الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويعلّق المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق على هذا بقوله: «إذا كان مذهب الأشعري فى محاربة المعتزلة بمثل سلاحهم، من أساليب النظر العقلي- قد أضعف الاعتزال، وأذلّ سلطانه، فإن السياسة كان لها كبير الأثر فيما ناله الاعتزال من القوة والسيادة أولا، وكان لها أثرها فى نزوله عن عرشه أخيرا» .
إن الأشعري، قد وقف فى وجه المعتزلة، فانتزع منهم الإنسان الذي جعلوه فى بعض أحواله خالقا، منفردا بخلق أفعاله وتدبير وجوده، حتى لكأنه يطاول إله العالمين، وينازعه سلطانه- انتزع الأشعري هذا الإنسان الإلهى، ونزل به إلى واقع الحياة البشرية، فجعله «كاسبا» لأفعاله، لا خالقا لها، عاملا بإرادته، ولكن فى ظلّ من إرادة الله ومشيئته..
[كسب الإنسان]
فتح الأشعري بنظرية «الكسب» التي أحلها محل «الخلق» الذي تقول به المعتزلة- نقول: فتح بابا دخل منه كثير من الفلاسفة والمتكلمين على هذا الشيء الذي سماه الأشعري كسبا، والذي يراه فى الإنسان، متلبسا بإرادته، معلقا بمشيئته..
وقد عدّ كثير من العلماء والباحثين قول الأشعري لغزا تندّروا به، ووضعوه موضع العقد التي لا يعرف لها حلّ، وذلك أنهم لم يروا فارقا واضحا بين «الخلق» الذي تقول به المعتزلة، وبين «الكسب» الذي يقول به الأشعري، ويراه مناقضا للقول بالخلق.
يقول ابن تيمية فى تفنيد نظرية الكسب: «ولا يقول الأشعري: إن العبد فاعل فى الحقيقة، بل كاسب، ولم يذكر بين الكسب والفعل فرقا معقولا، بل حقيقة قولهم- أي الأشعرية- قول جهم:(هو جهم بن معبد، رأس الجبرية) إن العبد لا قدرة له، ولا فعل ولا كسب.
وقد نظم بعضهم هذا شعرا، وقرن نظرية القول «بالكسب» إلى نظرية القول «بالطّفرة» عند النظام، والقول «بالحال» عندهم أبى هاشم: فقال:
مما يقال ولا حقيقة عنده
…
معقولة تدنو إلى الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال
…
عند البهشمىّ وطفرة النظام «1»
والذي جعل الأشعري يقول «بالكسب» هو ما رآه فى الإنسان من إرادة وقدرة على الفعل أو الترك، ثم ما يراه من جهة أخرى من قدرة الله المطلقة الشاملة، وعلمه المحيط بكل شىء، فلم يرتض أن يقول إن العبد خالق لأفعاله، لأن الخلق لله، ولم يقبل أن يجعل العبد آلة مسخرة، لأنه يراه يعمل بإرادة، ويتحرك بقدرة، ويقدم أو يحجم عن تقدير وتفكير.. فلا بد- والأمر كذلك- أن يضيف إلى الإنسان شيئا مما يعمل، لا كل ما يعمل، وسمّى هذا «كسبا» .
وعلى أىّ، فإن نظرية «الكسب» هذه، قد أثارت جوّا من التفكير عند الباحثين فى هذه المشكلة، وكانت معتمد الذين لا يقولون بقول المعتزلة، من أن للإنسان اختيارا مطلقا فى أفعاله، وإنّما للإنسان نوع من الاختيار، ودرجة من الإرادة، حيث يضعون الإنسان فى منزلة بين الاختيار والجبر،
(1) البهشمى: هو أبو هاشم ووالده أبو على الجبائي من شيوخ المعتزلة..
وقد ركب اسمه «أبو هاشم» تركيبا مزجيا «بهشمى» .