الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قد استند إلى مقدمات واهية في تحديده لربا الجاهلية؛ لقد حدده بزيادة طارئة لمدين محتاج للصدقة. ومعنى ذلك أن الزيادة الأصلية ليست محرمة لأنها ليست من ربا الجاهلية وهو بذلك يخرج قسما كبيرا من ربا الجاهلية أو ربا النسيئة من نطاق الحرمة، كذاك فإنه يقيده بما إذا كان المدين أقل غنى من الدائن وأنه تجوز عليه الصدقة وأي صورة لا تحقق ذلك لا تدخل في نطاق ربا الجاهلية وهكذا فهو لم يقصر الربا المحرم على ربا النسيئة حسب بل قصر الحرمة على بعض صور ربا النسيئة. وقد ثبت لنا كل ذلك غير صحيح، كما ثبت أيضا أن الإيداع المصرفي الذي هو باعتراف خبرائه من باب القرض هو صورة طبق الأصل من صور ربا الجاهلية وقد أجمع العلماء بكافتهم على حرمة الزيادة المشترطة على الدين أو القرض بغض النظر عن كون القرض لغرض إنتاجي أو استهلاكي وعن كون المدين أكثر غنى أو أقل غنى من الدائن.
وفي النهاية يهمني أن أؤكد أنني ما قصدت بذلك تعريضا أو سوء ظن بالكاتب أو بغيره بل كل القصد أن أسهم بما لدى من معرفة ضئيلة في هذا الموضوع عسى أن يكون فيها ولو بعض الصواب فينتفع بها الناس في دنياهم وأخراهم.
وإنني أهيب بالأخ الكريم أن يتقي الله تعالى فينا وفي عمله ووظيفته وبدلا من هذا الجهد الذي أقل ما يمكن أن يوصف بأنه جهد ضائع. ومضيع لمجهود الغير بدلا من ذلك نهيب به أن يبذل جهدا فعالا ومؤثرا في إبراز مساوئ الفائدة بأسلوب تحليلي ثم في تطوير الأسلوب البديل الذي يحقق أعلى فعالية اقتصادية في إطار من الشريعة الإسلامية. والله تعالى نسأل أن يهدينا جميعا سواء السبيل.
شوقي أحمد دنيا
من أفذاذنا العلماء الشيخ محمد بن إبراهيم
صفحة فارغة
للشيخ / عبد الله بن سليمان المنيع
لا شك أن لمعرفة التاريخ ورجال التاريخ فوائد وثمار لا يدركها تمام الإدراك إلا من عرف كيف يبتدئ مما انتهى إليه الناس ليأخذ من التجارب ومن العبر والعظات أنفع درس وأعلى تربية وحينما نروم في هذا البحث الحديث عن فذ من أفذاذنا ورجل من رجال العلم والتقى والصلاح ورحابة الأفق ذلكم هو شيخ الجيل الحاضر من العلماء وباعث النهضة العلمية في علوم الشريعة وعلوم اللغة وعلوم الاجتماع مجدد القرن الرابع عشر الهجري سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله رحمة واسعة وغفر له مغفرة تنتهي به إلى جنات عدن أعلى عليين، حينما نروم الحديث عن حياة سماحته وجوانب كفاحه في سبيل المساهمة في إرساء قواعد الشريعة الإسلامية ونشر علومها وتكثيف أهلها من عالمين ومتعلمين فإنما نحاول إعطاء هذا البحر من العلوم وهذا الجبل في الثبات وهذا المجاهد الصابر في سبيل مصلحة هذه البلاد ما يعتبر جزء من الاعتراف بفضله ومساعيه المشكورة في كل أعماله العلمية والقضائية والتعليمية والإصلاحات الاجتماعية وأن نذكر سيرته لنشئ جديد يتفيأ الآن ظلال أعماله ومساعيه ولنذكر أبناءه وأحفاده وتلاميذه بسيرته العطرة لعل في هذا التذكير ما يحفز الهمم إلى اقتفاء أثره في العلم والعمل.
فمن هو الشيخ محمد بن إبراهيم:
هو سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن المصلح المجدد والمجاهد في الله حق جهاده الشيخ الجليل محمد بن عبد الوهاب ينتهي نسبه إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
فهو عالم من عالم من عالم وفقيه من فقيه من فقيه وزعيم من زعيم من زعيم توارث آباؤه وأجداده الصدارة في العلم والوجاهة والقيادة والاعتبار فأبوه الشيخ إبراهيم قاضي منطقة الرياض له مكانته الاجتماعية في أهلها وعند حكامها وجده الشيخ عبد اللطيف يقصر البيان عن وصفه علما وجهادا ومرجعا وجده الشيخ عبد الرحمن لا يستطيع قلم من لم يعاصره أن يعطيه حقه في سعة العلم ورجاحة العقل ورفعة المكانة أما أخواله وأجداده من جهة الأم فهم أسرة الهلالات من أرقى بيوت عرقة وجاهة ومكانة واعتبارا.
وأستميح سماحة أخي وصديقي الزميل الكريم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام لأقتبس من ترجمته لشيخنا محمد ما يتعلق بنشأته العلمية وتعلمه وتعليمه ومشائخه وطلابه مع إضافة ما أراه تكميلا أو تصحيحا بصفتي عملت مع سماحته رحمه الله قرابة اثنتي عشرة سنة في دار الإفتاء بالرياض.
ولد في مدينة الرياض في اليوم السابع عشر من شهر محرم سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة. وكان مولده في بيت علم وفضل وزعامة دينية فنشأ على عادة أهله وآبائه محبا للعلم طموحا إلى الفضل وكان والده العلامة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف يومئذ هو قاضي مدينة الرياض.
فهو من أكابر علماء نجد ومشاهيرهم فاحتذى الابن سنة أبيه فمن حين بلغ السابعة من عمره شرع يتعلم القرآن الكريم في كتاب للمقرئ عبد الرحمن بن مفيريج فأتم قراءته وإجادته ثم شرع في حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب فما بلغ الحادية عشرة حتى أتمه حفظا.
ثم شرع في طلب العلم فأخذ في القراءة على أبيه وعلى عمه علامة نجد في زمنه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وقراءته الأولى في التوحيد وأصول العقيدة قراءة حفظ وتفهم ثم قرأ مختصرات كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبمختصرات كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم كالواسطية والحموية وكذلك عني بمختصرات النحو والفرائض كالأجرومية والرحبية.
وكف بصره وهو في الرابعة عشرة من عمره (1) فصبر واحتسب ولم يثن عزمه وتصميمه في طلب العلم فقد زاد هيامه في تحصيله وقضى أيام حياته في إدراكه فشرع في القراءة على علماء الرياض زيادة على القراءة على عمه وأبيه فشرع في قراءة التفسير والحديث وأصولهما على الشيخ سعد بن عتيق وفي النحو وعلوم العربية على الشيخ حمد بن فارس وفي المطولات من كتب الفرائض على الشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود فأدرك في كل هذه العلوم إدراكا جيدا -وذكر لنا رحمه الله أن من مشايخه الشيخ عبد الله بن عمار -.
