الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يأخذون به أنفسهم؟ وتلك حجة يقيمونها بين يدى ضلالهم وغيّهم؟ إنه لو أخذت الحياة بهذا المنطق، وقبلت هذه الحجة، لكان على الناس أن يمسكوا بالزمن أن يتحرك، وبالأشياء أن تظل على حال واحدة، لا تتحول عنها أبدا.
ولكن أنّى للناس أن يفعلوا هذا؟ وأنّى للحياة أن تستجيب لهم لو أرادوا؟
إن الحياة وأشياءها فى تحول وتطور.. وفى كل لحظة تلبس الحياة ثوبا جديدا، وتبلى قديما.. وهكذا تبلى وتجدّد: وتخلع وتلبس..
وماذا يبقى للإنسان من عقله، بل ماذا يبقى له من وجوده، إذا لم يكن له حرية التحرك فى الحياة، والنظر فى كل جديد يطلع عليه منها، ثم الأخذ بما يقضى به العقل المتحرر من قيود التقاليد، ممّا يراه حقا وخيرا؟ وإنه لبالغ من ذلك ما فيه خيره وسعادته، إذ لا يغيب عن نظر العاقل وجه الخير، ولا تخفى عليه سمته.. فالحلال بين والحرام بيّن.. «وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ» (19- 22: فاطر) «وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ» (12: فاطر) .
الآية (105)[سورة المائدة (5) : آية 105]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
التفسير: وإذا كان الحلال بيّنا والحرام بيّنا، وإذ قد دعى الضالون، إلى الهدى، فلم يسمعوا، ونودوا من قريب إلى الرشاد فلم يرشدوا. «وقالوا حسبنا
ما وجدنا عليه آباءنا» - إذ كان ذلك فلا يشغل المؤمنون أنفسهم بهم، ولا يقفوا طويلا معهم على هذا المرعى الوبيل، الذي يرعون فيه، فلربما غفل المؤمنون عن أنفسهم وهم على هذا الموقف، وفاتهم ما كان ينبغى أن يحصلوه لأنفسهم من خير..
وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» دعوة للمؤمنين أن يلتفتوا إلى أنفسهم أولا، وأن يعملوا على تحصينها من مسارب الضلال، وتزويدها بالمزيد من البر والتقوى.. فإنهم إن أنقذوا أنفسهم أولا كان ذلك كسبا لهم، وللحياة الإنسانية.. وذلك ما ينبغى أن يكون موضع نظرهم، ومحل اهتمامهم أولا، فإن بقي عندهم بعد هذا فضل من قوة لاستنقاذ من إذا مدوا إليه أيديهم استجاب لهم، فعلوا، وإلا كان عليهم أن ينجوا بأنفسهم، وألّا يكونوا كمن يمد يده إلى غريق يأبى إلا أن يموت غرقا، فيهلك ويهلك من أعطاه يده.
وهذا، لا يمنع المؤمن أن يكون رسول خير وهدى إلى الناس، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، فهذا من دعوة الإسلام له، ومن حق العباد عليه.
ولكن لن يكون ذلك بالذي يذهله عن نفسه، ويشغله عن مطلوبها منه، فى تحصيل ما يقدر عليه من البر والتقوى.
فالآية لا تعنى أبدا أن يعتزل المسلم الناس، وأن يعيش لنفسه وفى داخل نفسه، ومن فهمها على هذا الوجه فقد أخطأ الفهم، وجانب الصواب..
وإنما الآية دعوة إلى النّجاة بالنفس فى الحال التي يواجه الإنسان فيها سرّا صارحا، وضلالا، متكاثفا، بحيث لا يصل إلى الآذان صدى من كلمة حق تقال، ولا ينفذ إلى العيون لمعة من مصباح هدى يضىء..
روى أن أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال
صلوات الله وسلامه عليه: «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحّا مطاعا، وهوى متّبعا، وإعجاب كلّ ذى رأى برأيه، فعليك بخويصة نفسك، ودع الناس وعوامّهم» ..
وتجد فى قول الرسول الكريم، وفى تلك الكلمات الموجزة، أوضح بيان وأبلغ بلاغ فى الدلالة على مفهوم الآية الكريمة..
ففى قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر» هكذا بخطاب الجمع، هو دعوة عامة للمسلمين جميعا، أن يكون أمرهم بينهم قائما على هذا الدستور: الائتمار بالمعروف، والتناهى عن المنكر..
وفى قوله صلوات الله وسلامه عليه: «حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة وشحّا مطاعا وهوى متّبعا، وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بخويصّة نفسك ودع الناس وعوامهم» . فى هذا بيان لموقف آخر من موقف المسلم فيما هو مطلوب منه، من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفى كلمة «حتى» إشارة إلى تلك الغاية التي يصل إليها المسلم، ويقف عندها على النظر إلى خاصة نفسه، وذلك حين يستشرى الفساد، ويطبق الظلام، ويتلفت إلى الناس من حوله، فإذا هم على طريق وإذا هو على طريق.. ولهذا جاء الخطاب بلفظ المفرد، «حتى إذا رأيت» الذي يشعر بأنه يقف وحده، جبهة مواجهة لهذا البلاء لجارف، الذي إن لم يأخذ فيه لنفسه حذرها، جرفه التيار، وغرق مع المغرقين.