المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ) (الِانْقِطَاعِ)وَهُوَ نَوْعَانِ

- ‌ مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ

- ‌ إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ

- ‌[الإنقطاع الظَّاهِرُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ] [

- ‌ إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ

- ‌ الِاتِّصَالَ بِالِانْقِطَاعِ

- ‌[الِانْقِطَاعُ الْبَاطِلُ]

- ‌ الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ وَخَفِيَ الْحَدِيثُ

- ‌[الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ]

- ‌ خَبَرُ الْمَسْتُورِ

- ‌[الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ]

- ‌ خَبَرِ الْفَاسِقِ

- ‌[خَبَر الْكَافِرِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ]

- ‌[خَبَر صَاحِبُ الْهَوَى]

- ‌(بَابُ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ)

- ‌[بَابُ بَيَانِ الْخَبَرُ]

- ‌ بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ)

- ‌بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى)

- ‌(بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي)

- ‌(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ)

- ‌‌‌(بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌(بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ آيَتَيْنِ

- ‌[كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[تعارض الْجُرْح وَالتَّعْدِيل]

- ‌(بَابُ الْبَيَانِ)

- ‌[أَوْجُه الْبَيَانُ]

- ‌[بَيَانُ التَّقْرِير]

- ‌ بَيَانُ التَّفْسِيرِ

- ‌[تَخْصِيصِ الْعَامِّ]

- ‌(بَابُ بَيَانِ التَّغْيِيرِ)

- ‌[أَنْوَاع بَيَانِ التَّغْيِيرِ]

- ‌{بَابُ بَيَانِ الضَّرُورَةِ}

- ‌[أَوْجُهٍ بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌{بَابُ بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[تَفْسِيرِ النَّسْخِ]

- ‌النَّسْخُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ مَحِلِّ النَّسْخِ)

- ‌[أَقْسَام مَالَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ]

- ‌[بَابُ بَيَانِ شُرُوطِ النَّسْخ]

- ‌{بَابُ تَقْسِيمِ النَّاسِخِ}

- ‌[النَّسْخُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]

- ‌[نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ]

- ‌نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ

- ‌(بَابُ تَفْصِيلِ) (الْمَنْسُوخِ)

- ‌[أَنْوَاعٌ الْمَنْسُوخُ]

- ‌[الْفُرْق بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ]

- ‌(بَابُ أَفْعَالِ النَّبِيِّ)

- ‌[أَقْسَام أَفْعَالِ النَّبِيِّ]

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ السُّنَّةِ)فِي حَقِّ النَّبِيِّ

- ‌[أَنْوَاع الوحى]

- ‌[جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ]

- ‌(بَابُ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا)

- ‌ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ

- ‌[بَابُ مُتَابَعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ]

- ‌[تَقْلِيد التَّابِعِينَ]

- ‌(بَابُ الْإِجْمَاعِ)

- ‌[أَرْكَان الْإِجْمَاع]

- ‌[بَابُ أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاع]

- ‌بَابُ شُرُوطِ) (الْإِجْمَاعِ) :

- ‌[بَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ وَمَحِلّه]

- ‌[إنْكَار الْإِجْمَاع]

- ‌[بَابُ بَيَانِ سَبَب الْإِجْمَاعُ]

- ‌(بَابُ الْقِيَاسِ)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ]

- ‌[ثُبُوت الْقِيَاس وَأَنْوَاعه]

- ‌(فَصْلٌ فِي تَعْلِيلِ الْأُصُولِ)

- ‌بَابٌ شُرُوطُ الْقِيَاسِ) :

- ‌[بَابُ رُكْنُ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَا يصلح دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّة]

- ‌[بَابُ الِاحْتِجَاجَ بِالطَّرْدِ]

- ‌ التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِلَا دَلِيلٍ

- ‌بَابُ حُكْمِ الْعِلَّةِ) :

- ‌[جُمْلَةَ مَا يُعَلَّلُ لَهُ]

الفصل: ‌[تعارض الجرح والتعديل]

وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَنَّا نَجْعَلُ الْحَاظِرَ نَاسِخًا.

وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ وَالْآخَرُ نَافٍ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَقَالَ الْكَرْخِيُّ الْمُثْبِتُ أَوْلَى، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَتَعَارَضَانِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَدْ رُوِيَ أَنْ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ وَهَذَا مُثْبِتٌ، وَرُوِيَ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ وَهَذَا مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا أَخَذُوا بِالْمُثْبِتِ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ

ــ

[كشف الأسرار]

سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ قَالَ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ فَلَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي الْآكِلِينَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَرَسُولُ اللَّهِ عليه السلام كَانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَيَضْحَكُ» فَنَحْنُ رَجَّحْنَا الْمُحَرَّمَ عَلَى الْمُبِيحِ وَحَمَلْنَا دَلِيلَ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهَا كَمَا بَيَّنَّا فِي مَسْأَلَةِ السُّؤْرِ فَعَلِمْنَا بِالْمُحَرِّمِ وَجَعَلْنَاهُ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ، وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ أَيْ وَكَالضَّبِّ أَوْ الْحِمَارِ، الضَّبُعُ فِي أَنَّ الْمُحَرِّمَ وَالْمُبِيحَ فِيهِ تَعَارَضَا، فَالْمُبِيحُ حَدِيثُ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَيُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ نَعَمْ» وَالْمُحَرِّمُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» فَرَجَّحْنَا الْمُحَرِّمَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَحَدِيثُ جَابِرٍ إنْ صَحَّ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَيْ مَجْرَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّظَائِرِ مِثْلُ الثَّعْلَبِ وَالْقُنْفُذِ وَالسُّلَحْفَاةِ

[تعارض الْجُرْح وَالتَّعْدِيل]

قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا) إلَى آخِرِهِ الدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا وَالنَّافِي هُوَ الَّذِي يَنْفِي الْعَارِضَ وَيُبْقِي الْأَمْرَ الْأَوَّلَ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ.

فَإِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ وَالْآخَرُ نَافٍ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ وَالنَّافِي اعْتَمَدَ الظَّاهِرَ فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُثْبِتِ رَاجِحًا عَلَى قَوْلِ النَّافِي لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ كَمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا تَعَارَضَا يُقَدَّمُ قَوْلُ الْجَارِحِ عَلَى قَوْلِ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ وَالْمُعَدِّلُ يُخْبِرُ مُعْتَمَدًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَكَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ، وَلِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُفِيدُ التَّأْسِيسَ وَالنَّافِيَ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِ الرَّاوِي فِي الْمُثْبِتِ مِنْ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ مَوْجُودٌ فِي النَّافِي فَيَتَعَارَضَانِ وَيَطْلُبُ التَّرْجِيحُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رحمهم الله فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِي تَعَارُضِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَفِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَمِلُوا بِالْمُثْبِتِ وَفِي بَعْضِهَا عَمِلُوا بِالنَّافِي.

وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ عَمَلُهُمْ فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا مَسْأَلَةُ خِيَارِ الْعَتَاقَةِ وَهِيَ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ يَثْبُتُ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ حَصَلَتْ بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ كَمَا لَوْ أَيْسَرَتْ وَالزَّوْجُ مُوسِرٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفُوٍ لَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْمِلْكَ يَزْدَادُ عَلَيْهَا بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ اعْتِبَارِ الطَّلَاقِ فَلَهَا أَنْ تَدْفَعَ الزِّيَادَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ بَرِيرَةَ رضي الله عنها فَقَدْ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمَا خَيَّرَهَا وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ

ص: 97

وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ فِي الْحِلِّ الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا الْعَمَلَ بِالنَّافِي أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُثْبِتِ وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ عليه السلام رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ رضي الله عنها عَلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا عَمِلُوا فِيهِ بِالْمُثْبِتِ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَخْبَرَ رَجُلٌ بِحُرْمَتِهِ وَالْآخَرُ بِحِلِّهِ أَوْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَاسْتَوَى الْمُخْبِرُ أَنَّ عِنْدَ السَّامِعِ أَنَّ الطَّهَارَةَ أَوْلَى وَلَمْ يَعْمَلُوا بِالْمُثْبِتِ وَقَالُوا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا تَعَارَضَا إنَّ الْجَرْحَ أَوْلَى وَهُوَ الْمُثْبِتُ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ عَمَلُهُمْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَصْلٍ جَامِعٍ وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ إنَّ النَّفْيَ لَا يَخْلُو مِنْ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَوْ لَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَوْ يَشْتَبِهُ حَالُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ كَانَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ

ــ

[كشف الأسرار]

زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا حِينَ عَتَقَتْ فَالنَّصُّ الْأَوَّلُ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَ الْعِتْقِ وَالثَّانِي مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ فَأَصْحَابُنَا أَخَذُوا بِالْمُثْبِتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَالثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ بِدَوَاعِيهِ وَالْعَقْدُ دَاعٍ إلَيْهِ وَضْعًا وَشَرْعًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مَوْضُوعٌ فَتَعَدَّتْ الْحُرْمَةُ إلَيْهِ كَمَا فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَكَمَا فِي شِرَاءِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ.

وَعِنْدَنَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِاعْتِبَارِ الِارْتِفَاقِ إمَّا كَامِلًا كَالْوَطْءِ أَوْ قَاصِرًا كَالْمَسِّ وَالْقُبْلَةِ وَلَيْسَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يَحْرُمُ كَشِرَاءِ الْجَارِيَةِ وَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفٍ» أَيْ خَارِجٌ عَنْ الْإِحْرَامِ فَالْأَوَّلُ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ التَّزَوُّجِ وَالثَّانِي مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ عَارِضٍ عَلَى الْإِحْرَامِ وَعُلَمَاؤُنَا أَخَذُوا فِيهَا بِالنَّافِي، وَسَرِفٌ بِوَزْنِ كَتِفٍ جَبَلٌ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي الصِّحَاحِ وَسَرِفٌ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَعَنْ الْمُسْتَغْفِرِيِّ سَرِفٌ عَلَى رَأْسِ مِيلٍ مِنْ مَكَّةَ بِهَا قَبْرُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَّ عَنْهَا وَكَانَتْ مَاتَتْ بِمَكَّةَ فَحَمَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى سَرِفٍ، وَيَجُوزُ تَرْكُ صَرْفِهِ بِتَقْدِيرِ التَّأْنِيثِ وَصَرْفُهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنَّ عُلَمَاءَنَا إنَّمَا أَخَذُوا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عَارِضٌ وَالْحِلُّ أَصْلٌ فَكَانَ هَذَا مِنْهُمْ عَمَلًا بِالْمُثْبِتِ لَا بِالنَّافِي فَقَالَ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْحِلِّ الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَكَانَ الْحِلُّ عَارِضًا وَالْإِحْرَامُ أَصْلًا،.

وَالْمُرَادُ مِنْ اتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ اتِّفَاقُ عَامَّتِهَا فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجَهَا صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ كَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ، وَالثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَهِيَ مَا إذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا تَقَعُ.

وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَاجَرَتْ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَزَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ كَافِرٌ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ وَهَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ» وَهُوَ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» وَهُوَ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ عَارِضٍ فَأَخَذَ عُلَمَاؤُنَا بِالْمُثْبِتِ دُونَ النَّافِي، وَالرَّابِعَةُ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَالْمُخْبِرُ بِالطَّهَارَةِ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ وَالْمُخْبِرُ بِالنَّجَاسَةِ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ عَنْ أَمْرٍ عَارِضٍ وَأَخَذُوا فِيهَا بِالنَّافِي دُونَ الْمُثْبِتِ، وَالْخَامِسَةُ مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِأَنْ أَخْبَرَ مُزَكٍّ أَنَّهُ عَدْلٌ وَأَخْبَرَ آخَرُ أَنَّهُ مَجْرُوحٌ يُرَجَّحُ خَبَرُ الْجَارِحِ وَهُوَ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا عَلَى خَبَرِ الْمُعَدِّلِ وَهُوَ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ إذْ الْعَدَالَةُ هِيَ الْأَصْلُ فَهَذَا بَيَانُ اخْتِلَافِ عَمَلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْأَصْلُ الْجَامِعُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِمَّا يُعْرَفُ

ص: 98

وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي رَجُلٍ ادَّعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ مِنْهُ يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَقَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا قُلْت الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى أَوْ قَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ لَكِنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ الزِّيَادَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ إنَّا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَا نَدْرِي أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ أَمْ لَا لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ أَيْضًا.

وَإِنْ قَالَ الشَّاهِدَانِ نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَوَقَعَتْ الْحُرْمَةُ، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الِاسْتِثْنَاءَ فَقَدْ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَحْضِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَفْيُ طَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِ إنَّمَا يُسْمَعُ عِيَانًا فَيُحِيطُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَزِدْ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُسْمَعُ فَلَيْسَ بِكَلَامٍ لَكِنَّهُ دَنْدَنَةٌ، وَإِذَا وَضَحَ طَرِيقُ الْعِلْمِ وَظَهَرَ صَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ.

وَأَمَّا مَا لَا طَرِيقَ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْمُخْبِرِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِثْبَاتِ مِثْلُ التَّزْكِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى التَّزْكِيَةِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ إنْ لَمْ يَقِفْ الْمُزَكَّى مِنْهُ عَلَى مَا يُخْرِجُ عَدَالَتَهُ وَقَلَّ مَا يُوقَفُ مِنْ حَالِ الْبَشَرِ عَلَى أَمْرٍ فَوْقَهُ فِي التَّزْكِيَةِ

ــ

[كشف الأسرار]

بِدَلِيلِهِ أَيْ يَكُونُ بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ كَالْإِثْبَاتِ أَوْ لَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَيْ لَا يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلٍ بَلْ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ الَّذِي هُوَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ أَوْ يَشْتَبِهُ حَالُهُ أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ.

قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ النَّفْيُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْإِثْبَاتِ مِثْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِلْقَاضِي إنِّي سَمِعْت زَوْجِي يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ الزَّوْجُ قَدْ وَصَلْتُ بِكَلَامِي شَيْئًا آخَرَ فَقُلْت النَّصَارَى يَقُولُونَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ أَوْ قُلْت الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى فَلَمْ تَسْمَعْ الْمَرْأَةُ بَعْضَ كَلَامِي، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ كَذَبَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ فَإِنَّ عَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْفُرْقَةِ فَيَكُونُ مُنْكِرًا لِمَا تَدَّعِيهِ مِنْ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ إنِّي سَمِعْته يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَقَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا أَرَدْت بِذَلِكَ حِكَايَةً عَمَّنْ يَقُولُ هَذَا حَيْثُ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِحُكْمِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ فَإِنَّ مَا فِي الضَّمِيرِ دُونَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَالشَّيْءُ لَا يَنْسَخُهُ إلَّا مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ لِلْمَرْأَةِ أَنَّا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ كَذَا وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ لَمْ نَسْمَعْ وَبَيْنَ قَوْلِ الزَّوْجِ قُلْتُ: قَالَتْ النَّصَارَى كَذَا؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنْ يُقَالَ قَالَ فُلَانٌ قَوْلًا وَلَكِنِّي لَمْ أَسْمَعْ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِلْزَامِ.

وَإِنْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ أَثْبَتُوا السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ وَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِيمَا يُبْطِلُ شَهَادَةَ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا قُبِلَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ يَكُونُ مَسْمُوعًا لِمَنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَمَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ يَكُونُ دَنْدَنَةً لَا كَلَامًا، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهَا إنَّمَا قُبِلَتْ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ لَيْسَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ بَلْ بِمَا سَبَقَ مِمَّا هُوَ إثْبَاتٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى أَنَّ هَذَا أَخُو الْمَيِّتِ وَوَارِثُهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ فِيهِ إثْبَاتُ أَنَّ مَا يَدَّعِي مِنْ الزِّيَادَةِ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِمُوجَبِ كَلَامِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ الشُّهُودُ لَا نَدْرِي قَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ إلَّا أَنَّا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ قَوْلِهِ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ مَا أَثْبَتُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ وَإِنَّمَا قَالُوا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ وَكَمَا لَمْ تَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَالْقَاضِي لَمْ يَسْمَعْ أَيْضًا.

1 -

وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ: أَيْ وَمِثْلُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ ادِّعَاءِ الزَّوْجِ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ أَوْ فِي الْخُلْعِ بِأَنْ قَالَ قَدْ قُلْتُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ خَالَعْتُكِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الِاسْتِثْنَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنَّ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ بِغَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ بِأَنْ قَالُوا قَدْ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْخُلْعِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالُوا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ كَلِمَةِ الطَّلَاقِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ لِمَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَكُونُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْخُلْعِ مِنْ قَبْضِ الْبَدَلِ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ فَحِينَئِذٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رحمه الله. الدَّنْدَنَةُ أَنْ تَسْمَعَ مِنْ الرَّجُلِ نَغْمَةً وَلَا تَفْهَمَ مَا يَقُولُ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَا لَا طَرِيقَ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ) أَيْ فِيهِ خَبَرُ الْمُخْبِرِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا عَنْ دَلِيلٍ

ص: 99

وَالْجَرْحُ يَعْتَمِدُ الْحَقِيقَةَ فَصَارَ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ أَمْرًا تَشْتَبِهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْرَفَ الْمُخْبِرُ بِدَلِيلٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ ظَاهِرُ الْحَالِ وَجَبَ السُّؤَالُ وَالتَّأَمُّلُ فِي الْمُخْبِرِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَنَى عَلَى الْحَالِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا يُشَارِكُهُ فِيهِ السَّامِعُ، وَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ دَلِيلِ الْمَعْرِفَةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ كَانَ مِثْلَ الْمُثْبِتِ فِي التَّعَارُضِ فَحَدِيثُ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الِاحْتِرَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْمُحْرِمِ فَصَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ فِي الْمَعْرِفَةِ فَوَقَعَتْ الْمُعَارَضَةُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فِي الرُّوَاةِ دُونَ مَا يَسْقُطُ بِهِ التَّعَارُضُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ رِوَايَةَ مَنْ اخْتَصَّ بِالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ أَوْلَى وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ» ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْقِصَّةَ فَصَارَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُعْدَ لَهُ فِي الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ

ــ

[كشف الأسرار]

