌّ أَعْرَضَ عَنْهُ الْخَصْمُ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الِانْقِطَاعِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ.

ــ

[كشف الأسرار]

صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَزَيْدٌ وَعَائِشَةُ رضي الله عنهم إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الرَّجُلِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمَرْأَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا.

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِمَنْ رُقَّ مِنْهُمَا حَتَّى لَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ إلَّا إذَا كَانَا حُرَّيْنِ، ثُمَّ إنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّأْيِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ رَاوِيَهُ وَهُوَ زَيْدٌ فِيهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مَنْسُوخٍ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ أَيْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، فَذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم إلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ رضي الله عنهم إلَى الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه إلَى أَنَّ الْوَصِيَّ يَعُدُّ السِّنِينَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْبِرُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ إنْ شَاءَ أَدَّى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُؤَدِّ وَلَمْ تَجُزْ الْمُحَاجَّةُ بَيْنَهُمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَجَرَتْ الْمُحَاجَاةُ بِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ بِظُهُورِ الْخِلَافِ كَمَا تَجْرِي الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلَعَ بِالنَّصِّ مِنَّا وَلَوْ احْتَجُّوا بِهِ لَاشْتُهِرَ أَكْثَرَ مِنْ شُهْرَةِ الْفَتْوَى وَلَرَجَعَ الْمَحْجُوجُ عَلَيْهِ إلَيْهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ انْقِيَادًا لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ مُزَيَّفٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَا يَرُدُّ الْحَدِيثَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ مَشَايِخِنَا أَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي زُيِّفَتْ بِهِمَا بِأَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِأَحَادِيثَ أُخَرَ أَقْوَى مِنْهَا فِي الصِّحَّةِ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه «صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» وَرَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْخَبَرَ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ رَابِعَةٍ وَلَمْ يَجْهَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَحَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ مُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ ذِكْرُهُ وَحَدِيثُ الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» مَعَ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَلَامُ زَيْدٍ وَلَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ إلَى النَّبِيِّ عليه السلام وَأَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ إلَى الرِّجَالِ وَحَدِيثُ عَمْرٍو مَحْمُولٌ عَلَى النَّفَقَةِ بِمُعَارَضَةِ دَلَائِلَ ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِهَا؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ قَدْ تُسَمَّى صَدَقَةً قَالَ عليه السلام «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ» وَفَسَّرَ الْإِنْفَاقَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] بِالتَّصَدُّقِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَضَافَ الْأَكْلَ إلَى جَمِيعِ الْمَالِ وَالزَّكَاةُ لَا يَأْكُلُ مَا دُونَ النِّصَابِ وَالنَّفَقَةُ تَأْتِي عَلَى الْكُلِّ وَلَفْظُ الزَّكَاةِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَحْمُولٌ عَلَى زَكَاةِ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ رحمه الله: إنَّ الْخَبَرَ يَصِيرُ مُزَيَّفًا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَيْ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ فَوْقَهُ كَنَقْدِ بَلَدٍ رَايِجٍ يَصِيرُ زَيْفًا فِي مُقَابَلَةِ نَقْدٍ فَوْقَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ وَيَصِيرُ مُزَيَّفًا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ

ص: 19