وتوفى والده عام 1329 هـ فصار لإخوته الصغار كالأب في الحنو والشفقة وجعل من أخيه الشيخ عبد اللطيف مرافقا له في الذهاب والإياب ومعينا له في تحضير المسائل وإعداد الدروس فاستفاد كل منهما من أخيه، ولم يزل على حاله في الاشتغال بالعلم وصرف جميع أوقاته
(1) الصحيح أن بصره كف وهو في السابعة عشرة من عمره حيث حدثنا سماحته عن نفسه بذلك.
في تحصيله حتى أدرك في زمن قصير ما لم يدركه الكبار في الزمن الطويل وصار عين تلاميذ عمه العلامة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف.
ولما مرض عمه وثقل عليه المرض دل جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على ابن أخيه المترجم له وأشار له إلى علمه وعقله وبعد نظره وحسن إدراكه فلما توفى الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف كان المترجم له قد بلغ أشده وارتقت مداركه واتسعت معلوماته وعلا ذكره وذاع صيته فخلف عمه في الزعامة الدينية والرياسة العلمية وتولى ما كان يقوم به عمه من التدريس والإفتاء وإمامة الجامع والخطابة والتصدر في مجالس العلم فالتف حوله الطلاب وشرعوا في القراءة عليه والاستفادة منه، كما أن جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله رأى فيه الكفاية والسداد ليكون مستشارا شرعيا له في تولية المضاء وإبداء الرأي في الأمور الشرعية، ولقد كان من أكبر المساهمين في دحض شبه غلاة البادية فرد شبههم وأبطل حججهم وبين طريق الحق والرشاد. ولقد قام بهذه الوظائف الدينية والعلمية أحسن قيام وأتمه لا سيما الدروس، فإنه شغل جل وقته في تعليمه وتلقينه لطلابه على اختلاف مراتبهم وتباعد درجاتهم. فكان يجلس في مسجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الذي هو في حي دخنة بعد صلاة الصبح لصغار الطلاب فيدرسون عليه مبادئ النحو في الأجرومية ثم يأتي بعده المتوسطون في العمر ثم يأتي بعدهم الكبار بالألفية وكل واحد من هذه الطوائف الثلاث يعطيه ما يناسبه من المسائل والبحث والدرس.
فإذا انتهت دروس النحو شرع في دروس الفقه فأخذ الطلاب يقرءون عليه -مختصر المقنع- عن ظهر قلب ثم يشرع في شرحه وبيان معانيه ثم يعيدون الدرس بعد شرحه بقراءة أحدهم واستماع الباقين وهو
يقاطع القارئ بشرح جمله وتعليل أحكامه وإلحاق فائدة لما هو عليه من سعة في الفقه وجودة استحضار وغزارة مادة فلا ينتهون من هذه القراءة لا وقد أشبع رغبات الطلاب بما أزاح من الإشكالات وأوضح من المعاني وصور من المسائل وزاد من الفوائد. وبعد انتهائهم من درس الفقه يشرعون في درس الحديث والكتاب المفضل لديه لتدريس أصحابه هو كتاب -بلوغ المرام- لمطابقته لكتب الأحكام وسيره معها فهو دليلها ومستند أحكامها ومستند تفريعها فيوضح ألفاظه ويبين أحكامه ويبرز فوائده.
وكل ما تقدم من دروس النحو ودروس الفقه ودروس الحديث في جلسة واحدة من جلساته والتلاميذ على حلقته الكبيرة ما بين وارد وصادر وهو في مجلسه كالنبع الصافي والمورد العذب الذي لا ينضب على كثرة الواردين وازدحام الناهلين. ثم يذهب إلى بيته فيلبث فيه بقدر ما يفرغ من حاجاته الضرورية ثم يعود إلى مجلسه في المسجد فيأتيه كبار الطلاب ويشرعون بالقراءة عليه بالكتب الكبار والمراجع الضخام ثم يعود إلى بيته ويستريح فيه حتى تحين صلاة الظهر، وبعد الفراغ من الصلاة يقام الدرس بحضور كبار التلاميذ وصغارهم بأحد الأمهات الست. وبعد الفراغ منها يقرأ عليه الطلاب في كتب العقيدة ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب غيرهما في عقائد السلف ويستمر الدرس حتى صلاة العصر وبعد الصلاة إلى قرب المغرب وهو في جلسة واحدة لاستقبال الطلاب فوجا بعد الآخر وهم ما بين كتب التوحيد أو الحديث أو الفقه أو النحو وبعد صلاة المغرب يخصص وقته لعلم الفرائض، فإذا قرب العشاء شرع في درس عام فقرأ عليه قارئ تفسير ابن كثير وهو يعلق على التفسير والآيات
الكريمات بما يرى الحاجة تدعو إلى ذكره وإلحاقه حتى الساعة الثانية والنصف ليلا بالتوقيت الغروبي. وهكذا قد فرغ كل أوقاته وصرف جميع حالاته في خدمة العلم وتحصيله ونشره.
ومن هذا الإقبال العظيم على العلم والانصراف إلى مراجعته وتدريس وسماع هذه الكتب النافعة والأسفار المفيدة تدرك السر في سعة علمه وكثرة تحصيله ومدى اطلاعه فإنه لبث على هذه الحال منذ توفى عمه عام 1339 حتى عام 1382 هـ حينما أسندت إليه كبار الأعمال وتعددت مسؤولياته وكثرت مشاغله. كما أن هذه الهمة الكبيرة في العلم والرغبة الملحة في نشره وتعليمه صار لها أثر كبير في حياته فقد نبغ على يديه كبار العلماء وتخرجت عليه أفواج لا تحصى من طلاب العلم. والذين نعرفهم من تلاميذه الكبار النابهين هم:
أ- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة (1).
2 -
الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيس الإشراف الديني بالمسجد الحرام (2).
3 -
الشيخ عبد الرحمن بن قاسم صاحب المؤلفات وجامع فتاوى"شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
4 -
الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي الداعية الإسلامية في جنوب المملكة العربية السعودية. رحمه الله.
5 -
الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد رئيس هيئة التميز (3).
(1) ثم الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة الإرشاد أمد الله في عمره.
(2)
ثم رئيس المجلس الأعلى للقضاء إلى أن توفي رحمه الله.
(3)
بالرياض سابقا
6 -
الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رئيس المعاهد والكليات. رحمه الله.
7 -
الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف بالحجاز وهما أخوان. رحمهما الله.
8 -
الشيخ عبد العزيز بن محمد آل الشيخ رئيس المعاهد والكليات بعد عمه (1).
9 -
الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ رئيس الدعوة والإرشاد والإفتاء والبحوث (2) وهما ابناه.
10 -
الشيخ سليمان بن عبيد رئيس المحكمة الكبرى بمكة المكرمة (3).
11 -
الشيخ عبد الله بن دهيش رئيس المحكمة الكبرى بمكة سابقا. رحمه الله.
12 -
الشيخ عبد الله بن سليمان المسعري رئيس ديوان المظالم (4).
13 -
الشيخ محمد بن هليل عضو ديوان المظالم (5).
14 -
الشيخ حمد الجاسر صاحب المؤلفات ومؤسس دار اليمامة للطباعة والنشر.
15 -
الشيخ عبد الله بن يوسف بن وابل قاضي محكمة أبها سابقا رحمه الله.
16 -
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ وزير المعارف سابقا.
