الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصَارَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَاَلَّذِي هُوَ مَحِلُّ النَّسْخِ قِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ حُكْمٌ مُطْلَقٌ يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ لَمْ يَجِبْ بَقَاؤُهُ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الْبَقَاءَ كَالشِّرَاءِ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ دُونَ الْبَقَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ التَّأْبِيدَ بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الزَّمَانِ بِخُصُوصِهِ وَالنَّسْخُ لَا يَجْرِي فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّأْبِيدَ يُفِيدُ الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ قَطْعًا فِي الْخَبَرِ كَمَا فِي تَأْبِيدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إنَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهْلِهِمَا وَحَمَلَ قَوْله تَعَالَى {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57] عَلَى الْمُبَالَغَةِ يُنْسَبُ إلَى الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ فَكَذَا فِي الْأَحْكَامِ إذْ لَا فَرْقَ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الدَّوَامِ لُغَةً فِي الصُّورَتَيْنِ وَقَوْلُهُمْ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطِبُ مَرِيدًا لِبَعْضِ الْأَزْمَانِ دُونَ الْبَعْضِ كَمَا فِي الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا اتَّصَلَ قَرِينَةٌ بِالْكَلَامِ نُطْقِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ نُطْقِيَّةٍ دَالَّةٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ تَأَخُّرٍ عَنْهُ، فَإِذَا خَلَا الْكَلَامُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ كَانَ دَالًّا عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ قَطْعًا لِمَا مَرَّ فَكَانَ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ ضَرُورَةً فَلَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ هَذَا كَجَرَيَانِ النَّسْخِ فِي اللَّفْظِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْأَعْيَانِ فَإِنَّ النَّسْخَ فِيهِ لَا يُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ بِقَرِينَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ بَلْ الْحُكْمُ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْكُلِّ ثُمَّ انْقَطَعَ فِي حَقِّ الْبَعْضِ بِالنَّاسِخِ فَكَانَ هَذَا الْبَعْضُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ بِنَصٍّ خَاصٍّ ثُمَّ انْقَطَعَ بِنَاسِخٍ فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِّ مُتَأَخِّرًا وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بَيَانَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ بِقَرِينَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ قُلْنَا: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ عِنْدَنَا بَلْ هُوَ نَسْخٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ تَخْصِيصًا فَقَدْ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْعَامِّ ظَنِّيٌّ عِنْدَهُ وَأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ مُقَرَّرٌ فَيَجُوزُ مُتَأَخِّرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَالْفَرِيقُ الْأَوَّلُ لَمْ يُسَلِّمُوا لُزُومَ الْبَدَاءِ وَالتَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ: صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الرَّمَضَانَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْجَمِيعِ اسْتِمْرَارُ الْوُجُوبِ مَعَ الْجَمِيعِ فَإِذًا لَا يَلْزَمُ مِنْ صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا الْإِخْبَارُ بِكَوْنِ الصَّوْمِ مُؤَبَّدًا مُسْتَمِرًّا حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ نَفْيِ الِاسْتِمْرَارِ بِالنَّسْخِ التَّنَاقُضُ وَالْبَدَاءُ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَقْتُ مُعَيَّنًا بِأَنْ قَالَ: صُمْ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ ثُمَّ نَسَخَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ قَبْلَهُ بِالنَّسْخِ كَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ قَبْلَهُ بِالْمَوْتِ وَيَكُونُ التَّأْبِيدُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ النَّسْخِ أَيْ افْعَلُوا أَبَدًا إنْ لَمْ أَنْسَخْهُ عَنْكُمْ كَمَا كَانَ قَوْلُهُ: افْعَلْ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ عَدَمِ النَّسْخِ أَيْ افْعَلْ كَذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنْ لَمْ أَنْسَخْهُ عَنْك.
هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الْفَرِيقَيْنِ وَلَا طَائِلَ فِي هَذَا الْخِلَافِ إذْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَحْكَامِ حُكْمٌ مُقَيَّدٌ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ التَّوْقِيتِ قَدْ نُسِخَ شَرْعِيَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بَعْدُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ.
