الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يعرفون الله حق معرفته، ولا يقدرونه حق قدره..
وقوله تعالى: «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» هو إلفات إلى مالله سبحانه وتعالى من كمال مطلق فى صفاته، وأفعاله، وأن على المؤمن بالله أن يتعرّف إلى الله سبحانه، وأن يعرفه حق معرفته، فإن من شأن هذا التعرف، وتلك المعرفة أن يصلاه بالله، وأن يعزلاه عن مظان الشرك الخفي به، فلا يجعل لمخلوق مكانا مع الله فى قلبه.. وبهذا الإيمان يستغنى بالله، ويستعلى بوجوده عن الاستذلال أو الاستظلال بأى مخلوق، وإن عظم قدرا، وعلا فى الناس شأنا..
والقول على الله بغير علم، هو من قبيل الفهم الخاطئ لله، ومن هما يجىء الالتفات إلى غيره، والاعتماد على سواه.
الآيات: (35- 39)[سورة الأعراف (7) : الآيات 35 الى 39]
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)
التفسير: قوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» .
تكرار المناداة بقوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ» لاختلاف المنادون من بنى آدم: من بين مؤمن، وكافر، ومشرك، وبين منتبه وغافل، وراغب فى الهوى وزاهد فيه.. فهم أنماط شتى، وطوائف مختلفة، وكأن كل طائفة منهم تنادى نداء خاصا، وإن كان النداء عاما موجها للجميع.. وفى مخاطبة الناس بأبناء آدم تذكير لهم بأصل وجودهم، وأنهم كانوا فى عالم التراب، وأن من هذا التراب جاء هذا الإنسان العاقل، السميع، البصير، وفى هذا ذكرى وموعظة لأولى الألباب.
وفى قوله تعالى: «إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ» أصل إمّا: إن، وما، وهما شرطيتان، للتوكيد.
وفى قوله تعالى: «يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي» قصّ الآيات: حكايتها كما هى، دون تبديل أو تحريف فيها، ومنه قصّ الأثر وهو تتبعه. وفى هذا إشارة إلى أن الرسل إنّما يبلغون ما أنزل إليهم من ربهم، وأنهم لا يأتون بشىء من عند أنفسهم.
والناس فيما يلقاهم به الرسل من آيات الله وكلماته- فريقان: مصدّق ومكذب.. مؤمن وكافر..
فمن صدّق وآمن، وعمل بمقتضى صدقه وإيمانه، فاتّقى الله، واستقام على شريعته، فأنى ما تأمر به، وانتهى عما تنهى عنه، فقد سلم، ونجا، وأمن
الخوف والحزن، يوم يخاف المكذبون، ويحزنون.. يخافون من عذاب الله الراصد لهم، ويحزنون على ما فاتهم من استجابة لرسل الله، واستقامة على شريعة الله.
ومن كذّب وأبى فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.. فقد ظلموا أنفسهم بافترائهم على الله، وقولهم إذا فعلوا فاحشة: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها.
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ» .
وقوله تعالى: «أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ» .. المراد بالكتاب هنا الكتاب الذي خطّت فيه أعمال الناس وأرزاقهم.. والمعنى أن هؤلاء الظالمين لن يحرمهم الله بسبب ظلمهم ما قدّر لهم فى كتابه من أعمار وأرزاق، فهم سيوفّون ما قدّر لهم فى هذه الدنيا. «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ» أي حتى إذا انتهت أعمارهم وجاءتهم رسل الموت من عند الله ليقبضوا أرواحهم:
«قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» . أي أنهم إذا حضرهم الموت، انكشف لهم ما كانوا فيه من ضلال، واطلعوا على هذا المصير السيّء، الذي هم صائرون إليه، وهنا يتلفتون إلى من أشركوا بهم فلم يجدوا لهم وجودا معهم:«ضلّوا عنّا» ! ..
إنهم يبحثون عنهم فى هذا المزدحم، فلا يرون لهم ظلّا.. لقد تركوهم ليلاقوا مصيرهم المشئوم..!
وقوله تعالى: «وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» الشهادة هنا هى استيقانهم بواقع أمرهم، وأنهم كانوا على ضلال وكفر.. وتلك هى الشهادة التي شهدوا بها على أنفسهم، فكان حكما عليهم أدانوا أنفسهم به، قبل أن يدينهم الديّان.
إشارة إلى الرحلة الجديدة التي سيأخذ فيها هؤلاء الظالمون طريقهم إلى جهنم.. فمنذ اللحظة التي تنتزع فيها أرواحهم، يدخلون فى عالم جديد، ويأخذون مكانهم بين من سبقهم من الظالمين، من الجنّ والإنس..
وهذه الأمم من ظلمة الجنّ والإنس، يعيش بعضها مع بعض فى شقاق واختلاف، إذ لا تفاهم بينها، لما اشتملت عليه نفوسهم من أمراض خبيثة، تزعج أصحابها، وتزعج من يتصل بها.. «كلّما دخلت أمة لعنت أختها» فهم يتلاعنون، ويتشاتمون، كما يفعل المجرمون، تضمهم جدران السجن..
ثم لا يقف أمر هذه الجماعات عند هذا، بل إنهم حينما تجتمع جموعهم للحساب والجزاء، يتراشقون بالتهم، ويلقى بعضهم على بعض جريمته التي يحملها بين يديه:
«حتّى إذا أدركوا فيها جميعا» أي إذا أدرك بعضهم بعضا، ولحق آخرهم بأولهم فى ساحة الحساب والجزاء:«قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ» وإضلال الأولين للآخرين هو بسبب متابعة الآخرين للأولين، وجريهم على ما كانوا فيه من ضلال، كما كانوا يقولون فى الدنيا إذا جاءهم الهدى:«إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» .
وفى طلب الآخرين للأولين مضاعفة العذاب لهم، محاولة يائسة لدفع العذاب الواقع بهم هم، وإلقاء ذنوبهم على آبائهم وأجدادهم الذين اقتفوا آثارهم، وكانوا بهذا من أصحاب السعير..
وفى قوله تعالى: «قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ» ردّ على أوهام أولئك الذين تابعوا آباءهم وجروا على آثارهم، فإن لهم ضعفا من العذاب