(1) ثم الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمملكة.
(2)
ثم وزير العدل
(3)
ثم الرئيس العام للحرمين الشريفين.
(4)
سابقا.
(5)
سابقا رحمه الله.
17 -
الشيخ حمد بن محمد بن فريان وكيل وزارة العدل.
18 -
الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن فريان الواعظ المشهور (1).
19 -
الشيخ راشد بن صالح بن خنين. المستشار بالديوان الملكي.
20 -
الشيخ زيد بن فياض. المدرس بكلية أصول الدين.
21 -
الشيخ سعود بن رشود رئيس محكمة الرياض سابقا رحمه الله.
22 -
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ رحمه الله.
23 -
الشيخ عبد الرحمن بن فارس. القاضي بمحكمة التمييز بالرياض وممن درس على سماحته في حلقات الدرس:
وأضيف إلى من ذكرهم الشيخ عبد الله من يلي:
أ- الأمير مساعد بن عبد الرحمن. رحمه الله.
2 -
الشيخ محمد البواردي. رحمه الله.
3 -
عبد الله بن محمد أبو بطين. رحمه الله.
4 -
عبد العزيز أبو عباة. رحمه الله.
وممن تتلمذ على سماحته في ميدان العمل:
1 -
الشيخ عبد الله بن عقيل.
2 -
الشيخ محمد بن عوده (2).
3 -
الشيخ عمر المترك. رحمه الله.
4 -
الشيخ عبد الملك بن عمر (3).
5 -
الشيخ عبد الله بن غديان (4).
6 -
الشيخ صالح بن لحيدان (5).
(1) ورئيس جماعة تحفيظ القرآن الكريم بالرياض.
(2)
الرئيس العام لتعليم البنات.
(3)
عضو إفتاء.
(4)
عضو إفتاء.
(5)
رئيس المجلس الأعلى للقضاء.
7 -
كاتب هذه الترجمة عبد الله بن سليمان بن منيع - ولي إجازة وشهادة من سماحته أورد نصها فيما يلي:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد فبناءا على رغبة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع في مواصلة دراسته في أحد المعاهد العالية للتخصص في الفقه الإسلامي وحيث إن شهادته الجامعية من كلية اللغة العربية ويخشى ألا تكون كافية لتبرير التحاقه بما يرغبه في أحد المعاهد العالية، وحيث إن اختيارنا قد وقع عليه ضمن من اخترنا لعضوية دار الإفتاء وقد كان التحاقه حتى بها عضوا في مستهل عام 1378 هـ وقد كان منذ تعيينه عضوا في الإفتاء حتى الآن وهو يقوم بتحضير البحوث الشرعية في العقائد والعبادات والمعاملات والجنايات والأقارير وغيرها "ويعد بها الفتاوى اللازمة تحت إشرافنا وتوجيهنا وقد اكتسب بحكم عمله هذا تحصيلا علميا في القضايا الشرعية يفوق ما يتحصل عليه حاملو الشهادات العالية من كلية الشريعة وفضلا عن هذا فإن في منهاجي كليتي الشريعة واللغة العربية تقاربا يعطي حملة شهادة كلية اللغة العربية التحصيل الشرعي المقارب لما يتحصل عليه حملة شهادة كلية الشريعة " لهذا كان منا تعيين بعض المبرزين من كلية اللغة العربية في مناصب قضائية " وبناءا على ما ذكر واستجابة لرغبة الشيخ المذكور إعطاءه شهادة منا بأن تحصيله الشرعي الآن في الفقه الإسلامي وأصوله يفوق ما يتحصل عليه حملة شهادة كلية الشريعة ولتكون هذه الشهادة مسوغا له في دخول ما يختاره من المعاهد العالية " فقد جرى منا تحرير هذه الشهادة قال ذلك وأملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف مفتى الديار السعودية ورئيس قضاتها. وصلى الله على محمد واله وصحبه وسلم.
1/ 6 / 1384
الختم
محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف
وغير هؤلاء كثير ممن لا أستطيع الحصول على أسمائهم لأن المذكور هو شيخ الوقت ومرجع العلماء ومقصد الطلاب فقد تجشموا الأسفار الطويلة للأخذ عنه والاستفادة- اهـ منه.
أعماله: بعد وفاة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله عام 1339 هـ انتقلت الزعامة الدينية إلى سماحة شيخنا الشيخ محمد رحمه الله إلا أن عمله الرسمي حتى اكتمال توحيد المملكة العربية السعودية لم يتجاوز الاستشارة فيمن يصلح قاضيا أو إماما في جامع لحاضرة أو بادية مع تقديم الفتوى فيما يرغب الملك عبد العزيز رحمه الله في الاستفتاء فيه أو الاستشارة فيه مما له علاقة بالشؤون الدينية فانصرف رحمه الله إلى التعليم والتدريس شاغلا كل أوقاته بذلك ثم توسعت دائرة استشارته رحمه الله من الملك عبد العزيز حتى وكل إليه أمر اختبار القضاة وتكليفهم بالقضاء وتولى أمور تنقلاتهم وشؤون أعمالهم وذلك فيما يتعلق بالقضاء في المنطقتين المنطقة الوسطى والمنطقة الشرقية وقد كان رحمه الله يتبادل مع الملك عبد العزيز رحمه الله الشعور بضرورة العمل على إيجاد معهد علمي يتخرج فيه من يختار للقضاء نظرا لتطور الوسائل التعليمية بعد انتشار المدارس الابتدائية والثانوية ونشأة أول كلية علمية للشريعة في مكة المكرمة. ثم انتهى تبادل الرأي وتداوله بين الملك عبد العزيز وسماحة شيخنا إلى الأمر بافتتاح معهد علمي في الرياض يختار للدراسة فيه مجموعة من طلاب العلم ومنهم طلاب شيخنا في جامعه في دخنة ويختار للتدريس فيه مجموعة من كبار العلماء داخل المملكة وخارجها ووكل أمر رئاسة هذا المعهد إلى سماحته ثم توسعت الدائرة العلمية فافتتحت مجموعة من المعاهد الفرعية لهذا العهد في مجموعة من مدن المملكة ثم افتتحت كلية الشريعة ثم تلتها كلية اللغة العربية وصار
رحمه الله يولي هذا النوع من التعليم من جهده ونشاطه الشيء الكثير، مما جعل هذه المؤسسة العلمية من أنفع المؤسسات العلمية للدولة فلقد أمنت لها القضاة والمدرسين والإداريين والمستشارين والعلماء المبرزين في ميادين العلوم الشرعية حيث انتشرت التحقيقات والمؤلفات العلمية ورأى رحمه الله بثاقب بصره أن القضاء في حاجة إلى المزيد من التركيز والتأهيل فاستصدر أمر ولي الأمر بافتتاح معهد عال للقضاء لتخريج القضاة فافتتح وآتى أكله. ثم رأى رحمه الله أن التوعية الإسلامية وتبصير الناس أمور دينهم ودنياهم ليس محصورا في المؤسسات التعليمية ولا في الدراسات التقليدية وإنما للصحافة سهم وافر في الإسهام في ذلك فاستصدر رحمه الله أمرا من ولي الأمر بإيجاد مؤسسة صحفية إسلامية تصدر عنها مجلة أسبوعية تأخذ دورها في التوجيه والبيان والإيضاح والرد على ما فيه مخالفة لمقتضيات شرعية في الاعتقاد والعمل على تأسيس هذه المؤسسة وأسند مجلس إدارتها إلى مجموعة من أهل العلم والصلاح والوجاهة فصدر عن هذه المؤسسة مجلة باسم الدعوة ولا تزال هذه المؤسسة تزاول عملها بإصدار مجلة الدعوة كل أسبوع وقد تلاشى أمل الكثير ممن كانوا يعقدون عليها أهمية كبرى في تضلعها برسالتها التي كان يريدها لها سماحة منشئها حيث مضى عليها أكثر من عشرين عاما ونتائجها محدودة وأعمالها تقصر دون الأمل منها. وغني عن البيان القول أن المعهد العلمي الذي قام بتأسيسه سماحة شيخنا وتطور في عهده تطورا تفرع عنه العديد من المعاهد العلمية وصار تمهيدا لتأسيس كليات علمية تستمد قوتها من هذه المعاهد غني عن البيان أن هذه المؤسسة العلمية قد تحولت الآن إلى جامعة قوية ذات كيان ذائع الصيت في المحافل العلمية العالمية هي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
على أن هذا لا يعني اقتصار سماحته رحمه الله على هذا الصنف من الرئاسة العلمية فقد أسند لسماحته رحمه الله الإشراف العام على الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة والإشراف العام على تعليم البنات في عموم المملكة فكان لتوجيهاته وترتيباته الأثر الجلي في تمكن هذا النوع من التعليم لا سيما ما يتعلق بتعليم البنات فقد استطاع رحمه الله أن يتوصل إلى طريقة فريدة رائدة في مجال تعليم النساء تعليما لا يترتب عليه اختلاط لا في الهيئة التعليمية نفسها ولا بين الهيئة التعليمية والقيادة العامة للتعليم.