[أَقْسَام مَالَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ]
قَوْلُهُ (فَصَارَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ) مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ الْوُجُودُ وَمَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَقَدْ الْتَحَقَ بِهِ تَأْبِيدٌ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً أَوْ تَوْقِيتٌ وَهُوَ حُكْمٌ مُطْلَقٌ احْتِرَازًا عَنْ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ التَّوْقِيتِ يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ لَمْ يَجِبْ بَقَاؤُهُ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الْبَقَاءَ احْتِرَازًا عَنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ كَالشِّرَاءِ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ دُونَ الْبَقَاءِ يَعْنِي أَنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُوجِبُ إبْقَاءَهُ لَهُ بَلْ بَقَاؤُهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مُبْقٍ أَوْ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ وَكَذَا يُوجِبُ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَلَا يُوجِبُ بَقَاءَهُ
فَيَنْعَدِمُ الْحُكْمُ لِانْعِدَامِ سَبَبِهِ لَا بِالنَّاسِخِ بِعَيْنِهِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى التَّضَادِّ وَالْبَدَاءِ وَلَا يَصِيرُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَسَنًا وَقَبِيحًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي حَالَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام نُسِخَ فَصَارَ الذَّبْحُ بِعَيْنِهِ حَسَنًا بِالْأَمْرِ وَقَبِيحًا بِالنَّسْخِ قِيلَ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِنَسْخٍ لِلْحُكْمِ بَلْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ، وَالنَّسْخُ هُوَ انْتِهَاءُ الْحُكْمِ وَلَمْ يَكُنْ بَلْ كَانَ ثَابِتًا إلَّا أَنَّ الْمَحِلَّ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ لَمْ يَحِلَّهُ الْحُكْمُ عَلَى طَرِيقِ الْفِدَاءِ دُونَ النَّسْخِ
ــ
[كشف الأسرار]
لَهُ فِي ذِمَّتِهِ قَوْلُهُ (فَيَنْعَدِمُ الْحُكْمُ) إلَى آخِرِهِ تَقْرِيبٌ وَجَوَابٌ عَنْ كَلَامِ الْيَهُودِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لُزُومَ الْبَدَاءِ وَالتَّنَاقُضِ فِي النَّسْخِ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَقَاءُ الْحُكْمِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْبَقَاءِ بَلْ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ كَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُرُودِ النَّاسِخِ لِعَدَمِ سَبَبِهِ أَيْ بِسَبَبِ بَقَائِهِ وَهُوَ عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ لِتَبَدُّلِ ذَلِكَ الْعَدَمِ بِوُجُودِ النَّاسِخِ لَا أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ بِنَفْسِهِ مُتَعَرِّضًا لَهُ بِالْإِبْطَالِ وَالْإِزَالَةِ لِيَلْزَمَ مِنْهُ الْبَدَاءُ وَالتَّنَاقُضُ كَمَا زَعَمُوا بَلْ عَدَمُهُ لِعَدَمِ سَبَبِهِ كَالْحَيَاةِ تَنْعَدِمُ بِعَدَمِ سَبَبِهَا لَا بِالْمَوْتِ.
وَنَظِيرُهُ خُرُوجُ شَهْرٍ وَدُخُولُ آخَرَ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَنْتَهِي بِهِ لَا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مُزِيلًا لَهُ فَكَذَا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ يَنْتَهِي بِالنَّاسِخِ لَا أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُزِيلًا فَلَا يَكُونُ تَنَاقُضًا وَبَدَاءً أَوْ الْمُرَادُ مِنْ السَّبَبِ الْمَعْنَى الدَّاعِي إلَى شَرْعِيَّتِهِ يَعْنِي انْعَدَمَ الْحُكْمُ لِعَدَمِ الْمَعْنَى الدَّاعِي إلَيْهِ لَا بِالنَّاسِخِ كَانْتِهَاءِ شَرْعِيَّةِ إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ نَصِيبًا مِنْ الزَّكَاةِ بِانْتِهَاءِ سَبَبِهِ وَهُوَ ضَعْفُ الْمُسْلِمِينَ وَحُصُولُ إعْزَازِ الدِّينِ بِهِ فَإِنَّ تَأْلِيفَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ بِإِعْطَاءِ الْمَالِ وَدَفْعِ أَذَاهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِهِ كَانَ إعْزَازًا لِلدِّينِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَمَّا قَوِيَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ كَانَ إعْطَاؤُهُمْ دَنِيَّةً فِي الدِّينِ لَا إعْزَازًا لَهُ فَانْتَهَى بِانْتِهَاءِ سَبَبِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ النَّسْخُ بَدَاءً وَلَا تَنَاقُضًا لِعَدَمِ تَعَرُّضِ النَّاسِخِ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَصْلًا وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِاجْتِمَاعِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا زَعَمُوا بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَتَيْنِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ إذْ مِنْ شَرْطِهِ اتِّحَادُ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ جَمِيعًا قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا سُؤَالٌ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَصِيرُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَسَنًا وَقَبِيحًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ فِي النَّسْخِ لُزُومَ اجْتِمَاعِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام فَإِنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِذَبْحِ الشَّاةِ بِدَلِيلِ أَنَّ ذَبْحَ الْوَلَدِ قَدْ حَرُمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَ الذَّبْحُ مَنْهِيًّا عَنْهُ مَعَ قِيَامِ الْأَمْرِ حَتَّى وَجَبَ ذَبْحُ الشَّاةِ فِدَاءً عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَبْحِ الْوَلَدِ الَّذِي بِهِ ثَبَتَ الِانْتِسَاخُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى قُبْحِهِ وَقِيَامُ الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِهِ وَفِيهِ اجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَأَجَابَ عَنْهُ وَقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا انْتَسَخَ بِذَبْحِ الشَّاةِ وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُحَقِّقًا رُؤْيَاهُ بِقَوْلِهِ جل جلاله {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 105] .
