المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ) (الِانْقِطَاعِ)وَهُوَ نَوْعَانِ

- ‌ مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ

- ‌ إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ

- ‌[الإنقطاع الظَّاهِرُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ] [

- ‌ إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ

- ‌ الِاتِّصَالَ بِالِانْقِطَاعِ

- ‌[الِانْقِطَاعُ الْبَاطِلُ]

- ‌ الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ وَخَفِيَ الْحَدِيثُ

- ‌[الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ]

- ‌ خَبَرُ الْمَسْتُورِ

- ‌[الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ]

- ‌ خَبَرِ الْفَاسِقِ

- ‌[خَبَر الْكَافِرِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ]

- ‌[خَبَر صَاحِبُ الْهَوَى]

- ‌(بَابُ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ)

- ‌[بَابُ بَيَانِ الْخَبَرُ]

- ‌ بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ)

- ‌بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى)

- ‌(بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي)

- ‌(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ)

- ‌‌‌(بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌(بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ آيَتَيْنِ

- ‌[كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[تعارض الْجُرْح وَالتَّعْدِيل]

- ‌(بَابُ الْبَيَانِ)

- ‌[أَوْجُه الْبَيَانُ]

- ‌[بَيَانُ التَّقْرِير]

- ‌ بَيَانُ التَّفْسِيرِ

- ‌[تَخْصِيصِ الْعَامِّ]

- ‌(بَابُ بَيَانِ التَّغْيِيرِ)

- ‌[أَنْوَاع بَيَانِ التَّغْيِيرِ]

- ‌{بَابُ بَيَانِ الضَّرُورَةِ}

- ‌[أَوْجُهٍ بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌{بَابُ بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[تَفْسِيرِ النَّسْخِ]

- ‌النَّسْخُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ مَحِلِّ النَّسْخِ)

- ‌[أَقْسَام مَالَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ]

- ‌[بَابُ بَيَانِ شُرُوطِ النَّسْخ]

- ‌{بَابُ تَقْسِيمِ النَّاسِخِ}

- ‌[النَّسْخُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]

- ‌[نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ]

- ‌نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ

- ‌(بَابُ تَفْصِيلِ) (الْمَنْسُوخِ)

- ‌[أَنْوَاعٌ الْمَنْسُوخُ]

- ‌[الْفُرْق بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ]

- ‌(بَابُ أَفْعَالِ النَّبِيِّ)

- ‌[أَقْسَام أَفْعَالِ النَّبِيِّ]

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ السُّنَّةِ)فِي حَقِّ النَّبِيِّ

- ‌[أَنْوَاع الوحى]

- ‌[جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ]

- ‌(بَابُ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا)

- ‌ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ

- ‌[بَابُ مُتَابَعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ]

- ‌[تَقْلِيد التَّابِعِينَ]

- ‌(بَابُ الْإِجْمَاعِ)

- ‌[أَرْكَان الْإِجْمَاع]

- ‌[بَابُ أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاع]

- ‌بَابُ شُرُوطِ) (الْإِجْمَاعِ) :

- ‌[بَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ وَمَحِلّه]

- ‌[إنْكَار الْإِجْمَاع]

- ‌[بَابُ بَيَانِ سَبَب الْإِجْمَاعُ]

- ‌(بَابُ الْقِيَاسِ)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ]

- ‌[ثُبُوت الْقِيَاس وَأَنْوَاعه]

- ‌(فَصْلٌ فِي تَعْلِيلِ الْأُصُولِ)

- ‌بَابٌ شُرُوطُ الْقِيَاسِ) :

- ‌[بَابُ رُكْنُ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَا يصلح دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّة]

- ‌[بَابُ الِاحْتِجَاجَ بِالطَّرْدِ]

- ‌ التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ

- ‌ الِاحْتِجَاجُ بِلَا دَلِيلٍ

- ‌بَابُ حُكْمِ الْعِلَّةِ) :

- ‌[جُمْلَةَ مَا يُعَلَّلُ لَهُ]

الفصل: ‌[باب تفسير القياس]

(بَابُ الْقِيَاسِ)