وفي المجال القضائي فقد أسند أمر القضاء إداريا في المنطقتين الوسطى والشرقية إلى سماحته وفي آخر العقد السابع للقرن الرابع عشر الهجري وبعد وفاة الشيخ عبد الله بن حسن رحمه الله توحدت الإدارة القضائية في المملكة تحت رئاسة سماحته.
وفي العام الخامس والسبعين بعد الثلاثمائة والألف تأسست دار الإفتاء في الرياض وأسندت رئاستها لسماحته فصار رحمه الله بذلك رئيس القضاة ومفتى الديار السعودية فرتب رئاسة القضاة ترتيبا إداريا استطاعت به الهيمنة على شؤون القضاة تعيينا ونقلا وإعفاء وغير ذلك من المستلزمات المالية لاستمرارية العطاء القضائي. وعين مجلسا للقضاء برئاسة سماحته شغله مجموعة من العلماء هم أصحاب المعالي محمد بن عودة وراشد بن خنين وعمر بن مترك رحمه الله ورتب الإفتاء ترتيبا إداريا استطاعت به أن تقوم بالشؤون الموكولة إليها من حيث الإفتاء ومراقبة المطبوعات وتعيين الأئمة والمؤذنين. وعين مجلسا. للإفتاء شغله مجموعة من المشائخ هم عبد الله بن عقيل وعبد الله بن منيع، وعبد الملك بن عمر، وعبد الله بن غديان. واستصدر أمرا بتأسيس مكتبة عامة تم تأسيسها تحت اسم المكتبة السعودية وربطت إداريا وماليا بدار الإفتاء
استمرت على فتح أبوابها لطلبة العلم صباحا ومساء. وأسند إلى سماحته أمر إعادة النظر في القضايا المنتهية بأحكام من القضاة جرى تمييز محكمة التمييز في مكة المكرمة أو محكمة التمييز في الرياض أو جرى خلاف بين القضاة أنفسهم والتمييز. فأمر بتخصيص رئاسة القضاة بالقضايا المختصة بمنطقتي الوسطى والشرقية وبتخصيص الإفتاء بالقضايا المختصة بالمنطقة الغربية فكان عمله رحمه الله في هذه القضايا في عموم عمل محكمة تمييز عليا تشبه الآن عمل المجلس الأعلى للقضاء بهيئته واستمر الوضع على هذا المنوال حتى انتقل إلى رحمة الله فتشكلت هيئة علمية قضائية تقوم بالنظر فيما كان سماحته يقوم به، وكاتب هذه أحد أعضائها. ثم بعد تأسيس وزارة العدل تحولت الهيئة العلمية هيئة قضائية عليا تزاول الأعمال القضائية العليا التي كان سماحة مختصا بنظرها.
عمله اليومي: تقدم أنه كان رحمه الله شاغلا كل وقته بالتدريس في جامعه وفي بيته وبعد أن تراكمت على سماحته الأعمال الإدارية من علمية وفتوى وإشراف عام على الشؤون الدينية حالت تلك الأعمال عما كان يقوم به من التعليم فتفرغ لها تفرغا كاملا وبصفتي أحد المقربين لدى سماحته في العمل معه في الإفتاء فلدي خبرة تامة بعمله اليومي:
يقوم من نومه قبل الفجر بما شاء الله ثم يصلي تهجدا ما شاء الله له ذلك يتلو في تهجده ما يتيسر له من كتاب الله تعالى حتى يؤتى ثم يصلي الفجر إماما في مسجده القريب من بيته في دخنة ثم "صلاة الفجر في بيته لمن يأخذ منه موعدا من أعضاء الإفتاء وأعضاء الرئاسة لعرض ما لديه من قضايا وأخذ توجهه نحوها ويستمر ذلك معه
حتى الساعة الواحدة صباحا بالتوقيت الغروبى ثم يأتي دور مدير مكتبه الخاص ليعرض عليه من الأمور السرية ما يتيسر له عرضه. وبمناسبة الحديث عن مكتب سماحته الخاص فهو شبيه بمركز القيادة العامة التي تصدر عيها كل التوجيهات لقطاعات أعمال سماحته في المجالات العلمية والقضائية والشؤون الدينية والإفتاء وغير ذلك من الأمور السرية المختصة بأجناس المجتمع.
بعد انتهاء دور مدير مكتبه الخاص يغادر مكتبه إلى داخل بيته ليستريح قليلا ويتناول فطوره ثم يذهب إلى الإفتاء إن كان هذا اليوم من أيامها أو يذهب إلى رئاسة القضاة إن كان من أيامها حيث قسم سماحته أيام الأسبوع بين الإفتاء ورئاسة القضاة لكل واحدة منهما ثلاثة أيام في الأسبوع متغايرة يوم في الإفتاء ويوم في الرئاسة وبعد صلاة الظهر يجلس مجلسا خاصا لمن أخذ منه موعدا من القضاة لعرض ما لديه من إشكال في عمله من حيث مكانه في العمل أو ما يعترضه من إشكال قضائي فيما ينظره في قضائه أو من حيث رغبته في الانتقال أو التقاعد أو غير ذلك مما يلجأ إليه بعد الله في حل إشكاله. وقد يشترك في هذا المجلس عندي سماحته غير القضاة أشخاص من أسر ذات مكانة خاصة لا تريد الإسهام في حل مشاكلها والإشراف عليها من غير سماحته. يمكث في مجلسه هذا ما بين الساعة والساعتين تبعا لعدد من يتفق معهم على هذا الموعد ثم يتغدى ويستريح قليلا وبعد أدائه صلاة العصر يكون قد أعطى موعدا لواحد من أعضاء الإفتاء أو الرئاسة لعرض ما لديه من معاملات قضائية للنظر فيما صدر فيها من أحكام قضائية من المحاكم ثم من التمييز مما يرغب المقام السامي من سماحته التأكد من صحة الإجراءات القضائية التي صدرت بخصوصها فيستمر معه ذلك العضو حتى قبيل آذان المغرب.
