الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ)(الِانْقِطَاعِ)
وَهُوَ نَوْعَانِ
ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَمَّا الظَّاهِرُ فَالْمُرْسَلُ مِنْ الْأَخْبَارِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ
مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ
وَالثَّانِي مَا أَرْسَلَهُ الْقَرْنُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَا أَرْسَلَهُ الْعَدْلُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَالرَّابِعُ مَا أُرْسِلَ مِنْ وَجْهٍ وَاتَّصَلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ مِنْ الْفِتْيَانِ قَلَّتْ صُحْبَتُهُ فَكَانَ يَرْوِي عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِذَا أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مَقْبُولًا وَإِنْ احْتَمَلَ الْإِرْسَالَ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ لَمْ يُحْمَلْ حَدِيثُهُ إلَّا عَلَى سَمَاعِهِ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ.
، وَأَمَّا
إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ
فَحُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ فَوْقَ الْمُسْنَدِ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ اتِّصَالُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ
ــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الِانْقِطَاعِ وَهُوَ نَوْعَانِ]
[الإنقطاع الظَّاهِرُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ] [
مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ]
(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الِانْقِطَاعِ) الْإِرْسَالُ خِلَافُ التَّقْيِيدِ لُغَةً، وَكَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ سُمِّيَ مُرْسَلًا لِعَدَمِ تَقَيُّدِهِ بِذِكْرِ الْوَاسِطَةِ الَّتِي بَيْنَ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ أَنْ يَتْرُكَ التَّابِعِيُّ الْوَاسِطَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ عليه السلام فَيَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام كَذَا كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ تَرَكَ الرَّاوِي وَاسِطَةً بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ مَنْ لَمْ يُعَاصِرْ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَهَذَا يُسَمَّى مُنْقَطِعًا عِنْدَهُمْ. هَذَا إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ وَاسِطَةً وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُعْضَلِ عِنْدَهُمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ الْمُعْضَلُ لَقَبٌ لِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الْمُنْقَطِعِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ عَنْ إسْنَادِهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ أَعْضَلَهُ فَهُوَ مُعْضَلٌ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ مُشْكِلُ الْمَأْخَذِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَبَحَثْت فَوَجَدْت لَهُ قَوْلَهُمْ أَمْرٌ عَضِيلٌ أَيْ مُسْتَغْلِقٌ شَدِيدٌ وَلَا الْتِفَاتَ فِي ذَلِكَ إلَى مُعْضِلِ بِكَسْرِ الضَّادِ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ عَضِيلٍ فِي الْمَعْنَى، وَالْكُلُّ يُسَمَّى إرْسَالًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَتَقْسِيمُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مُرْسَلُ الصَّحَابَةِ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّهُ خَصَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ بِالْقَبُولِ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ النَّبِيُّ عليه السلام كَذَا وَكَذَا قُبِلَتْ إلَّا إنْ أَعْلَمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ، كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ.
[إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ]
وَأَمَّا إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَحُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ أَصْلًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَأَيَّدَ بِآيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ أَوْ مُوَافِقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قِيَاسٌ أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَوْ عُرِفَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَمَّنْ فِيهِ عِلَّةٌ مِنْ جَهَالَةٍ
وَلِهَذَا قَبِلْتُ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي وَجَدْتهَا مَسَانِيدَ وَحَكَى أَصْحَابُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ الْمَرَاسِيلَ وَيَعْمَلُ بِهَا مِثْلَ قَوْلِنَا احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ الْجَهْلَ بِالرَّاوِي جَهْلٌ بِصِفَاتِهِ الَّتِي بِهَا يَصِحُّ رِوَايَتُهُ لَكِنَّا نَقُولُ لَا بَأْسَ بِالْإِرْسَالِ اسْتِدْلَالًا بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالْمَعْنَى الْمَعْقُولِ أَمَّا عَمَلُ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» فَرَدَّتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَ سَمِعْته مِنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ وَلَمَّا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام قَالَ «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» فَعُورِضَ فِي ذَلِكَ بِرِبَا النَّقْدِ قَالَ سَمِعْته مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنه مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام وَإِنَّمَا حُدِّثْنَا عَنْهُ لَكِنَّا لَا نَكْذِبُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ أَنَّ كَلَامَنَا فِي إرْسَالِ مَنْ لَوْ أَسْنَدَ عَنْ غَيْرِهِ قُبِلَ إسْنَادُهُ وَلَا يُظَنُّ بِهِ الْكَذِبُ عَلَيْهِ فَلَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
