المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الآيات: (74- 79) [سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 79] - التفسير القرآني للقرآن - جـ ٤

[عبد الكريم يونس الخطيب]

فهرس الكتاب

- ‌الآيات (82- 86) [سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86]

- ‌(الآيات: 87- 88) [سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 88]

- ‌الآية (89) [سورة المائدة (5) : آية 89]

- ‌(الآيات: (90- 92) [سورة المائدة (5) : الآيات 90 الى 92]

- ‌الخمر.. مادتها، وصفتها، وحكم شاربها

- ‌الآية (93) [سورة المائدة (5) : آية 93]

- ‌الآية (94) [سورة المائدة (5) : آية 94]

- ‌الآيات (95- 96) [سورة المائدة (5) : الآيات 95 الى 96]

- ‌الآيات (100- 97) [سورة المائدة (5) : الآيات 97 الى 100]

- ‌الآيات (102- 101) [سورة المائدة (5) : الآيات 101 الى 102]

- ‌الآيات (104- 103) [سورة المائدة (5) : الآيات 103 الى 104]

- ‌الآية (105) [سورة المائدة (5) : آية 105]

- ‌الآيات: (106- 108) [سورة المائدة (5) : الآيات 106 الى 108]

- ‌الآية: (109) [سورة المائدة (5) : آية 109]

- ‌الآية: (110- 111) [سورة المائدة (5) : الآيات 110 الى 111]

- ‌الآيات: (112- 115) [سورة المائدة (5) : الآيات 112 الى 115]

- ‌الآيات: (116- 118) [سورة المائدة (5) : الآيات 116 الى 118]

- ‌(الآيتان: 119- 120) [سورة المائدة (5) : الآيات 119 الى 120]

- ‌مبحث فى المسيح الإله والمسيح الإنسان

- ‌6- سورة الأنعام

- ‌الآية: (1) [سورة الأنعام (6) : آية 1]

- ‌الآيات: (2- 5) [سورة الأنعام (6) : الآيات 2 الى 5]

- ‌الآية (6) [سورة الأنعام (6) : آية 6]

- ‌الآيات: (7- 11) [سورة الأنعام (6) : الآيات 7 الى 11]

- ‌الآيتان: (12- 13) [سورة الأنعام (6) : الآيات 12 الى 13]

- ‌الآيات: (14- 16) [سورة الأنعام (6) : الآيات 14 الى 16]

- ‌الآيات: (17- 19) [سورة الأنعام (6) : الآيات 17 الى 19]

- ‌الآيتان: (20- 21) [سورة الأنعام (6) : الآيات 20 الى 21]

- ‌الآيات: (22- 24) [سورة الأنعام (6) : الآيات 22 الى 24]

- ‌الآيات: (25- 26) [سورة الأنعام (6) : الآيات 25 الى 26]

- ‌الآيات: (27- 29) [سورة الأنعام (6) : الآيات 27 الى 29]

- ‌الآيات: (30- 32) [سورة الأنعام (6) : الآيات 30 الى 32]

- ‌الآيات: (33- 34) [سورة الأنعام (6) : الآيات 33 الى 34]

- ‌الآية: (35) [سورة الأنعام (6) : آية 35]

- ‌الآيات: (36- 38) [سورة الأنعام (6) : الآيات 36 الى 38]

- ‌الآيات: (39- 41) [سورة الأنعام (6) : الآيات 39 الى 41]

- ‌الآيات: (42- 45) [سورة الأنعام (6) : الآيات 42 الى 45]

- ‌الآيات: (46- 47) [سورة الأنعام (6) : الآيات 46 الى 47]

- ‌الآية: (48- 49) [سورة الأنعام (6) : الآيات 48 الى 49]

- ‌الآيات: (50- 52) [سورة الأنعام (6) : الآيات 50 الى 52]

- ‌الآيات: (53- 55) [سورة الأنعام (6) : الآيات 53 الى 55]

- ‌الآيات: (56- 58) [سورة الأنعام (6) : الآيات 56 الى 58]

- ‌الآيات: (59- 62) [سورة الأنعام (6) : الآيات 59 الى 62]