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رضي الله عنه الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ: أَوَّلُهَا الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ وَالثَّانِي فِي شَرْطِهِ وَالثَّالِثُ فِي رُكْنِهِ وَالرَّابِعُ فِي حُكْمِهِ وَالْخَامِسُ فِي دَفْعِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَعْنَاهُ وَلَا يُوجَدُ إلَّا عِنْدَ شَرْطِهِ وَلَا يَقُومُ إلَّا بِرُكْنِهِ وَلَمْ يُشْرَعْ إلَّا لِحُكْمِهِ ثُمَّ لَا يَبْقَى إلَّا الدَّفْعُ

ــ

[كشف الأسرار]

أَنَّا لَا نُثْبِتُ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ إجْمَاعًا قَاطِعًا مُوجِبًا لِلْعِلْمِ لِيَمْتَنِعَ ثُبُوتُهُ بِهِ بَلْ نُثْبِتُ بِهِ إجْمَاعًا ظَنِّيًّا مُوجِبًا لِلْعَمَلِ وَثُبُوتُ مِثْلِهِ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ثَبَتَ بِدَلَائِلَ قَاطِعَةٍ وَهِيَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَدَلَالَاتُ النُّصُوصِ وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا إجْمَاعٌ وَلَا نَصٌّ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي إثْبَاتِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ نَصِيبٌ شُرِعَ بِالرَّأْيِ وَلَا مَدْفَعَ لِهَذَا إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ بِأَنْ يُقَالَ: نَقْلُ الْوَاحِدِ لِلدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ قَطْعًا كَالْخَبَرِ الَّذِي تَخَلَّلَتْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ نَاقِلِهِ وَالرَّسُولِ فَنَقْلُ الْوَاحِدِ لِلدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَاقِلِهِ وَاسِطَةٌ أَوْلَى بِأَنْ يُوجِبَ الْعَمَلَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الضَّرَرِ فِي مُخَالَفَةِ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي مُخَالَفَةِ الْمَظْنُونِ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَثْبُتُ فِيمَا إذَا تَخَلَّلَ فِي نَقْلِهِ وَاسِطَةٌ أَوْ وَسَائِطُ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ.

قَوْلُهُ (مِثْلُ قَوْلِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ اللَّامِ هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ عَبِيدَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ سَلْمٍ أَوْ عَمْرٍو مَنْسُوبٌ إلَى سَلْمَانَ حَيٌّ مِنْ مُرَادٍ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَفْتَحُونَ اللَّامَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِسَنَتَيْنِ وَلَمْ يَرَهُ وَسَمِعَ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ وَنَزَلَ الْكُوفَةَ فَرَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُمْ وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ تَكْبِيرِ الْجِنَازَةِ يَعْنِي وَسُئِلَ عَنْهُ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ أَوْ تِسْعٌ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَصْلِ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ فَقَالَ مَنْ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ أَيْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ حُجَّةً فَقَدْ أَبْطَلَ دِينَهُ؛ لِأَنَّ مَدَارَ أُصُولِ الدِّينِ عَلَى الْإِجْمَاعِ إذْ الْمَعْرِفَةُ بِالْقُرْآنِ وَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَالرَّكَعَاتِ وَأَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ وَغَيْرِهَا حَصَلَتْ لَنَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى نَقْلِهَا فَكَانَ إنْكَارُ الْإِجْمَاعِ مُؤَدِّيًا إلَى إبْطَالِهَا إلَّا أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَمْ يَثْبُتْ أُصُولُ الدِّينِ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَالْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ النَّقْلَ يُوصِلُ إلَيْنَا مَا كَانَ ثَابِتًا وَالْإِجْمَاعَ يُثْبِتُ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِهِ إبْطَالُ أُصُولِ الدِّينِ بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ ثُبُوتِهَا بِهِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذْ قَدْ فَرَغْنَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَإِنْعَامِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَإِكْرَامِهِ عَنْ بَيَانِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَتَحْقِيقِ مَعَانِيهَا وَتَأْسِيسِ قَوَاعِدِهَا وَتَمْهِيدِ مَبَانِيهَا وَتَوْضِيحِ مَسَائِلِهَا الْمُشْكِلَةِ وَتَنْقِيحِ دَلَائِلِهَا الْمُعْضِلَةِ، فَلْنَشْرَعْ فِي شَرْحِ الْأَصْلِ الرَّابِعِ الَّذِي هُوَ مِيزَانُ عُقُولِ أُولِي النُّهَى وَمَيْدَانُ الْفُحُولِ ذَوِي الْحِجَا بِهِ نَعْرِفُ قَدْرَ الْحَذَاقَةِ وَالْفَطَانَةِ وَيُسْبَرُ غَوْرُ الْفَقَاهَةِ وَالرَّزَانَةِ، وَفِيهِ تَحَارُ الْعُقُولُ وَالْأَفْهَامُ وَيَفْرُطُ الْإِغْلَاقُ وَالْأَوْهَامُ كَاشِفِينَ النِّقَابَ عَنْ اللَّهِ وَحَقَائِقِهِ رَافِعِينَ الْحِجَابَ عَنْ أَسْرَارِ لَطَائِفِهِ وَدَقَائِقِهِ حَامِدِينَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَفْضَالِهِ وَمُصَلِّينَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ.