أَوْ غَيْرِهَا أَوْ اشْتَرَكَ فِي إرْسَالِهِ عَدْلَانِ ثِقَتَانِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ شُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةً أَوْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ بِوَجْهٍ آخَرَ بِأَنْ أَسْنَدَهُ غَيْرُ مُرْسِلِهِ أَوْ أَسْنَدَهُ مُرْسِلُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
قَالَ: وَلِهَذَا أَيْ وَلِثُبُوتِ الِاتِّصَالِ بِوَجْهٍ آخَرَ قُبِلَتْ مَرَاسِيلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي اتَّبَعْتهَا فَوَجَدْتهَا مَسَانِيدَ وَأَكْثَرُ مَا رَوَاهُ مُرْسَلًا إنَّمَا سَمِعَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه. وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِهِمْ قَالَ: وَأَقْبَلُ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي اعْتَبَرْتهَا فَوَجَدْتهَا بِهَذِهِ الشَّرَائِطِ قَالَ وَمَنْ هَذَا حَالُهُ أُحِبُّ قَبُولَ مَرَاسِيلِهِ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ: إنَّ الْحُجَّةَ ثَبَتَتْ بِهِ كَثُبُوتِهَا بِالْمُتَّصِلِ.
وَفِي الْمُغْرِبِ الْمَرَاسِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلْمُرْسَلِ كَالْمَنَاكِيرِ لِلْمُنْكَرِ، وَفِي غَيْرِهِ الْمَرَاسِيلُ جَمْعُ الْمُرْسَلِ وَالْيَاءُ فِيهَا لِلْإِشْبَاعِ كَمَا فِي الدَّرَاهِيمِ وَالصَّيَارِيفِ تَمَسَّكَ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْمُرْسَلِ بِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بِاعْتِبَارِ أَوْصَافٍ فِي الرَّاوِي وَلَا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ فِي الرَّاوِي إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَالْعِلْمُ بِهِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ عِنْدَ حَضْرَتِهِ وَبِذِكْرِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِهِ وَلَا بِأَوْصَافِهِ فَتَحَقَّقَ انْقِطَاعُ هَذَا الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَلَمْ يُعَدِّلْهُ وَبَقِيَ مَجْهُولًا لَمْ يَقْبَلْهُ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فَالْجَهْلُ أَتَمُّ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ رِوَايَةُ الْعَدْلِ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الْجُرْحِ وَالْعَدَالَةِ الِاجْتِهَادُ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ عَدْلًا عِنْدَ إنْسَانٍ مَجْرُوحًا عِنْدَ غَيْرِهِ بِأَنْ يَقِفَ مِنْهُ عَلَى مَا كَانَ الْآخَرُ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَبَرُ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْمَرْوِيِّ لَهُ فَلَوْ قَبِلْنَا الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ لَكُنَّا قَبِلْنَاهَا تَقْلِيدًا لَا عِلْمًا. وَكَيْفَ يَجْعَلُ رِوَايَةَ الْعَدْلِ تَعْدِيلًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَقَدْ رَوَوْا حَدِيثًا وَقَدِيمًا عَمَّنْ لَمْ يَحْمَدُوا فِي الرِّوَايَةِ أَمْرَهُ؟ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ وَكَانَ وَاَللَّهِ كَذَّابًا، وَرَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ مَعَ ظُهُورِ أَمْرِهِ فِي الْكَذِبِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله قَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْأَسْلَمِيِّ وَكَانَ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا وَرَضِيَ بِالْكَذِبِ أَيْضًا وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رحمه الله عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَجْرُوحِينَ وَأَرْسَلَ الزُّهْرِيُّ فَقِيلَ لَهُ: مَنْ حَدَّثَك؟ فَقَالَ: رَجُلٌ عَلَى بَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ إرْسَالَهُ تَعْدِيلًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ، وَهُوَ عَدْلٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ لِلْمَرْوِيِّ لَهُ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِيهِ فَإِنْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَى قَوْلِهِ قَبِلَهُ، وَإِلَّا يَتَفَحَّصْ عَنْهُ وَبِأَنَّ النَّاسَ تَكَلَّفُوا لِحِفْظِ أَسَانِيدَ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ فَلَوْ كَانَتْ الْحُجَّةُ تَقُومُ بِالْمُرْسَلِ لَكَانَ تَكَلُّفُهُمْ اشْتِغَالًا بِمَا لَا يُفِيدُ فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى مَا لَا يُفِيدُ، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَبْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ؛ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ رِوَايَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لِصِغَرِ سِنِّهِ كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَّا بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ»