- ‌الآيات: (63- 65) [سورة الأنعام (6) : الآيات 63 الى 65]

- ‌الآيات: (66- 67) [سورة الأنعام (6) : الآيات 66 الى 67]

- ‌الآيات: (68- 70) [سورة الأنعام (6) : الآيات 68 الى 70]

- ‌الآيات: (71- 73) [سورة الأنعام (6) : الآيات 71 الى 73]

- ‌الآيات: (74- 79) [سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 79]

- ‌الآيات: (80- 82) [سورة الأنعام (6) : الآيات 80 الى 82]

- ‌الآيات: (83- 87) [سورة الأنعام (6) : الآيات 83 الى 87]

- ‌الآيات: (88- 90) [سورة الأنعام (6) : الآيات 88 الى 90]

- ‌الآيتان: (91- 92) [سورة الأنعام (6) : الآيات 91 الى 92]

- ‌الآيات: (93- 94) [سورة الأنعام (6) : الآيات 93 الى 94]

- ‌الآيتان: (95- 96) [سورة الأنعام (6) : الآيات 95 الى 96]

- ‌الآيات: (97- 99) [سورة الأنعام (6) : الآيات 97 الى 99]

- ‌الآيات: (100- 103) [سورة الأنعام (6) : الآيات 100 الى 103]

- ‌الآيات: (104- 107) [سورة الأنعام (6) : الآيات 104 الى 107]

- ‌الآيات: (108- 110) [سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110]

- ‌الآية: (111) [سورة الأنعام (6) : آية 111]

- ‌مبحث: فى مشيئة الله ومشيئة العباد

- ‌تفصيل بعد إجمال

- ‌آراء القدرية

- ‌وهذه مقولات لبعض رجالهم رأى واصل بن عطاء:

- ‌رأى النّظام

- ‌ثورة على المعتزلة

- ‌رأى أهل السنة

- ‌[كسب الإنسان]

- ‌حركة الأشاعرة

- ‌لسان الدين بن الخطيب ورأيه فى الكسب

- ‌إمام الحرمين ورأيه فى الكسب

- ‌رأى الغزالىّ في الكسب

- ‌رأى الفارابي فى الكسب

- ‌رأى الفيلسوف محمد إقبال

- ‌الله والإنسان.. مرة أخرى

- ‌أباطيل بعض المتصوفة

- ‌طريق المؤمنين

- ‌الآيات: (112- 113) [سورة الأنعام (6) : الآيات 112 الى 113]

- ‌الآيات: (114- 117) [سورة الأنعام (6) : الآيات 114 الى 117]

- ‌الآيات: (118- 121) [سورة الأنعام (6) : الآيات 118 الى 121]

- ‌الآيات: (122- 124) [سورة الأنعام (6) : الآيات 122 الى 124]

- ‌الآيات: (25- 27) [سورة الأنعام (6) : الآيات 125 الى 127]

- ‌الآيات: (128- 129) [سورة الأنعام (6) : الآيات 128 الى 129]

- ‌الآيات: (130- 132) [سورة الأنعام (6) : الآيات 130 الى 132]

- ‌الآيات: (133- 135) [سورة الأنعام (6) : الآيات 133 الى 135]

- ‌الآيات: (136- 137) [سورة الأنعام (6) : الآيات 136 الى 137]

- ‌الآيات: (138- 140) [سورة الأنعام (6) : الآيات 138 الى 140]

- ‌الآيات: (141- 144) [سورة الأنعام (6) : الآيات 141 الى 144]

- ‌الآيات: (145- 147) [سورة الأنعام (6) : الآيات 145 الى 147]

- ‌الآيات: (148- 150) [سورة الأنعام (6) : الآيات 148 الى 150]

- ‌الآيات: (151- 153) [سورة الأنعام (6) : الآيات 151 الى 153]

- ‌الآيات: (154- 157) [سورة الأنعام (6) : الآيات 154 الى 157]

- ‌الآيات: (158- 160) [سورة الأنعام (6) : الآيات 158 الى 160]

