الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سواه.. وهذا هو التوحيد الخالص، والإيمان المصفّى، ولهذا اقترن الدعاء بالصلاة، وجاء بعدها، ليكون التطبيق العملىّ، لما تركت الصلاة فى نفس المصلّى من ولاء لله، وقرب منه.
وقوله سبحانه: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» تذكير بالبعث والجزاء والحساب، حتى يعمل الإنسان لهذا اليوم حسابا، وحتى يكون هذا الحساب دافعا قويّا يدفعه إلى العمل.. كما أن فى هذا تقريرا للبعث، وأنه أمر ممكن، وإذا وقع فى نظر بعض الغافلين أنه مستحيل، فلينظروا إلى المصدر الذي جاءوا منه، وليذكروا أنهم كانوا بعد أن لم يكونوا شيئا، وأن إعادة الكائن إلى ما كان عليه، أيسر- فى تقديرنا نحن البشر- من خلق الكائن من العدم.
وقوله سبحانه: «فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ» هو بيان للحال التي يعود عليها الناس يوم القيامة، إنهم يعودون فريقين: فريقا هداه الله ووفقه للإيمان والعمل الصالح، وفريقا ضلّوا، وأغواهم الشيطان..
وهكذا كل ضالّ، يزيّن له ضلاله الفتنة والغواية، ويريه أنه على الصراط المستقيم، والله سبحانه وتعالى يقول:«أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً؟» (8: فاطر) .
الآيات: (31- 34)[سورة الأعراف (7) : الآيات 31 الى 34]
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34)
التفسير: فى الآيات السابقة جاء قوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» ليلفت الناس- وهم فى أول لقائهم بهذه الحياة- إلى ما فى الأرض وما عليها من خير كثير، بثّه الله فيها، وأن أول ما ينبغى أن يحصّلوه من هذا الخير، أن يستروا سوآتهم، ليخرجوا من عالم الحيوان، وليكونوا الإنسان الذي جعله الله خليفة له فى الأرض. ثم ليتجملوا بعد هذا، ويتزينوا بما شاءوا، ثم ليستروا كيانهم الداخلى ويجملوه بالتقوى.
وفى هذه الآيات يدعو الله النّاس- بعد أن استوفوا حظوظهم من زينة الحياة، وصار إلى أيديهم الكثير منها- يدعوهم إلى ألّا تكون هذه الزينة التي اتخذوها حلى يتحلّون بها فى أوقات لهوهم، أو فى محافلهم وأنديتهم، وحسب، وإنما الذي ينبغى أن يتزينوا له، ويحتفوا بلقائه قبل كل شىء، هو بيت الله الذي يقفون فيه بين يدى الله، يناجونه ويوجهون وجوههم إليه.
فهذا الاحتفاء ببيوت الله، وهذا الإعداد والتجمّل للقاء الله فيها، هو مما يقيم فى كيان المؤمن مشاعر التوقير والإجلال لهذا اللقاء، وممّا يهيئ كيان الإنسان الداخلى لمناجاة ربّه، بعد أن تطهّر وتزيّن لهذا اللقاء العظيم..
وقوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»
هو دعوة إلى أن يأخذ الناس حظّهم من طيبات الحياة، وأن يذوقوا من نعم الله التي وضعها بين أيديهم، ولكن فى غير إسراف، بل فى قصد واعتدال، فإن الإسراف يفسد النعمة، ويفقدها طعمها الطيّب، حين يمتلىء الإنسان منها، ويلحّ على جسده بها.. إنها لا تلبث- حينئذ- أن تتحول إلى شىء تزهد فيه النفس، بل وتعافه. وهذا هو بعض الحكمة من النهى عن الإسراف.
وقوله تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ؟» هو إغراء بالتنعم بنعم الله، والتجمل بها، وأخذ حاجة النفس منها.. ثم هو إنكار على من يأخذون على أنفسهم أو على الناس الطريق إلى نعم الله، ويزهدونهم فيها، أو يحرمونهم منها.. فلمن إذن هذه النعم؟
والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» .. ويقول سبحانه هنا فى هذه الآية: «هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» أي زينة الله هذه التي أخرج لعباده، وهذه الطيبات من الرزق، هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا، ينعمون بها، ويرون فضل الله عليهم فيها، فيزداد حمدهم له، ويقوى إيمانهم به..
ثم إن هذه النعم سينعمون بها يوم القيامة، تأتيهم من غير أن يبذلوا لها جهدا، خالصة من كل شائبة مما كان يشوبها فى الدنيا.. فلا تزهد فيها نفس من شبع، ولا تملّها عين من نظر.. «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» .