يكون ذلك في بيت سماحته وقد يكون في مزرعة سماحته في عرقة. ولسماحته بعد صلاة المغرب مجلس عام يحضره كل من يريد السلام على سماحته أو الاتفاق معه على موعد خاص لعرض مشكلته لديه. لهذا المجلس من العموم ما له من حيث أجناس الناس وأصناف الأحاديث حديث في الأخبار العامة، حديث في الأحوال الجوية، حديث عن مسألة فقهية يجري طرحها للاسترشاد من سماحته عن حكمها حديث عن أحوال المجتمع من حيث التعليم أو الصحة أو المرافق العامة أو القبائل العربية وتسلسل أنسابها يستمر هذا المجلس العام حتى آذان العشاء ثم يذهب إلى المسجد ليستمع إلى قراءة تفسير ابن جرير تنتهي في الغالب بتعليق من سماحته على الدرس ثم تقام الصلاة. وبعد صلاة العشاء يختصر سماحته مع مدير مكتبه الخاص لعرض ما لديه من أعمال سرية وعامة يجري بعدها التوجيه من سماحته ببعثها لجهات اختصاصها من المؤسسات التابعة لسماحته ثم بعد ذلك يأتي موعد أحد أعضاء الرئاسة أو الإفتاء مع سماحته لعرض ما لديه من معاملات قضائية يجري التوجيه عليها بما يراه سماحته بواسطة ذلك العضو وذلك لختمها تمهيدا لبعثها للجهة التي جاءت منها ثم ينهض سماحته إلى داخل البيت لتناول ما يتيسر له من عشاء ثم ينام وهكذا يسير برنامجه مغايرا وبهذا يتضح أن سماحته رحمه الله كان يقضي ما لا يقل عن سبع عشرة ساعة كلها في خدمة المسلمين وبصفة دائمة ومستمرة لا تقطعها إجازة ولا يحول دون القيام بها أي تعلل من تعللات الآخرين فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له من الثواب والجزاء ما يؤهله لأعلى عليين.
ومادام الحديث عن عمله وأعماله فقد يكون من لم شعث الحديث عن أعمال سماحته اختصار اختصاصاته فيما قبل عشر سنين من وفاته رحمه الله فيما يلي:
1 -
رئيس القضاة في المملكة العربية السعودية.
2 -
مفتي الديار السعودية.
3 -
المشرف العام على الشئون الدينية فيما يتعلق بمراقبة المطبوعات وتعيين الأئمة والمؤذنين والإذن بإقامة الجمع في عموم البلاد.
4 -
الرئيس العام للمعاهد العلمية والكليات.
5 -
المشرف العام لتعليم البنات.
6 -
المشرف العام على التعليم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
7 -
الرئيس العام لرابطة العالم الإسلامي.
8 -
المستشار الخاص لجلالة الملك فيما يتعلق بالشئون الداخلية وشئون الأسرة.
9 -
الإمام الأول للجامع الكبير في الرياض والإمام الراتب لجامعه في دخنة.
10 -
المرجع النهائي للقضاء أي أن سماحته في مقام المجلس الأعلى للقضاء بهيئته الدائمة والعامة.
هذه أهم أعمال سماحته الرسمية.
أخلاقه: كان رحمه الله راجح العقل واسع الأفق بعيد النظر كثير التأني في إعطاء قراره فيما يتطلبه الأمر منه. شجاعا في إبداء رأيه يقلب الأمر قبل قراره على أكثر من وجه، فإذا قرر مضى في قراره دون تردد أو تراجع يصدق عليه قول الشاعر:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمة
…
. . . . . . . . . . . . . . . . .
مهيبا هيبة لم يكن أصلها غطرسة أو تجبر وإنما هي مستمدة من الشعور العام عن سماحته بالقوة في جانب الحق مهما كانت الجهة التي لديها الحق، الضعيف عنده قوى حتى يأخذ له الحق والقوي ضعيف حتى يأخذ منه الحق لغيره. سمح النفس كثير التبسط مع تلاميذه وموظفيه المباشرين للعمل مع سماحته حاد الذكاء عميق الفهم كثير التروي والتأمل فيما يعرض عليه من أمر سواء كان ذلك استفتاء عن حكم شرعي أم استرشادا عن واقعة قضائية فضلا عن صلاحه وتقاه وقوة إيمانه بربه فبالرغم من انشغاله غالب وقته بأعمال المسلمين فهو تلاء لكتاب الله، دائم التهجد آخر الليل، إمام لمسجده الجامع في حي دخنة لم يعرف عنه أن تخلف في إمامته عن صلاة مكتوبة إلا إذا كان مسافرا أو مريضا. مكثت في العمل مع سماحته في الإفتاء ثلاثة عشر عاما كنت خلالها أشعر بأبوته الحانية وأفخر برئاسته الغالية وأعتبر عملي مع سماحته فترة دراسية مع أغلى شيخ أعتز بانتمائي إلى تلاميذه، فلقد درست عليه دراسة ميدانية عملية في أبواب العبادات والمعاملات والجنايات ومسائل القضاء والأقارير تشرفت فيها بالتحرير لسماحته فيما يصدر عنه من فتاوى وقرارات قضائية وكان لي مع سماحته رحمه الله جملة ذكريات أذكر منها ما يلي: أ- حينما نجتمع بسماحته في مكتبه في الإفتاء تعرض عليه بالتتابع ما لدى كل واحد منا من معاملات ثم التحرير عليها وكان يبدي ملاحظته إما من حيث الصياغة واللغة أو من حيث المعنى أو من حيث العدول عما تم التوجيه من سماحته بالتحرير عليها وكان رحمه الله يستشعر التضايق نسبيا من إعادة النظر في التحرير لتلافي
ما يراه نقصا في المعنى أو المبنى فيقول يا عيالي: ألف قلبه ولا غلبه
ب- تعرض له الرغبة لاستذكار حكم شرعي لمسألة ما من مسائل العبادات أو المعاملات وقد تكون هذه المسألة، من المسائل البديهية الواضحة للأكثر فيطلب رحمه الله أكثر من كتاب يتحدث عن هذه المسألة فتقرأ عليه ثم يقول الآن تطيب النفس في القول فيها.
وقد سألته رحمه الله عن أن مثل هذه المسائل واضحة لا يحتاج الأمر إلى استذكارها من الكتاب فقال: يا عبد الله الأعمال شغلتنا عن بضاعتنا فلا بد لنا من فرص نرجع فيها إلى كلام أهل العلم استذكارا أو استزادة في العلم والفهم. أو استبيانا لما قد يخفى علينا. وليس علينا نقص في ذلك.