مُوجِبٍ بَلْ عَنْ اسْتِصْحَابِ حَالٍ وَخَبَرُ الْمُخْبِرِ صَادِرٌ عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لَهُ، وَلِأَنَّ السَّامِعَ وَالْمُخْبِرَ فِي هَذَا النَّوْعِ سَوَاءٌ فَإِنَّ السَّامِعَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ كَالْمُخْبِرِ بِالنَّفْيِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ مُعَارِضًا لِخَبَرِ الْمُثْبِتِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ السَّامِعِ مُعَارِضًا لِخَبَرِ الْمُثْبِتِ الدَّاعِي إلَى التَّزْكِيَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، هُوَ إنْ لَمْ يَقِفْ الْمُزَكَّى مِنْهُ أَيْ مِنْ الشَّاهِدِ عَلَى مَا تُجْرَحُ عَدَالَتُهُ فَكَانَ مَآلُ تَزْكِيَتِهِ الْجَهْلُ بِسَبَبِ الْجَرْحِ إذْ لَا طَرِيقَ لِلْمُزَكِّي إلَى الْوُقُوفِ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِ الشَّاهِدِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى يَكُونَ إخْبَارُهُ بِعَدَالَتِهِ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِهَا، وَالْجَرْحُ يَعْتَمِدُ الْحَقِيقَةَ أَيْ الْجَارِحُ يُخْبِرُ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَهُوَ الْمُعَايَنَةُ فَصَارَ أَوْلَى وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَقَلَّمَا تُوقَفُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدَمِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ أَيْ لَا تُوقَفُ.

وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرْجِيحِ الْجَرْحِ عَلَى التَّزْكِيَةِ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ فَصَّلُوا وَقَالُوا الْجَارِحُ إمَّا أَنْ يُعَيِّنَ السَّبَبَ أَوْ لَا فَإِنْ عَيَّنَ فَإِمَّا أَنْ يَنْفِيَهُ الْمُعَدِّلُ أَمْ لَا فَإِنْ نَفَاهُ فَإِمَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِطَرِيقٍ يَقِينِيٍّ أَمْ لَا، فَإِنْ عَيَّنَ السَّبَبَ وَنَفَاهُ الْمُعَدِّلُ بِطَرِيقٍ يَقِينِيٍّ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْجَارِحُ رَأَيْتُهُ قَدْ قَتَلَ فُلَانًا الْمُسْلِمَ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي وَقْتِ كَذَا وَيَقُولَ الْمُعَدِّلُ قَدْ رَأَيْتُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَقُولَ الْجَارِحُ رَأَيْتُهُ شَرِبَ الْخَمْرَ طَوْعًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقُولَ الْمُعَدِّلُ كُنْت مُصَاحِبًا لَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يُشْرِبْهَا أَصْلًا فَهَهُنَا يَتَعَارَضَانِ وَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِبَعْضِ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُقَدَّمُ الْجَرْحُ؛ لِأَنَّهُ اطِّلَاعٌ عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْمُعَدِّلُ وَمَا نَفَاهَا يَقِينًا فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُنَا هَكَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْدِيلَ نَفْيٌ عَنْ دَلِيلٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَ الْإِثْبَاتَ وَهُوَ الْجَرْحُ، قَوْلُهُ (دُونَ مَا يَسْقُطُ بِهِ التَّعَارُضُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ) وَهُوَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا نَفْيًا وَالْآخَرُ إثْبَاتًا يَعْنِي لَا يُقَالُ أَحَدُهُمَا نَفْيٌ وَالْآخَرُ إثْبَاتٌ وَالنَّفْيُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ فَلَا يُعَارِضُ لِلْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّفْيَ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ فَصَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ. وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ أَيْ الرُّجُوعُ إلَى أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ أَيْ يُجْعَلَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما لِفَقَاهَتِهِ وَضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ الَّذِي لَا يُعَادِلُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَإِنَّ قُوَّةَ الضَّبْطِ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ أَنَّهُ فَسَّرَ الْقِصَّةَ عَلَى مَا رَوَى عَنْهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ يَعْنِي فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَكَانَ زَوَّجَهُ أَيَّاهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ ثَلَاثًا فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكَّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ فَقَالُوا قَدْ انْقَضَى أَجَلُك فَاخْرُجْ عَنَّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ قَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِك فَاخْرُجْ عَنَّا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخَلَفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفٍ فَبَنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ هُنَالِكَ» هَكَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ وَشَرْحِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ قَدْ ضَعَّفَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَيْثُ قَالَ لِلزُّهْرِيِّ وَمَا يَدْرِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ أَعْرَابِيٌّ بَوَّالٌ عَلَى عَقِبِهِ أَتَجْعَلُهُ