- ‌الآيات: (161- 164) [سورة الأنعام (6) : الآيات 161 الى 164]

- ‌الآية: (165) [سورة الأنعام (6) : آية 165]

- ‌7- سورة الأعراف

- ‌الآيتان (1- 2) [سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 2]

- ‌الآيات: (3- 9) [سورة الأعراف (7) : الآيات 3 الى 9]

- ‌الآيات: (10- 13) [سورة الأعراف (7) : الآيات 10 الى 13]

- ‌الآيات: (14- 18) [سورة الأعراف (7) : الآيات 14 الى 18]

- ‌الآيات: (19- 25) [سورة الأعراف (7) : الآيات 19 الى 25]

- ‌الآيات: (26- 30) [سورة الأعراف (7) : الآيات 26 الى 30]

- ‌الآيات: (31- 34) [سورة الأعراف (7) : الآيات 31 الى 34]

- ‌الآيات: (35- 39) [سورة الأعراف (7) : الآيات 35 الى 39]

- ‌الآيات: (40- 43) [سورة الأعراف (7) : الآيات 40 الى 43]

- ‌الآيات: (44- 51) [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 51]

- ‌الآيات: (52- 53) [سورة الأعراف (7) : الآيات 52 الى 53]

- ‌الآيات: (54- 58) [سورة الأعراف (7) : الآيات 54 الى 58]

- ‌الآيات: (59- 64) [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 64]

- ‌الآيات: (65- 72) [سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 72]

- ‌الآيات: (73- 79) [سورة الأعراف (7) : الآيات 73 الى 79]

- ‌الآيات: (80- 84) [سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84]

- ‌الآيات: (85- 87) [سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 87]

الفصل: ‌الآيات: (74- 79) [سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 79]

وقوله تعالى: «وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ» إشارة إلى أن هذا الخلق الذي خلقه الله سبحانه، كان عن أمره وتقديره، وأن لا شىء يعجزه، وأن تقدير المخلوقات، ومجيئها على صفاتها وأحوالها وأزمانها، كل ذلك كان بالحق، وبالحساب، وبالتقدير.

وقوله سبحانه: «قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» تقرير لهذه الحقيقة، وأنه سبحانه حين ينفخ فى الصور لم يكن هذا النفخ إلا عن أمره، وقوله الحق لنافخ الصور:«أن انفخ فيه» وليس عن مصادفة عمياء.

وقوله تعالى: «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» عرض آخر لسعة علم الله، وسلطان قدرته، فهو «الحكيم» الذي لا يصدر عنه إلا ما كان متلبسا بالحكمة، قائما على الحق، «الْخَبِيرُ» الذي تقوم حكمته على علم شامل بما هو حق وخير.

‌الآيات: (74- 79)[سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 79]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

ص: 218

التفسير: فى هذه الآيات أمور:

أولا: صلتها بالآيات التي قبلها.

فهنا قضية، يعرض فيها موقف الإنسان من الإيمان بالله، وأن النّاس ليسوا سواء فى الانتفاع بما أودع الخالق فيهم من قوى العقل والإدراك، للتهدّى إلى الخالق والبحث عنه، والإيمان به..

وهناك فى الآيات السابقة مواقف للمشركين من الدعوة الإسلامية، وتأبّيهم عليها، وإعراضهم عنها، بعد أن جاءتهم بآياتها المشرقة، وأقامت بين أيديهم شواهد ناطقة تشهد بوجود الله، وتوقظ قلوبهم النائمة، وتنبه عقولهم الغافلة، إلى النظر إليه فى ضوء تلك الآيات البينات..

فما أبعد الشّقة بين الموقفين، وما أشد التباين بين الحالين! وهنا إبراهيم، الذي هو الأب الأكبر لهؤلاء المشركين من قريش، والذين يدّعون- كذبا- أنهم على دينه، يطوفون بالبيت الذي طاف به، ويعبدون الإله عبده أبوهم الأول، إبراهيم عليه السلام.