جـ- لقد ذكرت عن أخلاق سماحته أنه كان ذا عناية بالتأصيل والتقيد حتى في الأمور البسيطة. نقرأ على سماحته ما جرى تبييضه على الآلة الكاتبة مما جرى تحريره على معاملة ما فنجد كلمة جرى تكرار كتابتها فنسأله عما نشطب عليه من اللفظ المكرر مرتين فيقول اشطبوا الثانية فهي الزائدة ثم يقول: يا عيالي - هذه من الأمور السهلة إلا أن أخذ المرء نفسه على التأصيل والتقيد في التصرف في الأمور السهلة يعطيه القدرة على الأخذ بذلك في الأمور المهمة.
د- لقد ذكرت عن سماحته أنه ينظر إلينا نظرته إلى أولاده يكن لنا من المحبة والتقدير والعطف والشفقة الشيء الكثير أذكر مثالا لذلك. قمت بتأليف رسالة في نقل كلام أهل العلم عن حكم ذبح هدي التمتع والقرآن قبل يوم النحر وقام بالاعتراض عليها
مجموعة من إخواني طلبة العلم حتى أنهم أكثروا اللوم على سماحته ببقائي في الإفتاء لدى سماحته ولامني رحمه الله لا على القول بما ذكره أهل العلم في هذه المسألة فهو قول قوي قال به مجموعة كبيرة من أهل العلم وهو مذهب الشافعي ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله وإنما للخروج على ما عرفه الناس وجرى العمل عشرات السنين ودفعوا به رحمه الله إلى أن يصدر فتوى يفند بطلان هذا القول، فأصدر فتوى بذلك لم يتعرض رحمه الله لشخصي بقليل ولا بكثير وحينما أحسست بما أكثر عليه به إخواني سامحهم الله بخصوصي تقدمت لسماحته وعن طريق فضيلة الشيخ صالح بن لحيدان بصفته سكرتيرا للإفتاء ومستشارا لسماحته بطلب الموافقة على انتقالي إلى أي جهة توافق على انتقالي إليها حماية لسماحته مما قد أظن سماحته واقعا فيه من إحراج عملي مع سماحته فاستدعاني رحمه الله في مجلس خاص وأبدى لي عدم ارتياحه لما صدر مني لا لخطئه وإنما لما فيه من التشويش وإتاحة الفرص للقيل والقال وبلبلة الأفكار.
وقال: يا ولدي لقد عرفت رغبتك في الانتقال وأن ذلك خشية أن يكون وجودك عندنا بدون رغبة منا وأنت تعرف أنك من أولادي والوالد يقسو على أولاده وقد يضطر لعقابهم بما يراه إلا أن ذلك لا يغير من الأبوة شيئا فأنت من أولادي غضبت عليك أو رضيت ولا تفكر في الانتقال عن عملنا مطلقا وتوكل على الله. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عني خاصة أفضل جزاء وأتمه.
هـ- لقد قلت في حديثي عن خلق سماحته أنه حاد الذكاء حدثنا سماحته
عن نفسه فقال كنت في آخر العام الثاني من ولادتي فدخلت والدتي غرفة نومها فرأيتها تبحث عن شيء فظننت أن ذلك الشيء الذي تبحث عنه مكحلتها فأشرت إليها أن المكحلة في طاق الغرفة ففرحت بإشارتي وضمتني ضمة لا أزال أتذكرها حتى يومي هذا.
ولقد قلت في حديثي عن خلق سماحته أنه ثابت الرأي قوي العزيمة يتخلق بهذا ويحب أن يراه في الآخرين، خرجت مع سماحته قبيل أذان الظهر في يوم من الأيام من الإفتاء إلى بيته ويدي في يده فقال لي من أي قبيلة يا عبد الله فقلت من الحراقيص إحدى قبائل بني زيد القبيلة القضاعية القحطانية فقال ونعم هكذا نعرف ولكن سمعنا من آبائنا ومشائخنا أن بني زيد أشراف وأن زيدا نزح من الحجاز إلى نجد واستقر بشقراء وتفرع عنه من ينتسبون إليه الآن فقلت له يا سماحة الشيخ نحن لسنا في شك من نسبنا والناس مؤتمنون على أنسابهم ولا يعرف هذه المقالة أحد من بني زيد وهم مجمعون ومطمئنون على أنهم قبيلة قحطانية من قضاعة فقال بارك الله فيك يا ولدي يا زين الصلابة والثبات الأمر كما ذكرت وما يتردد في الثبات على أمر إلا من كان على غير أساس.
ز- قلت عن سماحته أنه كان ذا إيمان قوي بما يتجه أو يوجه إليه وذا عزيمة صارمة قوية لما يصير عليه أذكر مثالا لصلابته في الرأي وثباته. قام فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله بجمع ما تيسر له جمعه من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية واستصدر سماحة الشيخ رحمه الله أمرا من الملك سعود رحمه الله على طباعته على نفقته الخاصة وبعد تمام طبعه وتوزيعه قلت لسماحته: لا شك أن الشيخ عبد الرحمن ثقة ثبت أمين فيما ينقله عن شيخ
الإسلام إلا أن توفر القناعة في أمانته وثقته وعدالته مقصورة على من يعرفونه ومن يعرفون من يعرفونه أما من يجهله وما أكثرهم في بلادنا وفي غير بلادنا من البلدان الإسلامية فقد يكون تردد في قبول النقل ما لم يعز إلى جهة الأخذ منه سواء كان ذلك من رسائل مشهورة أو من رسائل مخطوطة في مكتبة من المكتبات التي أخذ منها. ولم يعز رحمه الله شيئا من مجموعه فإذا ترون سماحتكم إصدار شهادة توثيق لسلامة ما نقله عن شيخ الإسلام منكم ومن الشيخين عبد الله بن حميد وعبد العزيز بن باز ليكون ذلك أدعى إلى القبول العام فلم يستصوب سماحته هذا الاقتراح ورده بقوله إن كان ما تريد نسختك فرجعها لنا والحمد لله بأن الأمر كما اطمأن إليه سماحته فلم يكن شيء مما كنت أتخوفه ولم يكن اقتراحي هذا مزعزعا عقيدته في هذا المجموع واعتباره من أنفس الأسفار.
ح- قلت عن سماحته بأنه يعاملنا معاملة الوالد مع أبنائه من حيث التبسط ورفع الاحتشام أذكر أنني أنا وأحمد بن قاسم مع سماحته بعد العصر في الطائف في منطقة الهدي لعرض ما لدي من معاملات على سماحته كالمتبع وفي رجوعنا وجه الكلام لأحمد بن قاسم فقال له يا أحمد أمك جاءت بولد ليس أخاك ولا أختك فمن هو فبهت أحمد من هذا وقال خلها في قبرها عفى الله عنك وبعد أن أتاح لنا فرصة التأمل قال هو أنت يا أحمد جاءت بك أمك فتنفس الصعداء وقال الحمد لله فرجت عني جزاك الله خيرا.