وَالْمُعْتَادُ مِنْ الْأَمْرِ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا وَضَحَ لَهُ الطَّرِيقُ وَاسْتَبَانَ لَهُ الْإِسْنَادُ طَوَى الْأَمْرَ وَعَزَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام، وَإِذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْأَمْرُ نَسَبَهُ إلَى مَنْ سَمِعَهُ لِتَحَمُّلِهِ مَا تَحَمَّلَ عَنْهُ فَعَمَدَ أَصْحَابُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَرَدُّوا أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ وَفِيهِ تَعْطِيلُ كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَمَّا رُوجِعَ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أَخِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ» الْحَدِيثُ ثُمَّ أَسْنَدَهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَأَسْنَدَهُ إلَى الْفَضْلِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ مَذْكُورٌ فِيهِ أَيْضًا وَنُعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام إلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ، ثُمَّ كَثُرَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام مُرْسَلًا وَلَمَّا أَرْسَلَ هَؤُلَاءِ وَقَبِلَ الصَّحَابَةُ مَرَاسِيلَهُمْ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ وَتَفَحَّصَ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ صَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَوُجُوبِ قَبُولِهِ.
(فَإِنْ قِيلَ) نَحْنُ نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ وَنَقْبَلُ مَرَاسِيلَهُمْ لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ قَطْعًا بِالنُّصُوصِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ (قُلْنَا) لَا فَرْقَ بَيْنَ صَحَابِيٍّ يُرْسِلُ وَتَابِعِيٍّ يُرْسِلُ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُمْ ثَبَتَتْ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ أَيْضًا خُصُوصًا إذَا كَانَ الْإِرْسَالُ مِنْ وُجُوهِ التَّابِعِينَ مِثْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَمِثْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَمَكْحُولٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُرْسِلُونَ وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ إلَّا الصِّدْقُ، وَقَالَ الْحَسَنُ كُنْت إذَا اجْتَمَعَ لِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى حَدِيثٍ أَرْسَلْته إرْسَالًا وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَتَى قُلْت لَكُمْ حَدَّثَنِي فُلَانٌ فَهُوَ حَدِيثُهُ لَا غَيْرُ وَمَتَى قُلْت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعْته مِنْ سَبْعِينَ أَوْ أَكْثَرَ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ مَا كُنَّا نُسْنِدُ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ قُلْت لِإِبْرَاهِيمَ إذَا رَوَيْت لِي حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَأَسْنِدْهُ لِي فَقَالَ: إذَا قُلْت لَك حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي رَوَى لِي ذَلِكَ، وَإِذَا قُلْت لَك قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَدْ رَوَاهُ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ ثُمَّ تَقُولُ: إرْسَالُ هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ، إمَّا أَنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ سَمَاعِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عِنْدَهُمْ أَوْ بِاعْتِبَارِ سَمَاعِهِمْ مِنْ عَدْلٍ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَوْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ كَالْمُسْنَدِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ مَنْ يَسْتَجِيزُ الرِّوَايَةَ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ غَيْرُ عَدْلٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُرْسَلًا وَلَا مُسْنَدًا وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ هَذَا وَالثَّانِي بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِأَنَّهُمْ كَتَمُوا مَوْضِعَ الْحُجَّةِ بِتَرْكِ الْإِسْنَادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِدُونِهِ فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَهُمْ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ كَالْمُسْنَدِ وَمَا قِيلَ إنَّهُمْ أَرْسَلُوا لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمَسَانِيدِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَالَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إسْنَادُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَذْكُرُوا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِأَنَّهُمْ تَقَوَّلُوا مَا لَمْ يَسْمَعُوا لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمَسْمُوعَاتِ وَلَا يُظَنُّ هَذَا بِمَنْ دُونَهُمْ فَكَيْفَ بِهِمْ وَالثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ الْإِسْنَادُ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِدُونِهِ فَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ إلَّا الْقَصْدُ إلَى إتْعَابِ النَّفْسِ بِالطَّلَبِ وَلَوْ قَالَ مَنْ لَا يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إنَّهُمْ إنَّمَا رَوَوْا ذَلِكَ لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمُتَوَاتِرِ لَا يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ مَقْبُولًا مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ إنَّا أَجْمَعْنَا أَنَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ إنَّمَا قُبِلَتْ لِكَوْنِهِمْ عُدُولًا لَا لِكَوْنِهِمْ صَحَابَةً كَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَصَارَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً لِذَلِكَ ثُمَّ شَهَادَةُ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُدُولِ مَقْبُولَةٌ وَإِجْمَاعُ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ لِوُجُودِ الْعَدَالَةِ فَوَجَبَ قَبُولُ إرْسَالِهِمْ أَيْضًا لِوُجُودِ الْعِلَّةِ، وَالثَّانِي أَنَّ مِنْ زَمَانِ الرَّسُولِ عليه السلام إلَى يَوْمِنَا هَذَا يُرْسِلُونَ مِنْ غَيْرِ تَحَاشٍ وَامْتِنَاعٍ وَمَلَؤُا الْكُتُبَ
إلَّا أَنَّا أَخَّرْنَاهُ مَعَ هَذَا عَنْ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَرْبُ مَزِيَّةٍ لِلْمَرَاسِيلِ بِالِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ فَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْجَهَالَةَ تُنَافِي شُرُوطَ الْحُجَّةِ فَغَلَطٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَ إذَا كَانَ ثِقَةً تُقْبَلُ إسْنَادُهُ لَمْ يُتَّهَمْ بِالْغَفْلَةِ عَنْ حَالِ مَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ لَا مَعْرِفَةَ مَا أَبْهَمَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْمَرَاسِيلِ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأُمَّةِ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ مِنْ سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمْ يَقُولُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا وَلَوْ كَانَ الْمُرْسَلُ مَرْدُودًا لَامْتَنَعُوا مِنْ رِوَايَتِهِ وَلَمْ يُقِرُّوا عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى قَبُولِهِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْإِسْنَادُ فِي قَوْلِهِ لَوْ أُسْنِدَ عَنْ غَيْرِهِ ضَمِنَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ فَعَدَّى بِكَلِمَةِ عَنْ عَزَمَ عَلَيْهِ أَيْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِثُبُوتِهِ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام فَعَمَدَ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ قَصَدَ يُقَالُ عَمَدْت لِلشَّيْءِ أَعْمِدُ عَمْدًا إذَا قَصَدَ لَهُ أَيْ تَعَمَّدْت، وَهُوَ نَقِيضُ الْخَطَاءِ أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الْمُرْسَلُ وَالْأَمْرَانِ الْمُسْنَدُ وَالْمُرْسَلُ وَفِيهِ أَيْ فِي رَدِّ الْمُرْسَلِ تَعْطِيلُ كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ؛ فَإِنَّ الْمَرَاسِيلَ جُمِعَتْ فَبَلَغَتْ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا وَهَذَا تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ وَانْتَصَبُوا لِحِيَازَةِ الْأَحَادِيثِ وَالْعَمَلِ بِهَا، ثُمَّ رَدُّوا مِنْهَا مَا هُوَ أَقْوَى أَقْسَامِهَا مَعَ كَثْرَتِهِ فِي نَفْسِهِ فَكَانَ هَذَا تَعْطِيلًا لِلسُّنَنِ وَتَضْيِيعًا لَهَا لَا حِفْظًا لَهَا وَإِحَاطَةً بِهَا، ثُمَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى تَرْجِيحِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْمُسْنَدِ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ أَيْضًا فَقَالَ الْمُرْسَلُ عِنْدَنَا مِثْلُ الْمُسْنَدِ الْمَشْهُورِ وَفَوْقَ الْمُسْنَدِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا الْمَرَاسِيلَ حُجَّةً اخْتَلَفُوا عِنْدَ تَعَارُضِ الْمُرْسَلِ وَالْمُسْنَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ فَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إلَى تَرْجِيحِ الْمُرْسَلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِ وَذَهَبَ عَبْدُ الْجَبَّارِ إلَى أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إلَى تَرْجِيحِ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ لِتَحَقُّقِ الْمَعْرِفَةِ بِرُوَاةِ الْمُسْنَدِ وَعَدَالَتِهِمْ دُونَ رُوَاةِ الْمُرْسَلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ أَوْلَى مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَلَا نَفْسُهُ وَتَمَسَّكَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَا يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِصِحَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام كَذَا، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنِّي أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مِثْلَ الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْنَادِ هَذَا أَيْضًا.