ص: 100

وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ وَزَيْنَبَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ إلَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ فَصَارَ الْإِثْبَاتُ أَوْلَى وَمَسْأَلَةُ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ لِمَنْ اسْتَقْصَى الْمَعْرِفَةَ فِي الْعِلْمِ بِهِ مِثْلُ النَّجَاسَةِ وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ وَاللَّحْمُ وَالشَّرَابُ، وَلَمَّا اسْتَوَيَا وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً فَيَصْلُحُ مُرَجِّحًا

ــ

[كشف الأسرار]

مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الزُّهْرِيُّ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رحمه الله فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَاَلَّذِينَ رَوَوْا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَهْلُ عِلْمٍ وَثَبْتٍ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ وَفُقَهَاءُ يُحْتَجُّ بِرِوَايَاتِهِمْ وَآرَائِهِمْ وَاَلَّذِينَ نَقَلُوا عَنْهُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِرِوَايَاتِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها مَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهَا مَنْ لَا يَطْعَنُ أَحَدٌ فِيهِ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ رحمهم الله فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ يُحْتَجُّ بِرِوَايَاتِهِمْ فَمَا رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى مِمَّا رَوَى مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِمْ فِي الضَّبْطِ وَالثَّبْتِ وَالْفِقْهِ وَالْأَمَانَةِ،

وَمَا قَالُوا أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ رَسُولًا بَيْنَهُمَا فَكَانَ هُوَ أَعْرَفَ بِالْبَيَانِ وَهُوَ يَرْوِي أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ قُلْنَا الرَّسُولُ قَدْ يَغِيبُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَمَّا الْوَلِيُّ فَلَا وَالْعَبَّاسُ وَلِيٌّ مِنْ جَانِبِهَا فَكَانَ ابْنُهُ أَعْرَفَ بِحَالِ أَبِيهِ، وَمَا رُوِيَ «عَنْ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها أَنَّهُ عليه السلام تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ بَلَغَهَا بَعْدَ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ يُنْكِحُهَا.

قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ وَزَيْنَبَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ) أَيْ خَبَرُ النَّافِي فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ عليه السلام خَيَّرَهَا وَزَوْجُهَا عَبْدٌ «وَأَنَّهُ عليه السلام رَدَّ زَيْنَبَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ» بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ أَيْ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ لَا عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ فَإِنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا بَنَى خَبَرَهُ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ الْعُبُودِيَّةَ ثَابِتَةً فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ لِلْحُرِّيَّةِ، وَمَنْ رَوَى الرَّدَّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ بَنَى خَبَرَهُ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ أَيْضًا وَهُوَ مُشَاهَدَةُ النِّكَاحِ الْجَدِيدِ وَأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا قَائِمًا فِيمَا مَضَى وَشَاهَدَ رَدَّهَا فَرَوَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْإِثْبَاتُ أَوْلَى لِابْتِنَائِهِ عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ، مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ الرَّدِّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِحُرْمَةِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ مَنْكُوحَةً قَبْلَ ذَلِكَ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا غَيْرَهُ.

ثُمَّ إنَّهُمْ قَالُوا خَبَرُ الْعُبُودِيَّةِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ رَاجِحٌ عَلَى خَبَرِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَهِيَ كَانَتْ خَالَةُ عُرْوَةَ وَعَمَّةُ قَاسِمٍ فَكَانَ سَمَاعُهُمَا مُشَافَهَةً وَرَاوِي خَبَرِ الْحُرِّيَّةِ لِلْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَسَمَاعُهُ عَنْهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ فَكَانَتْ الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْلَى لِزِيَادَةِ تَيَقُّنٍ فِي الْمَسْمُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الْحِجَابِ.

وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ التَّيَقُّنَ فِيمَا قُلْنَا أَكْثَرُ لِابْتِنَائِهِ عَلَى الدَّلِيلِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ فِيمَا قُلْنَا عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَمَّا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَأَنَّهُ كَانَ حُرًّا جَعَلْنَاهُ حُرًّا فِي حَالٍ وَعَبْدًا فِي حَالٍ وَالْحُرِّيَّةُ تَكُونُ بَعْدَ الرِّقِّ وَلَا يَكُونُ الرِّقُّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ الْعَارِضَةِ فَجَعَلْنَا الرِّقَّ سَابِقًا وَالْحُرِّيَّةَ لَاحِقَةً جَمْعًا بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ لَوْ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَمْ تَنْفِ ثُبُوتَ التَّخْيِيرِ إذَا كَانَ زَوْجُ الْمُعْتَقَةِ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ مَا قَالَ: إنِّي خَيَّرْتهَا لِأَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي التَّخْيِيرَ أَيْضًا عِنْدَ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ، وَقَوْلُهُ: لَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ الْخِيَارِ عِنْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَمَسْأَلَةُ الْمَاءِ أَيْ النَّفْيِ فِي مَسْأَلَةِ