ط- كان رحمه الله يحب النكتة ويسترويها ويرويها فقد صار من بعض الزملاء أن اجتمع لديه اثنان من فراشي الإفتاء فذكرهما أن الصوم يصير في الصيف والشتاء وكذلك الحج وهكذا فإن السنة تستدير
فإذا اجتمع الصوم مع الحج في إحدى السنين فمن منكما سيصوم ويترك الحج ومن سيحج ويقضي الصوم فقال أحدهما سأحج وأترك الصوم لأيام أخر وقال الآخر سأصوم وأترك الحج فذكرا لسماحته فاستدعاهما وأعيد السؤال عليهما فاحتج الأول على تركه الصوم بقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (1) واحتج الثاني بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (2) فضحك رحمه الله وقال: لقد بنيت هذه الدار على علم ومن رواية النكتة ما ذكره لنا أنه أبلغ الشيخ عبد الله بن عجيان رحمه الله قرار نقله من نجران إلى طريف فقال له أسألك يا سماحة الشيخ هل أمرك الملك بأن تحدد بي المملكة في قضائي.
ى- كان رحمه الله إيجابيا في تصرفاته ويحب الإيجابية في تصرفات الآخرين ذكر له في مكتبه في الإفتاء بحضورنا نحن أعضاء الإفتاء أن فلانا القاضي في محكمة كذا يكثر خطؤه في أحكامه وكان رحمه الله يعرفه ويعرف إيجابياته في الأحكام وذكر له كذلك أن فلانا من القضاة في نفس المحكمة خطؤه قليل فسأل رحمه الله عن أعمال هذا وأعمال هذا وهو يعرف ذلك فقيل له أن ما ينهيه الأول من أعمال في المحكمة يعادل نصف أعمال المحكمة وما ينهيه الثاني من أعمال قليلة جدا فقال الأول عندنا أنفع للمسلمين وأصلح وأولى بالتقدير.
ك- كان رحمه الله جازما عازما إذا هم بأمر قضاؤه عند ولي الأمر كتب بخصوصه رغبته ومراده في خطاب طواه بجيبه ثم نادى سائق سيارته واتجه إلى قصر جلالة الملك أو مكتبه فلم يرجع إلا وقد أجيبت دعوته ولبيت رغبته وكان رحمه الله لا يطلب شيئا لنفسه
(1) سورة البقرة الآية 184
(2)
سورة البقرة الآية 185
وإنما طلباته خاصة بأعماله الرسمية.
ل- كان رحمه الله يحب الحديث بالرموز مع من يعرف معه ذلك أذكر مثالا لهذا فقد كنا في إحدى جلساتنا مع سماحته في مكتبه في الإفتاء وبعد مرور وقت من العمل انتابه شيء من النعاس فأراد فضيلة الشيخ عبد الله بن عقيل أن يساعده على طرد النعاس فأعطاه حلاوة علك مغلفة بغلافها الورقي فعلكها رحمه الله ثم بعد ذلك قال: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} (1){أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} (2) ففهمها فضيلة الشيخ عبد الله بن عقيل وناوله ورقة العلك المغلف بها سابقا فوضعها فيها وأعطاها الشيخ عبد الله فوضعها في الزبالة فغبطت الشيخ عبد الله على هذا الفهم من الشيخ.
(1) سورة المرسلات الآية 25
(2)
سورة المرسلات الآية 26
مكانته العلمية: لا شك أن سماحته رحمه الله ذو علم واسع وفقه دقيق يتحدث في التفسير فنشهد له أنه من علمائه الأفذاذ ويتحدث عن أصول الاعتقاد فلا نشك أنه من رجاله المبرزين أما الفقه فهو فقيه زمانه يشهد لما أقوله ما قام بجمعه عن سماحته فضيلة الشيخ محمد بن قاسم من ملفات الإفتاء ورئاسة القضاة والمكتب الخاص وتقريرات سماحته في دروسه المختلفة في جامعه وفي بيته العامر. كان رحمه الله يتمسك بالمذهب إلا أنه غير متعصب له وقد يخرج أحيانا عن مشهوره إلى صحيحه أو إلى إحدى الروايات عن الإمام أحمد وفي فتاواه رحمه الله ما يدل على ذلك. يرغب الإطلاع إلى حكم مسألة فلا يكتفي من ذلك بكتاب واحد بل لا بد له من مجموعة من الكتب التي تتحدث عن المسألة نفسها حتى إذا تم له قراءة ما أراد أملى رأيه في هذه المسألة بما يعتبر جمعا لأطراف القول فيها بعد تحريره محل الوفاق ومحل النزاع فيها فيختار فيها قولا يذكر مستند
المصير إليه ومسوغ القول به أذكر على سبيل المثال رأيه في التسعير وكلامه في تحريف أهل الكتاب التوراة والإنجيل وسلامة كتاب الله القرآن من ذلك حيث توليت ذلك مع سماحته.
وكان رحمه الله ذا علم معتبر في علوم التاريخ والأنساب والفلك وفي علوم اللغة العربية من نحو وصرف ومعان وبيان وبديع وكان ذا ذوق رفيع في إدراك غرر القصائد العربية والقدرة على تحليلها والغوص على دقائق معانيها، يقول الشعر بلا تكلف تحدث عن نفسه رحمه الله أمامنا فقال: لو أردت لما تحدثت إلا بالشعر إلا أنه يرى في الشعر ما رآه الشافعي فيه حيث يقول الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يزري
…
لكنت اليوم أشعر من لبيد
قناعته وعفافه:
يظن بعض الناس أن سماحته رحمه الله ذو ثراء يتفق مع مكانته الاجتماعية ومقامه الرفيع لدى ولاة الأمر ولا شك أن هذا الظن غير صحيح فلقد كان رحمه الله عفيفا قنوعا مترفعا عن أسباب الرضوخ والخضوع يصدق عليه قول الشاعر:
خلقت عيوفا لا أرى لابن حرة
…
علي يدا أغضي لها حين يغضب
ولهذا كان رحمه الله قويا حتى مع الولاة مهيبا حتى عند الولاة. أعرف عن سماحته رحمه الله أنه لا يتقاضى راتبا شهريا إلا من رئاسة القضاة منذ تأسيسها بالرغم من أن له عملا منتظما في الإفتاء وله إشراف مستمر على التعليم في المعاهد والكليات والجامعة الإسلامية وتعليم البنات وأنه لا يتقاضى لقاء عمله فيها شيئا لا لأنه لا يستحق فلكل عمل أجره ولكنه رحمه الله محتسب أجره عند الله مكتف بما يقوم بشؤون حياته من أجرة بعض عمله.
تعامله مع القضاة وطلبة العلم: الواقع أنه رحمه الله يعتبر أبا حنونا لطلبة العلم عامة وللقضاة خاصة فهو رحمه الله لا يفتر المطالبة بما يصلح أحوالهم ويسد حاجاتهم ويرفع شأنهم اجتماعيا وماديا كما ارتفع شأنهم علميا كما أنه رحمه الله يقف معهم ضد كل من يتناولهم بتجريح أو تهوين يتحدث دائما أمام العموم والخصوص بعلو مكانة القاضي وأنه العين البصيرة واليد الطويلة في دائرة اختصاصه القضائي ويكثر اللوم والتقريع على من يتناول أحدهم بسوء ولا يعنى هذا أنه رحمه الله يرى القضاة جنسا معصوما من الخطأ ولكنه رحمه الله لا يظهرهم أمام العموم إلا بمظهر الهيبة والتقدير والاحترام ويكون له مع القضاة مجالس خاصة حضرت بعضها يتناقش مع القاضي في أسباب الشكاية منه ويوجهه التوجيه الأبوي ويبصره بمهمة القاضي في البلاد من حيث الحرص على إنهاء الخصومات وإيصال الحقوق لأصحابها والترفع عن المصالح الشخصية من الأهالي والقضاء على أسباب الشغب والفتن في البلاد، فكان رحمه الله نعم الأب ونعم المربي ونعم الموجه ونعم الرئيس وكان لتوجيهاته في نفوس أبنائه القضاة الموقع الحسن من حيث السمع والطاعة والقبول.