وتخصيص المؤمنين بالذكر هنا: «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» إشارة إلى أن المؤمنين هم الذين يتعرفون على الطيبات من الرزق وينعمون بها، أما غير المؤمنين فلا يفرّقون بين طيب وخبيث،
إذ لا دين لهم يحجزهم عن الخبيث، ويحول بينهم وبينه، فالطيب والخبيث على سواء عندهم.
هذه هى المحرمات التي حرّمها الله على عباده، وكلها خبائث، تفسد الطيّب إذا دخلت عليه.
والفواحش هنا، يراد بها الزّنا خاصّة، وما اتصل به من شهوة الفرج.
والإثم: المحرّمات التي حرّمها الله، من مأكولات، والتي توقع مقترفها فى عداد الآثمين..
والبغي بغير الحق: العدوان على حدود الله، والتعدّى على حقوق العباد..
كالقتل، والسرقة، والخيانة للأمانة، وغيرها.
وفى وصف البغي «بغير الحق» على أن البغي لا يكون إلا بغير الحقّ أبدا- إشارة إلى هذا الوصف الملازم له، وتذكير به، وأنه عمل مجاف للحق، خارج عليه..
وقوله تعالى: «وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً» هو مما نهى الله عنه، بل هو أول المنهيات، لأن الشرك بالله رأس الكبائر، حيث لا يقبل عمل من مشرك..
وأخّر النهى عن الشرك هنا لأن الخطاب فى مواجهة المؤمنين الذين دعوا إلى أخذ زينتهم عند كل مسجد، وإلى عدم التحرّج من أن ينالوا من طيبات ما أخرج الله لعباده من رزق، ثم بيّن الله سبحانه وتعالى لهم بعد ذلك ما حرّمه عليهم بعد أن رفع الحظر عن جميع المطعومات، ودعاهم إلى التمتع بها- فكان أول هذه المحرمات الفواحش، وهى شهوة غالبة من الشهوات المتمكنة فى
الإنسان، والتي كثيرا ما تفسد عليه دينه، ثم الإثم والبغي بغير الحق، وهما آفتان من الآفات المتسلطة على الناس فى الحياة، حيث تدفع أهواء النفس وشهواتها بالناس إلى مقارفة الآثام، وإلى عدوان بعضهم على بعض، لإشباع تلك الشهوات، واسترضاء هذه الأهواء.. ثم الشرك بالله، والمراد هنا هو ليس الشرك الصريح، القائم على عبادة غير الله، والإقرار بألوهية إله أو آلهة غيره، فذلك كفر بالله، لا يعدّ صاحبه فى المؤمنين أبدا، وإنما المراد بالشرك هنا الشرك الخفىّ الذي يتدسّس إلى الإنسان من غير أن يشعر به، وذلك كالاستدلال للناس استذلالا يقرب من العبادة، والنظر إليهم نظرة من يملكون التصرف فى ملك الله، بما صار إلى أيديهم من سلطان أو بسطة فى المال وسعة فى الرزق، وكالاستظلال بظلّ ولىّ أو دعىّ، يدّعى الولاية أو تدّعى له لولاية، حيث يذهل المستظل به، عن إقامة وجهه خالصا لله.. فهذا ونحوه هو من قبيل الشرك بالله، وإن لم يكن شركا صريحا.. ولهذا وصف الشرك هنا بقوله تعالى:
«ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً» أي هو شرك لا حجة عليه، ولا دليل بين يديه، وإنما هو وهم وضلال.. وكل شرك لا حجة له، ولا دليل عليه، وإنما وصف الشرك هنا هذا الوصف ليلفت المؤمنين إليه، وليحذروا منه، لأنه شرك خفىّ، والمؤمن حريص على أن يتجنب الشرك كلّه، جليّه وخفيّه، فإذا قيل له احذر الشرك الذي لا حجة، له جعل يقلب وجوه الأمور التي بين يديه إذ ربما يكون فيها ما هو من هذا الشرك الخفي، وحاول أن يزن هؤلاء الأشخاص الذين استذل لهم، أو استظل بهم، بميزان الحق والعقل، وهل لهم مع الله ما يملكون به ضرّ أو نفعا، وهنا ينكشف له الأمر، ويرى أن كل شىء لله، وأنه ليس لأى مخلوق- مهما بلغ من جاه أو سلطان- سبيل إلى شىء من ملك الله..
أما المشركون شركا صريحا فإنهم يجعلون لمن أشركوا به سلطانا، لأنهم