ص: 101

وَمِنْ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ بِفَضْلِ عَدَدِ الرُّوَاةِ وَاسْتَدَلَّ بِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي مَسَائِلِ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إنَّ قَوْلَ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَشْهَدُ بِذَلِكَ لِمَزِيَّةٍ فِي الصِّدْقِ إلَّا أَنَّ هَذَا خِلَافُ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرَجِّحُوا بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ

ــ

[كشف الأسرار]

الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمَاءَ مِنْ وَادٍ جَارٍ فِي إنَاءٍ طَاهِرٍ وَلَمْ يَغِبْ ذَلِكَ الْإِنَاءُ عَنْهُ كَانَ فِي الْإِخْبَارِ بِطَهَارَتِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ كَالْمُخْبِرِ بِنَجَاسَتِهِ فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ وَيَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ بِفَضْلِ عَدَدٍ فِي الرُّوَاةِ) وَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِأَنْ يَكُونَ رُوَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ رُوَاةِ الْآخَرِ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى صِحَّةِ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِقُوَّةٍ لِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لَا تُوجَدُ فِي الْآخَرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَثْرَةَ الرُّوَاةِ نَوْعُ قُوَّةٍ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْجَمَاعَةِ أَقْوَى فِي الظَّنِّ وَأَبْعَدُ مِنْ السَّهْوِ وَأَقْرَبُ إلَى إفَادَةِ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ يُفِيدُ ظَنًّا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظُّنُونَ الْمُجْتَمِعَةَ كُلَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ كَانَتْ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ حَتَّى يَنْتَهِي إلَى الْقَطْعِ، وَلِهَذَا رَجَّحَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلَ الِاثْنَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْوَاحِدِ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ أَوْ بِحِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاثْنَانِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِالْحُرْمَةِ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الِاثْنَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ يُرَجَّحُ خَبَرُ الِاثْنَيْنِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى كَانَ خَبَرُ الْمَثْنَى حُجَّةً لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ إلَيْهِ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَخْبَارِ، وَقَدْ اشْتَهَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِ الْمَثْنَى دُونَ الْوَاحِدِ، وَلَنَا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَخَبَرَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي إيقَاعِ الْعِلْمِ سَوَاءٌ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُوجِبُ عِلْمَ غَالِبِ الرَّأْيِ فَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِكَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ لِاسْتِوَاءِ الِاثْنَيْنِ وَمَا فَوْقَهُمَا فِي إيقَاعِ الْعِلْمِ وَكَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ حُجَّةً وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ فَإِنَّ الْمُخْبِرَ هُنَاكَ يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ وَحَقِيقَةٍ فَكَانَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ حَيْثُ الشَّهَادَةُ وَقَوْلُ الِاثْنَيْنِ حُجَّةٌ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْجَبَ.

أَمَّا هَاهُنَا فَالْخَبَرُ لَا يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ فَكَانَ خَبَرًا مَحْضًا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِيهِ سَوَاءٌ هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمُخْبِرُ هَاهُنَا يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ سَمَاعِهِ مِنْ الرَّسُولِ عليه السلام أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الرُّوَاةِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ خَبَرُ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّرْجِيحِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً فَقَدْ ذَكَرَ نَظِيرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ ثَلَاثُ فِرَقٍ: أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ فَكُلُّ مَا اتَّفَقَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلٍ أَخَذْتُ بِذَلِكَ وَتَرَكْتُ مَا انْفَرَدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ وَهَذَا تَرْجِيحٌ بِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ صَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ، وَأَبَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

قَالَ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَا فَإِنَّ كَثْرَةَ الْعَدَدِ لَا تَكُونُ دَلِيلَ قُوَّةِ الْحُجَّةِ قَالَ تَعَالَى، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] .

وَقَالَ {مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ} [الكهف: 22]{وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24] ثُمَّ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يُرَجِّحُوا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فِي بَابِ الْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فَالْقَوْلُ بِهِ يَكُونُ قَوْلًا بِخِلَافِ إجْمَاعِهِمْ أَرَأَيْتَ لَوْ وَصَلَ إلَى السَّامِعِ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ

ص: 102

وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي بَابِ رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ هَذَا إلَّا فِي الْأَفْرَادِ فَأَمَّا فِي الْعَدَدِ فَإِنَّ خَبَرَ الْحُرَّيْنِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الرَّجُلَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ إلَّا أَنَّ هَذَا مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ

ــ

[كشف الأسرار]

بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ وَالْآخَرُ بِطُرُقٍ أَكَانَ يُرَجَّحُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ بِطَرِيقٍ إذَا كَانَ رَاوِي الْأَصْلِ وَاحِدًا فَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ لَا يَتَرَجَّحُ الْخَبَرُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الَّذِي رُوَاتُهُ أَقَلُّ مُتَأَخِّرًا فَيَكُونُ نَاسِخًا لِذَلِكَ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَرْفَعُ الرُّوَاةُ.

قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ) إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا جَوَابًا عَنْ اعْتِبَارِهِمْ الْخَبَرَ بِالشَّهَادَةِ فِي خَبَرِ الِاثْنَيْنِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ رَاجِحٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ وَكَمَا لَا يَصِحُّ مَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السَّلَفِ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِالشَّهَادَةِ أَيْضًا فَإِنَّ التَّرْجِيحَ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ ثَابِتٌ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ حَتَّى كَانَتْ شَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ رَاجِحَةً عَلَى شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ وَشَهَادَةُ الْحُرَّيْنِ رَاجِحَةً عَلَى شَهَادَةِ الْعَبْدَيْنِ وَلَمْ يَجِبْ التَّرْجِيحُ لَهُمَا فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ حَتَّى كَانَ خَبَرُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ خَبَرِ الرَّجُلِ وَخَبَرُ الْعَبْدِ مِثْلَ خَبَرِ الْحُرِّ فَعَرَفْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْأَخْبَارِ بِالشَّهَادَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.

قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله وَلَا يُؤْخَذُ حُكْمُ رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعَارُضَ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ تَقَعُ بَيْنَ خَبَرِ الْمَرْأَةِ وَخَبَرِ الرَّجُلِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَخَبَرِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْمُثَنَّى وَخَبَرِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ كَانَ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَاتِ حَتَّى يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ مَا لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ وَهُوَ الزِّنَا.

وَكَذَلِكَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِ الْأَرْبَعَةِ أَكْثَرُ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ بَيْنَ شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْأَمْوَالِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ حُكْمُ الْحَادِثَةِ مِنْ حَادِثَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

قَوْلُهُ (وَلَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ هَذَا إلَّا فِي الْأَفْرَادِ) يَعْنِي أَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ لَا يَجِبُ فِي الْأَفْرَادِ حَتَّى لَا يَتَرَجَّحَ خَبَرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى خَبَرِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَخَبَرُ حُرٍّ عَلَى خَبَرِ عَبْدٍ لَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ عَدَمَ التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ بَلْ يَقُولُونَ خَبَرُ الْحُرَّيْنِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْعَبْدَيْنِ وَخَبَرُ الرَّجُلَيْنِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْمَرْأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْحُرَّيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ دُونَ خَبَرِ الْعَبْدَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فَيَتَرَجَّحُ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الْأَفْرَادِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَكَانَ خَبَرُ الْحُرِّ كَخَبَرِ الْعَبْدِ وَخَبَرُ الرَّجُلِ كَخَبَرِ الْمَرْأَةِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ يَعْنِي إذَا أَخْبَرَهُ عَبْدٌ ثِقَةٌ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَحُرٌّ ثِقَةٌ بِنَجَاسَتِهِ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ وَيَعْمَلُ بِأَكْبَرِ رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بِخَبَرِ حُرٍّ وَاحِدٍ وَمِنْ حَيْثُ الدِّينُ الْحُرُّ وَالْمَمْلُوكُ سَوَاءٌ فَلِتَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ يَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مَمْلُوكَانِ ثِقَتَانِ وَبِالْأَمْرِ الْآخَرِ حُرَّانِ ثِقَتَانِ أَخَذَ بِقَوْلِ الْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ تَتِمُّ بِقَوْلِ الْحُرَّيْنِ فِي الْحُكْمِ وَلَا تَتِمُّ بِقَوْلِ الْمَمْلُوكَيْنِ فَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْحُرَّيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ.

وَإِذَا ثَبَتَ تَرْجِيحُ خَبَرِ الْحُرَّيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ يَثْبُتُ فِي الْأَخْبَارِ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُسَلِّمُوا ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ لَا يَتِمُّ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِمْ بِمَا ذُكِرَ فَأَبْطَلَ عَلَيْهِمْ كَلَامَهُمْ لِيَتِمَّ الْإِلْزَامُ، فَقَالَ إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ مَا ذَكَرُوا مِنْ تَرْجِيحِ خَبَرِ الْحُرَّيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ فَإِنَّ الْمُنَاظَرَاتِ جَرَتْ مِنْ وَقْتِ الصَّحَابَةِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اشْتِغَالُهُمْ بِالتَّرْجِيحِ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي الْأَفْرَادِ وَالْعَدَدِ وَلَا بِالتَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ عَدَدِ الرُّوَاةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَاشْتَغَلُوا بِهِ كَمَا اشْتَغَلُوا بِالتَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَبِزِيَادَةِ

ص: 103