وهناك هؤلاء المشركون من أبناء إبراهيم، وتلك أصنامهم التي شوّهوا بها معالم البيت العتيق، وأفسدوا بها الدّين الحنيف، الذي عبد الله عليه فى هذا البيت، الذي لا يزال قائما يشهد هذا السفه الذي هم فيه.

وهنا داع يدعو إلى الله، هو إبراهيم عليه السلام، ويقف من الأصنام وعبّادها هذا الموقف الذي تتهاوى فيه الأصنام، حين يفضحها بمنطقه، قولا، وعملا.

وهناك داع يدعو إلى الله، بدعوة إبراهيم، هو محمد، صلوات الله وسلامه عليه، ويقف من تلك الأصنام وقفة إبراهيم، فيفضحها ويكشف ضعفها وعجزها، ثم يدعها لتدفن فى غياهب الضّياع.

ص: 219

ثانيا: «آزر» .. ومن يكون هذا الإنسان؟.

القرآن الكريم يقول: «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ» .

ولكن المفسّرين يذهبون فى هذا الأب مذاهب شتّى.

فمن قائل: إن اسمه «تارح» ومن قائل: إن آزر اسم جدّه، أو عمّه، والعمّ والجدّ يسميان أبا مجازا!! وذهب بعضهم أن «آزر» اسم صنم، وهذا القول ينسب إلى ابن عباس، وقد فسّره الزمخشري: أتعبد آزر! منكرا عليه ذلك! (أي أن إبراهيم ينكر على أبيه أن يعبد هذا الصنم آزر) .

وذهب آخرون إلى أنه وصف فى لغة قومه، ومعناه المخطئ، وقيل بل معناه: الأعوج.

وقيل معنى «آزر» الشيخ الهرم.

ويقول الزجاج: ليس بين النسّابين اختلاف أن اسم أبى إبراهيم «تارح» ! والذي دعا المفسرين إلى تلك المقولات، هو ما جاء فى التوراة من نسبة إبراهيم إلى أبيه الذي تسميه التوراة «تارحا» وقد اعتمد المفسرون هذه النسبة وأخذوا بها، وتأولوا لها ما جاء فى القرآن.. ولم تحدثهم أنفسهم بأن يتأولوا هذه النسبة التي جاءت فى التوراة كما تأولوها فى القرآن.. ولم تحدثهم أنفسهم بأن فى التوراة تحريفا وتبديلا تناول كل شىء، حتى العقيدة..!

والذي ينبغى أن يكون عليه الأمر فى هذا الموقف، هو الوقوف عند ما جاء به القرآن الكريم، الذي يقول الله سبحانه وتعالى فيه:«وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (48 المائدة) فالقرآن هو الذي يهيمن على ما سبقه من كتب، ولا تهيمن عليه، ويقضى عليها، ولا تقضى عليه..

ص: 220

وقد جاء القرآن الكريم فى الحديث عن إبراهيم منسوبا إلى أبيه، باسم هذا الأب، وهو «آزر» : هكذا: «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ» . فكيف يجوز لقائل أن يقول فى هذه النسبة، وفى مسمى هذا الاسم قولا؟ إنه أبو إبراهيم بلا شك، وإنّ اسمه «آزر» بلا ريب.. هكذا قال القرآن، وهكذا يجب أن نقول.

وليس هذا فحسب، فإن القرآن قد ذكر مواقف بين إبراهيم وأبيه هذا، فقال تعالى:«وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً» (41- 42 مريم) .

وقال سبحان على لسان إبراهيم: «وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ» وقال جلّ شأنه: «وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ» (114: التوبة) فالجدل والحوار كان دائما بين إبراهيم وأبيه، وفى مواجهته، وليس مع جده، أو مع صنم! وقد أثرنا هذه المسألة، لأنها تمس الصميم من القرآن الكريم، وتنبىء عن مدى صدقه، وأنه تنزيل من العالمين، كما يقول هو عن نفسه، أو أنه من عمل «محمد» ومن تلقياته التي أخذها من أهل الكتاب وغيرهم، كما يتخرص المتخرصون.

وهنا اختبار عملى لهذه القضية، ومقطع من مقاطع القول فيها..

فإما أن يكون آرز هو الاسم المعروف به أبو إبراهيم، وفى ذلك حكم قاطع بأن القرآن هو كلام الله، يقول الحق، ويأتى بأنباء الغيب، وإما ألا يكون «آزر» على غير هذا الوصف، فيكون القرآن كما يقول فيه المكذبون به، والكائدون له..

وهذا أمر يمكن أن يحقّق تاريخيا.. ولا أحسب أن اليهود تركوا هذه

ص: 221

المسألة دون أن يحققوها، ولا أن المتربصين بالقرآن غفلوا عن هذا الخلاف الذي بينه وبين التوراة.. ولو أنهم وجدوا فى هذا مطعنا على القرآن لكان ذلك من أقوى حججهم عليه. وطعناتهم له، الأمر الذي لم يقله اليهود، الذين لم يتركوا قولا يقولونه فيه. ويفترونه عليه، ولم يقله أحد من غير اليهود، الذين رصدوا للقرآن، وجعلوا يتصيدون كل سانحة من وهم أو خيال تسنح لهم فيه..

ثالثا: الطريق سلكه إبراهيم فى التعرف على الله..

وهو الطريق الاستدلالي بالنظر فى ملكوت السموات والأرض.. وهو نفس الطريق الذي جاءت الرسالة لإسلامية به، فى دعوتها إلى التعرف على الله والإيمان به..

وقد سلك القرآن المنهج نفسه، الذي تعرف به إبراهيم على الله، فى دعوة المشركين إلى التعرف عليه..

فكان أول ما لفت القرآن نظر المشركين إليه، هو النظر إلى آلهتهم تلك التي يعبدونها، من أصنام وأوثان، وأن يعيدوا النظر إليها مرة بعد مرة، ليروا إن كانت تدفع عن نفسها ضرا، أو إن كانت تسمع أو تعقل ما يناجيها به العابدون لها، أو تستجيب لما يرجى منها من دفع ضر أو جلب خير..!

وفى هذا يقول الله تعالى على لسان نبيه الكريم مخاطبا المشركين: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ» (73: النحل) ويقول سبحانه: «وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» (22: العنكبوت) ويقول سبحانه على لسان المشركين: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» (3: الزمر)

ص: 222

وهكذا يلقاهم القرآن فى كل سبيل مع هذه الآلهة، حتى ينفضح أمرها لهم، وتزول مشاعر الهيبة والتوقير لها فى نفوسهم.. وهذا ما فعله إبراهيم إذ يقول لأبيه:«أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً؟ إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» وإذ يقول:

«يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» .

فإذا وهت هذه المشاعر، وتقطعت تلك الأسباب التي بين المشركين وبين آلهتهم تلك- جاء القرآن إلى هؤلاء المشركين ليجيب على هذا السؤال الذي فرضه هذا الفراغ الذي أصبحت فيه قلوبهم، بعد أن تبخرت منها سحب الأصنام التي كانت مخيمة عليها.. وكان السّؤال المفروض هو: وأين الإله الذي نعبده إذن، إذا كانت أصنامنا هذه ليست آلهة أو شبه آلهة؟ ..

ويجىء الجواب من القرآن الكريم بأن الله قريب منهم، وما عليهم لكى- يروه- إلا أن ينظروا فى هذا الوجود، وفيما فيه من مبدعات تدلّ على قدرة الخالق، وتحدّث عن سعة علمه، وبسطة سلطانه، وروعة حكمته.

والقرآن المكىّ يكاد يكون كلّه معرضا لآيات الله، ودعوة مثيرة للعقول، مغرية لها بالنظر فى ملكوت السموات والأرض.. ولا نستشهد لهذا حيث آيات القرآن أكثر من أن تحصى فى هذا الأمر.. وفى سورة الأنعام هذه التي نحن بين يديها، عشرات الآيات.

وقد كانت نظرة إبراهيم إلى الله قائمة على هذا الوجه الاستدلالىّ، للتعرف على ربّه، والإيمان به.

«وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» أي نفتح نظره، وعقله، وقلبه، على هذا الوجود، ليتعرف إلى الله.. والملكوت، هو الملك الخاضع لسلطان الله.