فَإِنْ قَالَ الرَّاوِي إذَا أَرْسَلْت الْحَدِيثَ فَقَدْ حَدَّثْته عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الثِّقَاتِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُرْسَلُهُ أَقْوَى مِنْ حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ إلَى وَاحِدٍ لِأَجْلِ الْكَثْرَةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ الْمُرْسَلَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّا أَخَّرْنَاهُ) اسْتِثْنَاءٌ بِمَعْنَى لَكِنَّ وَجَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ الْمُرْسَلُ عِنْدَكُمْ فَوْقَ الْمُسْنَدِ كَانَ مِثْلَ الْمَشْهُورِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمَشْهُورِ، فَقَالَ هَذِهِ مَزِيَّةٌ ثَبَتَتْ لِلْمَرَاسِيلِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ فَيَكُونُ مِثْلَ قُوَّةٍ ثَبَتَتْ بِالْقِيَاسِ وَقُوَّةُ الْمَشْهُورِ ثَبَتَتْ بِالتَّنْصِيصِ وَمَا ثَبَتَتْ بِالتَّنْصِيصِ فَوْقَ مَا ثَبَتَتْ بِالرَّأْيِ فَلَا يَكُونُ الْمُرْسَلُ مِثْلَ الْمَشْهُورِ فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَكْفِي لِلتَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ سَاكِتٌ عَنْ الْجُرْحِ وَلَوْ كَانَ السُّكُوتُ عَنْ الْجُرْحِ تَعْدِيلًا لَكَانَ السُّكُوتُ عَنْ التَّعْدِيلِ جُرْحًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَالَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ، وَهُوَ الْمُرْسِلُ لَا اتِّبَاعُ مَنْ أَبْهَمَهُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ وَالْمُرْسِلُ عَدْلٌ فَلَا يُتَّهَمُ بِالْغَفْلَةِ عَنْ حَالِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ، وَمَا ذَكَرُوا أَنَّ الْعُدُولَ قَدْ نَقَلُوا عَنْ الْمَجْرُوحِينَ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ نَبَّهُوا عَلَى جُرْحِهِمْ وَأَخْبَرُوا عَنْ حَالِهِمْ، فَأَمَّا إنْ سَكَتُوا بَعْدَ الرِّوَايَةِ عَنْ حَالِهِمْ فَلَا وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ وَفِيهِ تَلْبِيسُ الْأَمْرِ عَلَى الْمَرْوِيِّ لَهُ وَتَحْمِيلٌ لَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَثْنَى عَلَى مَنْ أَسْنَدَ إلَيْهِ خَيْرًا وَلَمْ يَعْرِفْهُ بِمَا يَقَعُ لَنَا الْعِلْمُ بِهِ صَحَّتْ رِوَايَتُهُ فَكَذَلِكَ هَذَا.