[بَابُ الْقِيَاسِ]

[بَابُ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ]

(بَابُ الْقِيَاسِ)(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكَلَامَ) لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَعْنَاهُ إثْبَاتُ الشَّيْءِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّفْظِ مَعْنًى

ص: 266

(بَابُ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ) لِلْقِيَاسِ تَفْسِيرٌ هُوَ الْمُرَادُ بِظَاهِرِ صِيغَتِهِ، وَمَعْنًى هُوَ الْمُرَادُ بِدَلَالَةِ صِيغَتِهِ وَمِثَالُهُ الضَّرْبُ هُوَ اسْمٌ لِفِعْلٍ يُعْرَفُ بِظَاهِرِهِ وَلِمَعْنًى يُعْقَلُ بِدَلَالَتِهِ عَلَى مَا قُلْنَا، أَمَّا الثَّابِتُ بِظَاهِرِ صِيغَتِهِ فَالتَّقْدِيرُ يُقَالُ قِسْ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ أَيْ أَحْذِهِ بِهِ وَقَدِّرْهُ بِهِ وَذَلِكَ أَنْ يُلْحَقَ الشَّيْءُ بِغَيْرِهِ فَيُجْعَلَ مِثْلَهُ وَنَظِيرَهُ، وَقَدْ يُسَمَّى مَا يَجْرِي بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ قِيَاسًا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَايَسْته قِيَاسًا، وَقَدْ يُسَمَّى هَذَا الْقِيَاسُ نَظَرًا مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ يُدْرَكُ، وَقَدْ يُسَمَّى اجْتِهَادًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقُهُ فَسُمِّيَ بِهِ مَجَازًا.

ــ

[كشف الأسرار]

لَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا كَانَ مُهْمَلًا وَصَارَ كَأَلْحَانِ الطُّيُورِ وَلَا يُوجَدُ أَيْ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَبَرُ إلَّا عِنْدَ شَرْطِهِ لِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بَعْدَ تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ وَالنِّكَاحُ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ إحْضَارِ الشُّهُودِ فَلِهَذَا قَدَّمَ ذِكْرَ الشَّرْطِ عَلَى الرُّكْنِ وَلَا يَقُومُ إلَّا بِرُكْنِهِ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ نَفْسُ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَوْ بَعْضُ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي مَاهِيَّتِه فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَلَمْ يُشْرَعْ إلَّا لِحِكْمَةٍ إذْ الشَّيْءُ إنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ حَدِّ السَّفَهِ وَالْعَبَثِ إلَى حَدِّ الْحِكْمَةِ بِكَوْنِهِ مُفِيدًا وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِحِكْمَةٍ، ثُمَّ لَا يَبْقَى إلَّا الدَّفْعُ أَيْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ تَحَقُّقِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا الدَّفْعُ فَكَانَتْ مَعْرِفَتُهُ مُؤَخَّرَةً عَنْ مَعْرِفَةِ الْجَمِيعِ.