لقد سمعت أحدهم يقول لسماحته بعد إبلاغه قرار نقله إلى مكان أبدى عدم رغبته في قبوله فأصر الشيخ على ضرورة قبوله ذلك قال والله يا شيخ لو عزمت علي بالقضاء في مكان وعينته وهو من أكثر الأمكنة مشقة - لما وسعني غير الاستجابة لأمرك وهذا القاضي مثال لكل القضاة إلا من ندر لم نسمع في حياته رحمه الله من أحيل من قضائه على التقاعد لفقده الثقة القضائية فلقد كان عينا بصيرة ومرجعا مهيبا فضلا عن بذله الأسباب المتعددة في اختياره القضاة قبل التعيين.
أعرف أنه رحمه الله كان يضع نظره على من يراه صالحا للقضاء وهو لا يزال في المرحلة الثانوية في الدراسة في المعاهد العلمية وتستمر مراقبته لسلوك من يضع نظره عليه حتى إتمامه الدراسة الجامعية ثم يقرر نحو تعيينه في القضاء ما يراه طبقا لنتيجة مراقبته إياه.
آثاره العلمية: لا شك أن سماحته رحمه الله عالما كبيرا وفقيها مبرزا وأنه رحمه الله أمضى ما لا يقل عن أربعين عاما في التدريس في جامعه وفي بيته وأن لسماحته رحمه الله مجموعة من التلاميذ هم اليوم كبار علماء هذه البلاد وفقهاؤها ومن يقرأ تقريرات سماحته في دروسه على طلابه مما نقل بعضها فضيلة الشيخ محمد بن قاسم في مجموع فتاوى سماحته يدرك حقيقة ما نقوله عن سماحته في ذلك إذ هي تقريرات بالرغم من أنها تصدر بلا مهلة في التأمل وتكرار النظر إلا أنها تدل على تمكن وسعة باع أما فتاواه وملاحظاته القضائية والفقهية فهي محل تقدير واعتبار من طلبة العلم ولقد أحسن معالي ابنه البار الشيخ إبراهيم بن محمد في الأمر بجمع فتاوى سماحته ومتابعة ذلك حتى خرجت بشكل أعطى القناعة التامة في أن شيخنا رحمه الله من أئمة الدعوة فقها ودعوة وجهادا بقلمه ولسانه. وذلك تنفيذا لأمر جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله.
لم يكن من سماحته رغبة في التأليف قد يكون سبب ذلك انشغاله بأعماله وبالرغم من ذلك فله رسائل صغيرة في زكاة العروض وفي حكم الدخان والقات ومعالجة غلاء المهور وغيرها وقد ضمت هذه الرسائل في مجموع فتاواه.
لقد كان رحمه الله شديد الحرص على ألا يخرج لسماحته إلا ما تطيب به نفسه وما أقل ما ترضاه نفسه العالية. لقد رأيته في منامي
بعد وفاته بشهرين فقال لي يا عبد الله: أظن أن هناك رغبة في جمع ما صدر منا من فتاوى وملاحظات قضائية وتعرف أننا ما نعيد النظر فيما كتبناه بالأمس إلا ونجد ملاحظة منا سواء كانت غلطة مطبعية أم عبارة جرى السهو فيها ولكن قل لإبراهيم لا يصدر الفتاوى إلا مراجعة منكم بصفتكم أكثر معرفة بها. وبلغت معالي الشيخ إبراهيم تلك الرؤيا في وقتها.
أبناؤه وإخوانه:
لسماحته رحمه الله ثلاثة إخوة هم علماء أفاضل أكبرهم سنا الشيخ عبد الله لم يل من أعمال الدولة عملا إلا أنه رحمه الله كان ذا دراية بالأنساب وعلوم الهيئة وذو ولع ودراية بالتاريخ فضلا عما لديه رحمه الله من حصيلة علمية.
والثاني الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم عالم كبير له تبرير في علوم الفرائض شاعر مجيد نذر نفسه رحمه الله فترة طويلة لا تقل عن أربعين عاما في خدمة عموم الناس في توثيق تصرفاتهم من بيوع ووصايا وأقارير أسندت له الإدارة العامة للمعاهد فكان رحمه الله نعم الأب ونعم المدير ونعم الإنسان.
الثالث الشيخ عبد الملك بن إبراهيم عالم فاضل محبوب بين العموم ولي الرئاسة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الغربية مدة طويلة كان خلالها محل التقدير والاحترام والسمع والطاعة.
أما أبناؤه فهم أربعة أكبرهم معالي الشيخ عبد العزيز ولي من أعمال سماحة والده النيابة عنه في رئاسة القضاة ثم رئاسة المعاهد والكليات ثم صدر الأمر الملكي بتعيين معاليه رئيسا لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برتبة وزير ولا يزال في عمله حتى الآن جعله الله مباركا أينما كان.
الثاني من أبناء سماحته الشيخ إبراهيم أحد خريجي كلية الشريعة في الرياض ولي من أعمال سماحة والده النيابة عنه في الإفتاء وبقي نائبا في الإفتاء حتى صدر الأمر الملكي بتعيينه وزيرا للعدل ولا يزال في وزارة العدل حتى الآن ولقد كان حفظه الله رئيسا مباشرا لنا نحن أعضاء الإفتاء وغيرنا من منسوبي الإفتاء ثم امتدت رئاسته علينا بصفتي الآن أحد منسوبي وزارة العدل من قضاة وإداريين فنعم الرئيس معاليه جعله الله مباركا أينما كان ووفقه إلى اقتفاء أثر والده خالد الذكر.
الثالث من أبنائه أحمد هؤلاء الثلاثة أخوة أشقاء أما الرابع فهو الدكتور عبد الله أكبر أولاده شبها لأبيه خلقا نال شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود وهو الآن أحد المدرسين فيها ويرجى له مستقبل زاهر إن شاء الله يكمل فيه مسيرة آبائه وأجداده في سبيل الدعوة إلى الله والحرص على تصحيح الاعتقاد عند من يتغلب عليه الشيطان فيحرفه عن جادة الصواب.
توفى رحمه الله في اليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1389 هـ فكان لوفاته أسوأ الأثر في النفوس لقد حضرت جنازته للصلاة عليه وعند دفنه فرأيت جموعا غفيرة كلها تذكر أنها المصابة وأنها الجديرة بالعزاء وهي تلهج بذكر الله تعالى وإنا لله وإنا إليه راجعون ودفن في مقبرة العود في الرياض قرب آبائه وأجداده فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجزاه عني خاصة وعن جميع إخواني طلبة العلم وغيرهم أفضل جزاء وأتمه وجمعنا به في مستقر رحمته إنه قريب مجيب وبالإجابة جدير وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد الله بن سليمان بن منيع
صفحة فارغة