أَيْ حَقَقْت مَا أُمِرَتْ بِهِ بَلْ نَقُولُ الْمَحِلُّ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الذَّبْحُ وَهُوَ الْوَلَدُ لَمْ يُحِلَّهُ الْحُكْمُ عَلَى طَرِيقِ الْفِدَاءِ كَمَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] عَلَى مَعْنَى أَنَّ هَذَا الذِّبْحَ تَقَدَّمَ عَلَى الْوَلَدِ فِي قَبُولِ الذَّبْحِ الْمُضَافِ إلَى الْوَلَدِ إذْ الْفِدَاءُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي قَبُولِ الْمَكْرُوهِ الْمُتَوَجَّهِ عَلَيْهِ يُقَالُ: فَدَيْتُك نَفْسِي أَيْ قَبِلْت مَا تَوَجَّهَ عَلَيْك مِنْ الْمَكْرُوهِ وَكَذَلِكَ مَنْ رَمَى سَهْمًا إلَى غَيْرِهِ فَتَقَدَّمَ عَلَى الْمُرْمَى إلَيْهِ آخَرُ وَقَبِلَ ذَلِكَ السَّهْمَ يُقَالُ فَدَاهُ بِنَفْسِهِ مَعَ بَقَاءِ خُرُوجِ السَّهْمِ مِنْ الرَّامِي إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي قَصَدَهُ وَلَمَّا سُمِّيَتْ الشَّاةُ فِدَاءً عُلِمَ أَنَّ الذَّبْحَ الْمُضَافَ إلَى الْوَلَدِ أُقِيمَ فِي الشَّاةِ وَصَارَتْ الشَّاةُ قَائِمَةً مَقَامَ الْوَلَدِ فِي قَبُولِ الذَّبْحِ مَعَ بَقَاءِ الْأَمْرِ مُضَافًا إلَى الْوَلَدِ فَيَصِيرُ مَحِلُّ إضَافَةِ السَّبَبِ الْوَلَدَ، وَمَحِلُّ قَبُولِ الْحُكْمِ الشَّاةَ وَلِهَذَا قَالَ عليه السلام «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» وَمَا ذُبِحَا حَقِيقَةً بَلْ فُدِيَا بِالْقُرْبَانِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقُرْبَانُ قَائِمًا مَقَامَ الْوَلَدِ صَارَ الْوَلَدُ بِذَبْحِهِ مَذْبُوحًا حُكْمًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ
وَكَانَ ذَلِكَ ابْتِلَاءً اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْأَمْرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه فِي آخِرِ الْحَالِ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَغَى مِنْهُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ أَنْ يَصِيرَ قُرْبَانًا بِنِسْبَةِ حُسْنِ الْحُكْمِ إلَيْهِ مُكْرَمًا بِالْفِدَاءِ الْحَاصِلِ لِمَعَرَّةِ الذَّبْحِ مُبْتَلًى بِالصَّبْرِ وَالْمُجَاهَدَةِ إلَى حَالِ الْمُكَاشَفَةِ وَإِنَّمَا النَّسْخُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمُرَادِ بِالْأَمْرِ لَا قَبْلَهُ، وَقَدْ سُمِّيَ فِدَاءً فِي الْكِتَابِ لَا نَسْخًا فَيَثْبُتُ أَنَّ النَّسْخَ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ــ
[كشف الأسرار]
بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ كَانَ هُوَ مُمْتَثِلًا لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْتَنِي عَلَى النَّهْيِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْأَمْرِ وَلَا تَصَوُّرَ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَمْ يَجْتَمِعَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ لِانْتِفَاءِ النَّهْيِ الْمُوجِبِ لِلْقُبْحِ النَّاسِخِ لِلْأَمْرِ بَلْ نَفَى الْأَمْرَ كَمَا كَانَ مُوجِبًا لِلْحُسْنِ إلَّا أَنَّ الْفِعْلَ انْتَقَلَ إلَى الشَّاةِ لِمَا قُلْنَا قَوْلُهُ.