قَوْلُهُ (لِلْقِيَاسِ تَفْسِيرٌ هُوَ الْمُرَادُ بِظَاهِرِ صِيغَتِهِ) أَيْ لَهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ يَدُلُّ ظَاهِرُ صِيغَتِهِ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ وَمَعْنًى هُوَ الْمُرَادُ بِدَلَالَةِ صِيغَتِهِ أَيْ مَعْنًى يَدُلُّ صِيغَتُهُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا لَا بِظَاهِرِهَا، وَمِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ الْقِيَاسِ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا الضَّرْبُ؛ فَإِنَّ لَهُ تَفْسِيرًا هُوَ الْمُرَادُ بِظَاهِرِهِ، وَهُوَ إيقَاعُ الْخَشَبَةِ عَلَى جِسْمِ حَيٍّ وَمَعْنًى يُعْقَلُ بِدَلَالَتِهِ، وَهُوَ الْإِيلَامُ فَيَتَنَاوَلُ الْعَضَّ وَالْخَنْقَ وَمَدَّ الشَّعْرِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ فُلَانًا بِمَعْنَاهُ لَا بِظَاهِرِهِ وَصُورَتِهِ كَمَا يَتَنَاوَلُ التَّأْفِيفُ الضَّرْبَ وَالشَّتْمَ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ الْإِيذَاءُ لَا بِصُورَتِهِ. وَمِثَالٌ آخَرُ قَوْله تَعَالَى {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] ؛ فَإِنَّ تَرْكَ الْبَيْعِ يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِهِ وَتَرْكُ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ السَّعْيِ يُفْهَمُ مِنْ مَعْنَاهُ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالُ بِالشِّرَاءِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ عَنْ السَّعْيِ.

1 -

قَوْلُهُ (أَمَّا الثَّابِتُ بِظَاهِرِ صِيغَتِهِ فَالتَّقْدِيرُ) يُقَالُ قِسْت الْأَرْضَ بِالْقَصَبَةِ إذَا قَدَّرْتهَا بِهَا، وَيُقَالُ قَاسَ الطَّبِيبُ الْجُرْحَ إذَا سَبَرَهُ بِالْمِسْبَارِ لِيَعْرِفَ مِقْدَارَ غَوْرِهِ، ثُمَّ التَّقْدِيرُ لَمَّا اسْتَدْعَى أَمْرَيْنِ يُضَافُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ بِالْمُسَاوَاةِ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْمُسَاوَاةِ أَيْضًا فَقِيلَ قِسْ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ أَيْ أَحَدَهُمَا أَيْ سِوَاهَا بِصَاحِبَتِهَا، وَمِنْهُ يُقَالُ يُقَاسُ فُلَانٌ بِفُلَانٍ وَلَا يُقَاسُ بِفُلَانٍ أَيْ يُسَاوِيهِ وَلَا يُسَاوِيهِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

خَفْ بِإِلْحَاقِ كَرِيمٍ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ

مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ لَكَا

وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ أَيْ التَّقْدِيرُ أَنْ يُلْحَقَ الشَّيْءُ بِغَيْرِهِ فَيُجْعَلُ مِثْلَهُ وَنَظِيرَهُ وَكَانَ غَرَضُهُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ بِإِلْحَاقِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ لِيُجْعَلَ الشَّيْءُ الْمُلْحَقُ نَظِيرَ الْمُلْحَقِ بِهِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهِ وَاسْمُ النَّعْلِ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ ذَكَّرَ ضَمِيرَهَا نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَصِلَةُ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ هِيَ الْبَاءُ إلَّا أَنَّ فِي الشَّرْعِ جُعِلَتْ كَلِمَةُ عَلَى فَقِيلَ قَاسَ عَلَيْهِ بِتَضْمِينِ مَعْنَى الْبِنَاءِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ لِلْبِنَاءِ لَا لِلْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً قَوْلُهُ، (وَقَدْ يُسَمَّى مَا يَجْرِي بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ قِيَاسًا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَقِيسُ عَلَى أَصْلِهِ وَيَسْعَى فِي أَنْ يَجْعَلَ جَوَابَهُ فِي الْحَادِثَةِ مَثَلًا لِمَا اتَّفَقَا عَلَى كَوْنِهِ أَصْلًا بَيْنَهُمَا كَالْحَنَفِيِّ فِي مُنَاظَرَةِ الشَّافِعِيِّ يَسْعَى فِي إلْحَاقِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ بِالسَّبِيلَيْنِ وَصَاحِبُهُ يَسْعَى فِي إلْحَاقِهِمَا بِالْقَيْءِ الْقَلِيلِ، وَهُوَ أَيْ هَذَا الْقِيَاسُ الَّذِي أُطْلِقَ عَلَى الْمُنَاظَرَةِ مَصْدَرُ قَايَسْته قِيَاسًا لَا مَصْدَرُ قَاسَ يَقِيسُ، وَقَدْ يُسَمَّى هَذَا الْقِيَاسُ أَيْ الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَجْرِي فِي الْمُنَاظَرَةِ نَظَرًا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ فَإِنَّهُ يُصَابُ بِنَظَرِ الْقَلْبِ عَنْ إنْصَافٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ هَذَا