وقد وجّه إبراهيم نظره، وعقله وقلبه، إلى ملكوت السموات والأرض..

ص: 223

فماذا رأى؟ «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً» أي كوكبا من تلك الكواكب السيارة، كالزهرة مثلا.. وقد رصد إبراهيم هذا الكوكب منذ أطلّ على هذا العالم من الأفق الشرقي، وتبعه فى مسيره، وكان كلما علا فى السماء وازداد ألقا وإشراقا، ازداد إبراهيم به تعلقا وشغفا، إذ حسبه أنه الكائن الأعلى، القائم على هذا الوجود.. فلمّا هوى إلى الأفق الغربي خفق قلب إبراهيم خفقة الخوف على هذا الذي تصوّره إلها، أن يهوى وراء هذا الأفق، فلمّا هوى أخلى إبراهيم بصره، وعقله، وقلبه منه، ونفض يديه من هذا الإله، كما ينفض الحىّ يديه من ميت عزيز، أودعه القبر، وهال عليه التراب.. وقال:«لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» ..! «فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي» .. وتبعه فى مسيرته من الأفق إلى الأفق.. حتى إذا هوى إلى المغيب، ودفن وراء الأفق الغربي، كاد يؤرقه اليأس من أن يعثر على الإله المنشود، وقال:«لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ» .

والسؤال هنا: كيف يطلب إبراهيم الهداية من ربّه، وهو يبحث عنه؟

والجواب: أن إبراهيم كان على يقين بأن لهذا الوجود ربّا، وأن لتلك المصنوعات صانعا، قادرا، مدبّرا.. ولكن من هو؟ وأين هو؟ وكيف هو؟ هذا ما يبحث عنه إبراهيم.. وهذا ما أشار إليه قوله تعالى:«وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» فهو يؤمن بحدسه ومشاعره أن لهذا الوجود إلها، وهو فى بحثه هنا إنما ليعرف هذا الإله، ويستيقنه.. وذلك قبل أن يختاره الله لرسالته..

وسؤال آخر:

لماذا كان أوّل ما نظر إليه إبراهيم من ملكوت الله، هو الكوكب،

ص: 224

أي النجم، ثم القمر، ثم الشمس؟ ولم لم يتجه نظره أولا إلى الشمس إذ كانت أعظم ما يواجه الإنسان من هذه المخلوقات؟

والجواب.. أن وحشة الليل، ورهبة ظلامه، تجعل لأى لمعة من لمعات الأنوار، وقعا على النفس، وتأثيرا على المشاعر، وليست كذلك النظرة إلى الشمس التي تكاد سطوة أضوائها، تذهب بكل إحساس بوجودها! وهذا ما نراه فى نظر إبراهيم إلى هذا الكوكب أولا، ثم إلى القمر ثانيا..

ذلك أن هذا الكوكب، وهو نجم من تلك النجوم التي يتلألأ ضوؤها كلّما اشتدّ ظلام الليل، وأطبقت حلكته، هو فى تلك الحال أفعل فى النفس، وأكثر إلفاتا للنظر من القمر، الذي يغمر نوره ما احتواه الليل كله..

وإذ لم ير إبراهيم فى ملكوت الليل وما يبزغ فيه من نجم أو قمر- إذ لم ير فى هذا الملكوت إلهه الذي ينشده، شخص ببصره إلى ملكوت النهار، فرأى الشمس تبسط سلطانها عليه، فعلق بها نظره، واحتواها عقله وقلبه، وقال:

«هذا ربى.. هذا أكبر!!» .. ولكن الرّب الكبير لم يكن إلّا خدعة خدع لها إبراهيم، حتى إذا أفلت ودّعها غير آسف، وأشرق قلبه بنور الإله الحق، الإله الذي يسيّر هذه الكائنات ويصرّفها كيف شاءت إرادته، واقتضت حكمته.. «فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .

وهكذا عرف إبراهيم ربّه، وهكذا يعرف كل ذى عقل ربّه، إذا هو نظر، وفكّر، وعقل..!

ص: 225