ــ
[كشف الأسرار]
كَمَا بَيَّنَّا وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الْأُخَرِ لَيْسَ بِمَانِعٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَنْعَنَةَ كَافِيَةٌ فِي الرِّوَايَةِ وَتِلْكَ الِاحْتِمَالَاتُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَ: رَوَى فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ بَلْ بَلَغَهُ بِوَاسِطَةٍ هِيَ مَجْهُولَةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ تِلْكَ الْوَاسِطَةَ لَا يَكُونُ عَدْلًا أَوْ يَكُونُ عَدْلًا عِنْدَ الرَّاوِي غَيْرَ عَدْلٍ عِنْدَ الْمَرْوِيِّ لَهُ وَمَعَ هَذَا يُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله مِنْ اشْتِرَاطِ انْضِمَامِ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا إلَى الْمُرْسَلِ لِقَبُولِهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُنْضَمَّ إلَيْهِ إنْ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ يَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِهِ وَلَا يَكُونُ لِلْمُرْسَلِ تَأْثِيرٌ فِي مُقَابَلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَاقْتِرَانُهُ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا يُفِيدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْضَمَّ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَيَصِيرُ حُجَّةً كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الظَّنَّ قَدْ يَحْصُلُ أَوْ يَتَقَوَّى بِانْضِمَامِ مَا لَا يُفِيدُ الظَّنَّ إلَى مِثْلِهِ كَانْضِمَامِ شَاهِدٍ إلَى شَاهِدٍ وَكَانْضِمَامِ أَخْبَارِ آحَادٍ إلَى أَمْثَالِهَا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَثْنَى عَلَى مَنْ أَسْنَدَ إلَيْهِ خَيْرًا وَلَمْ يَعْرِفْهُ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا ذَكَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ، وَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدِي أَوْ عَدْلٌ لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْقَوَاطِعِ وَلَا يَلْزَمُ التَّفَحُّصُ عَنْ حَالِهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ تَفَحَّصَ عَنْهَا يَقِفُ عَلَى بَعْضِ أَسْبَابِ الْجُرْحِ أَوْ يَقِفُ عَلَى مَا لَمْ يَعُدَّهُ الرَّاوِي جُرْحًا، وَهُوَ جُرْحٌ عِنْدَهُ، فَكَذَا هَذَا. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي لَمْ يَعْرِفْهُ رَاجِعًا إلَى الْخَيْرِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا أَبْهَمَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا بِأَنْ قَالَ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَوْ سَمِعْته عَنْ عَدْلٍ أَوْ أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَقْبُولًا، فَكَذَا إذَا أَرْسَلَ يَكُونُ مَقْبُولًا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الطَّعْنِ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ أَيْضًا، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إلْزَامًا عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُمْ أَنْ يُسَمِّيَ الرَّاوِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ بِاسْمِهِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ لِيَثْبُتَ الِاتِّصَالُ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الشَّيْخِ رَدًّا لِلْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلِفِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، أَوْ يَكُونُ إلْزَامًا عَلَى الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ مَنْ عَنَاهُ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْكَلَامِ فَأَرَادَ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَبِمَنْ لَا يَتَّهِمُهُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ فَصَارَتْ الْكِنَايَةُ كَالتَّسْمِيَةِ وَقِيلَ: إنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ احْتِجَاجًا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقُلْهُ احْتِجَاجًا عَلَى خَصْمِهِ وَلَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَثِقُ بِصِحَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى مَنْ.
وَقَوْلُهُمْ إذَا سَمَّى الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَلَمْ يُعَدِّلْهُ وَبَقِيَ مَجْهُولًا لَمْ يَقْبَلْهُ قُلْنَا عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا: يُقْبَلُ خَبَرُهُ إذَا كَانَ الرَّاوِي عَدْلًا وَيَكُونُ رِوَايَتُهُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْجُرْحِ تَعْدِيلًا لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ صَرِيحًا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرْسِلَ قَدْ حَكَمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَالْعَدْلُ الْمُتَدَيِّنُ لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ مَنْ سَمِعَهُ عَنْهُ ثِقَةً عِنْدَهُ فَيَكُونُ هَذَا تَعْدِيلًا عَنْهُ تَقْدِيرًا بِخِلَافِ مَا إذَا سَمَّاهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَى النَّبِيِّ عليه السلام بِذَلِكَ بَلْ يَنْسُبُ ذَلِكَ إلَى الْمُخْبِرِ الَّذِي سَمَّاهُ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَدْلٌ عِنْدَهُ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَسْتُورًا عِنْدَهُ يَرْوِي عَنْهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ وَفَوَّضَ تَعَرُّفَ حَالِهِ إلَى السَّامِعِ حَقِيقَةً حَيْثُ ذَكَرَ اسْمَهُ