ص: 267

وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ صِيغَتِهِ فَهُوَ أَنَّهُ مُدْرَكٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَمُفَصَّلٌ مِنْ مَفَاصِلِهِ

ــ

[كشف الأسرار]

احْتِرَازًا عَنْ الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ أَوْ الْعَقْلِيِّ، وَقَدْ يُسَمَّى أَيْ الْقِيَاسُ اجْتِهَادًا مَجَازًا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِاجْتِهَادِ الْقَلْبِ أَيْ بِبَذْلِهِ مَجْهُودَهُ يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ.

وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الِاجْتِهَادِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الِاجْتِهَادُ وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ وَنَسَبَهُ إلَى الشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَقَالَ أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ.

وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَلَيْسَ الِاجْتِهَادُ بِمُفْتَقِرٍ إلَى الْقِيَاسِ وَحَدُّهُ هُوَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ بِقِيَاسٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ وَالْقِيَاسُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَالَ: وَلِهَذَا دَخَلَ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَتَرْتِيبُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بِقِيَاسٍ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ صِيغَتِهِ فَهُوَ أَنَّهُ مُدْرَكٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ لَمَّا كَانَ جَعْلُ الشَّيْءِ مِثْلًا لِآخَرَ وَمُسَاوِيًا لَهُ لَزِمَ أَنْ يُعْرَفَ بِهِ حُكْمُ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ إذَا صَارَ مُسَاوِيًا لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ لَا مَحَالَةَ فَكَانَ مَدْرَكًا مِنْ مَدَارِك أَحْكَامِ الشَّرْعِ أَيْ مَوْضِعَ دَرْكٍ وَالدَّرْكُ هُوَ الْعِلْمُ أَوْ فِي تَسْمِيَتِهِ مَدْرَكًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ يُوقَفُ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ لَا أَنَّهُ مُثْبِتٌ لَهُ كَالدُّخَانِ يُوقَفُ بِهِ عَلَى وُجُودِ النَّارِ لَا أَنْ يَثْبُتَ وُجُودُهَا بِهِ وَمَفْصِلٌ مِنْ مَفَاصِلِهِ أَيْ مَوْضِعُ فَصْلٍ؛ فَإِنَّهُ يُفْصَلُ بِهِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ أَيْ يُقْطَعُ كَمَا يُفْصَلُ بِغَيْرِهَا بَيْنَ الْحُجَجِ أَوْ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْجَوَازِ وَالْفَسَادِ كَمَا يُفْصَلُ بِسَائِرِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ رحمه الله تَحْدِيدَ الْقِيَاسِ وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأُصُولِيِّينَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ هُوَ رَدُّ الْحُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ إلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَانِعٍ لِدُخُولِ دَلَالَةِ النَّصِّ فِيهِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِقِيَاسٍ وَغَيْرَ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ عَنْهُ وَقِيلَ: هُوَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ بِعِلَّتِهِ إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ، وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا لِعَدَمِ اشْتِمَالِهِ عَلَى قِيَاسِ الْمَعْدُومِ عَلَى الْمَعْدُومِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ أَمْرَانِ وُجُودِيَّانِ إذْ الْأَصْلُ اسْمٌ لِمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَالْفَرْعُ اسْمٌ لِمَا يُبْتَنَى عَلَى غَيْرِهِ وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَعِلَّتَهُ مِنْ أَوْصَافِهِ وَالِانْتِقَالُ عَلَى الْأَوْصَافِ لَا يَجُوزُ بَلْ الثَّابِتُ مِثْلُ حُكْمِ الْأَصْلِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْفَرْعِ.

وَالْمَنْقُولُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ رحمه الله أَنَّهُ إبَانَةُ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرَ، وَاخْتَارَ لَفْظَ الْإِبَانَةِ دُونَ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ وَلَيْسَ بِمُثْبِتٍ بَلْ الْمُثْبِتُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَذِكْرُ مِثْلِ الْحُكْمِ وَمِثْلِ الْعِلَّةِ احْتِرَازٌ عَنْ لُزُومِ الْقَوْلِ بِانْتِقَالِ الْأَوْصَافِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْمِثْلِ يَلْزَمُ ذَلِكَ وَذِكْرُ لَفْظِ الْمَذْكُورَيْنِ لِيَشْتَمِلَ الْقِيَاسُ بَيْنَ الْمَوْجُودَيْنِ وَبَيْنَ الْمَعْدُومَيْنِ كَقِيَاسِ عَدِيمِ الْعَقْلِ بِسَبَبِ الْجُنُونِ عَلَى عَدِيمِ الْعَقْلِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ عَنْهُ بِالْعَجْزِ عَنْ فَهْمِ الْخِطَابِ، وَأَدَاءِ الْوَاجِبِ وَمُخْتَارُ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا عَنْهُمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَإِنَّمَا قِيلَ: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ بَيْنَ الْمَعْدُومَيْنِ

ص: 268

وَهَذِهِ جُمْلَةٌ لَا تُعْقَلُ إلَّا بِالْبَسْطِ وَالْبَيَانِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَنَا الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ بِطَرِيقِ وَضْعِهِ عَلَى مِثَالِ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَاتِ فَجَعَلَ الْأُصُولَ شُهُودًا فَهِيَ شُهُودُ اللَّهِ وَمَعْنَى النُّصُوصِ هُوَ شَهَادَتُهَا، وَهُوَ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاحِيَّةِ الْأُصُولِ، وَهُوَ كَوْنُهَا صَالِحَةً لِلتَّعْلِيلِ كَصَلَاحِيَّةِ الشُّهُودِ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاحِ الشَّهَادَةِ كَصَلَاحِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ خَاصَّةً وَعَدَالَتِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ لِلْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَالِبٍ لِلْحُكْمِ عَلَى مِثَالِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ الْقَائِسُ وَلَا بُدَّ مِنْ مَطْلُوبٍ، وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَلَا بُدَّ مِنْ مُقْتَضَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْقَلْبُ بِالْعَقْدِ ضَرُورَةً وَالْبَدَنُ بِالْعَمَلِ أَصْلًا أَوْ الْخَصْمُ فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ وَالْحَاجَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ هُوَ بِمَعْنَى الْقَاضِي، وَهُوَ الْقَلْبُ.

،

ــ

[كشف الأسرار]

وَلَوْ قِيلَ: حَمْلُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ لَتَنَاوَلَ الْمَوْجُودَ دُونَ الْمَعْدُومِ إذْ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَكَذَا لَوْ قِيلَ: حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْمَعْدُومِ وَإِنْ كَانَ لَا يَبْعُدُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ مَا وَالْحُكْمُ قَدْ يَكُونُ إثْبَاتًا وَنَفْيًا وَكَذَا الْجَامِعُ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا وَصِفَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَالِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى هَذَا الْحَدِّ مَعَ أَجْوِبَتِهَا مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِهِمْ قُلْت فَلْتُطْلَبْ فِيهَا.