(وَكَانَ ذَلِكَ ابْتِلَاءً) كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا الْحِكْمَةُ فِي إضَافَةِ إيجَابِ الذَّبْحِ إلَى الْوَلَدِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِعْلُ الذَّبْحِ فِيهِ فَقَالَ كَانَ ذَلِكَ ابْتِلَاءً فِي حَقِّ الْخَلِيلِ عليه السلام حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُ الِانْقِيَادُ وَالِاسْتِسْلَامُ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا بِهِ مِنْ حُرْقَةِ الْقَلْبِ عَلَى وَلَدِهِ وَفِي حَقِّ الْوَلَدِ بِالْمُجَاهَدَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَعَرَّةِ الذَّبْحِ إلَى حَالِ الْمُكَاشَفَةِ وَاسْتَقَرَّ حُكْمُ الْأَمْرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ عليه السلام فِي آخِرِ الْحَالِ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَغَى أَيْ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْأَمْرِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ أَنْ يَصِيرَ قُرْبَانًا بِهَذِهِ الْجِهَةِ وَهِيَ نِسْبَةُ الذَّبْحِ إلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ ذَبِيحُ اللَّهِ لَا أَنْ يَصِيرَ قُرْبَانًا بِحَقِيقَةِ الْقَتْلِ مُكْرَمًا خَبَرٌ آخَرُ لِيَصِيرَ أَيْ وَأَنْ يَصِيرَ مُكْرَمًا بِالْفِدَاءِ الْحَاصِلِ لِمَعَرَّةِ الذَّبْحِ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْحَاصِلِ وَضَمَّنَ الْحَاصِلَ مَعْنَى الدَّافِعِ أَيْ بِالْفِدَاءِ الَّذِي حَصَلَ دَافِعًا لِمَعَرَّةِ الذَّبْحِ أَيْ لِشِدَّتِهِ أَوْ بِالْفِدَاءِ الَّذِي حَصَلَ لِأَجْلِ دَفْعِ مَعَرَّتِهِ مُبْتَلًى خَبَرُ آخَرُ لَهُ أَيْضًا أَيْ وَأَنْ يَصِيرَ مُبْتَلًى بِالصَّبْرِ وَالْمُجَاهَدَةِ إلَى حَالَةِ الْمُكَاشَفَةِ وَهِيَ حَالَةُ الْفِدَاءِ فَإِنَّهُ صَبَرَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ وَقَدْ سُمِّيَ أَيْ ذَبْحُ الشَّاةِ فِدَاءً فِي الْكِتَابِ أَيْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] وَالْفِدَاءُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ وَاجِبًا بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْأَصْلِ فَثَبَتَ أَنَّ النَّسْخَ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ بَيَانًا لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ وُجُوبُ الذَّبْحِ بَاقٍ بَعْدَ صَيْرُورَةِ الشَّاةِ فِدَاءً وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَسْخًا لَمْ يَلْزَمْ اجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لِمَا ذَكَرْنَا.
(فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَبْحَ الشَّاةِ وَجَبَ بِحُكْمِ الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ الْمُضَافِ إلَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَفْهَمُ مِنْ الْأَمْرِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ ذَبْحَ الشَّاةِ بَلْ نُسِخَ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ مُضَافٍ إلَى الشَّاةِ وَانْتَهَى نِهَايَتَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ وَتُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالِاشْتِغَالِ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ وَهُوَ قَدْرُ مَا أَتَى بِهِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا ائْتَمَرَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُحَقِّقًا لِلرُّؤْيَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] وَهَذَا يُنْبِئُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِمُقَدِّمَةِ الذَّبْحِ لَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِحَقِيقَتِهِ إذْ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِحَقِيقَتِهِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي ذَبَحْتُك إلَّا أَنَّ الشَّاةَ سُمِّيَتْ فِدَاءً لِتَصَوُّرِهَا بِصُورَةِ الْفِدَاءِ وَهُوَ أَنَّ ذَبْحَهَا كَانَ عَقِيبَ الذَّبْحِ الْمُضَافِ إلَى الْوَلَدِ قُلْنَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ أَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَوْ جَعَلْنَا الشَّاةَ مَذْبُوحَةً بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ لَا يَكُونُ فِدَاءً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفِدَاءَ مَا يَقْبَلُ مَكْرُوهًا مُتَوَجِّهًا عَلَى غَيْرِهِ فَمَتَى أُقِيمَ حُكْمُ الْأَمْرِ فِي الْوَلَدِ وَحَصَلَ الِائْتِمَارُ لَا تَكُونُ الشَّاةُ قَابِلَةً مَكْرُوهًا مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ فَلَا تَكُونُ فِدَاءً وَلِأَنَّهُ إنَّمَا رَأَى فِي الْمَنَامِ ذَبْحَ الْوَلَدِ مُقَدِّمَةَ الذَّبْحِ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِمُقَدِّمَاتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ النَّصِّ وَنِسْبَةُ إبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ عليهما السلام إلَى أَنَّهُمَا اعْتَقَدَا وُجُوبَ مَا لَا يَحِلُّ وَهُوَ ذَبْحُ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَبَحْتُك؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ فِعْلٍ مَاضٍ