1 -

قَوْلُهُ (وَهَذِهِ جُمْلَةٌ) أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَدْرَكٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَمُفَصَّلٌ أَمْرٌ مُبْهَمٌ لَا يُعْقَلُ إلَّا بِالْبَسْطِ وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ هَذَا أَيْ كَوْنُهُ مَدْرَكًا بِبَسْطِ الْكَلَامِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَيْ بَيَانُ كَوْنِهِ مَدْرَكًا وَمُفَصَّلًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَنَا الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ النُّصُوصُ بِطَرِيقِ وَضْعِهِ يَعْنِي لِلْقِيَاسِ عَلَى مِثَالِ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَاتِ فِي خُصُومَاتِ الْعِبَادِ وَتَعَلُّقُ عَلَى بِقَوْلِهِ كَلَّفَنَا الْعَمَلَ أَوْ بِقَوْلِهِ وَضْعِهِ فَجَعَلَ الْأُصُولَ وَهِيَ النُّصُوصُ شُهُودًا؛ فَإِنَّهَا شُهُودُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حُقُوقِهِ وَأَحْكَامِهِ بِمَنْزِلَةِ الشُّهُودِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَمَعْنَى النُّصُوصِ هُوَ شَهَادَتُنَا أَيْ مَعْنَاهَا الَّذِي تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ لَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَفُسِّرَ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ الْعِلَّةُ الْجَامِعَة دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاحِيَّةِ الْأُصُولِ أَيْ لِلشَّهَادَةِ، وَهُوَ أَيْ الصَّلَاحِيَّةُ عَلَى تَأْوِيلِ الصَّلَاحِ كَوْنُهَا أَيْ الْأُصُولِ صَالِحَةً لِلتَّعْلِيلِ بِأَنْ لَا يَكُونَ النَّصُّ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ أَوْ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ بِنَصٍّ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاحِيَّةِ الشَّهَادَةِ أَيْ شَهَادَةِ النَّصِّ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الدَّالُّ عَلَى الْحُكْمِ مُلَائِمًا أَيْ مُوَافِقًا لِتَعْلِيلِ السَّلَفِ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ نَهْجِهِمْ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ صَلَاحِيَّةِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِأَنْ يَشْهَدَ بِلَفْظٍ خَاصٍّ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ حَتَّى لَوْ قَالَ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ أَوْ أَحْلِفُ لَا يَكُونُ شَهَادَةً وَعَدَالَتُهُ أَيْ عَدَالَةُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ كَوْنُهُ صِدْقًا.

وَاسْتِقَامَتُهُ أَيْ مُطَابَقَتُهُ لِلْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّهَادَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِدَعْوَى الْمُدَّعِي حَتَّى لَوْ ادَّعَى أَلْفَ دِينَارٍ وَشَهِدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ صِدْقًا لِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَيْ فَمِثْلُ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ هَذِهِ الشَّهَادَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا فَكَمَا لَا بُدَّ مِنْ الصَّلَاحِيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ هُنَاكَ لَا بُدَّ مِنْهَا هَاهُنَا أَيْضًا فَصَلَاحِيَّةُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِالْمُلَاءَمَةِ كَمَا قُلْنَا وَعَدَالَتُهَا بِالتَّأْثِيرِ وَاسْتِقَامَتُهَا بِمُطَابَقَتِهَا الْحُكْمَ الْمَطْلُوبَ وَخُلُوِّهَا عَنْ فَسَادِ الْوَضْعِ وَنَحْوِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُقْتَضًى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْقَلْبُ بِالْعَقْدِ ضَرُورَةً وَالْبَدَنُ بِالْعَمَلِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِيَاسِ هُوَ الْعَمَلُ بِالْبَدَنِ دُونَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ فَكَانَ الْبَدَنُ أَصْلًا فِي إيجَابِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ صِحَّةَ الْعَمَلِ لَمَّا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الِاعْتِقَادِ وَجَبَ عَلَى الْقَلْبِ الْعَقْدُ ضَرُورَةً وَهَذَا إذَا حَاجَّ نَفْسَهُ فَإِنْ حَاجَّ غَيْرَهُ فَالْمُقْتَضَى عَلَيْهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الِانْقِيَادُ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ حَكَمٍ هُوَ بِمَعْنَى الْقَاضِي، وَهُوَ الْقَلْبُ يَحْكُمُ بَعْدَ فَهْمِهِ تَأْثِيرَ وَصْفٍ فِي حُكْمٍ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَيْهِ كَالْقَاضِي فِي الْخُصُومَاتِ يَقْضِي بَعْدَ فَهْمِ الشَّهَادَةِ بِثُبُوتِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنَاءً عَلَى الشَّهَادَةِ.

(فَإِنْ قِيلَ) قَدْ صَارَ الْقَلْبُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِيمَا إذَا حَاجَّ نَفْسَهُ فَكَيْفَ يَصْلُحُ حَاكِمًا بَعْدُ وَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ. (قُلْنَا) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ هُوَ الْبَدَنُ حَقِيقَةً وَقَصْدًا وَالْقَلْبُ صَارَ مُقْتَضَيًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الضِّمْنِ وَالضَّرُورَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ كَوْنِهِ حَاكِمًا كَالْقَاضِي إذَا قَضَى

ص: 269