الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّهُ كَانَ يَقُول الشّعْر ويجيز عَلَيْهِ ومجلسه مجْلِس ندماء وأدباء وَلكنه خدع وَعمل عَلَيْهِ حَتَّى وَقع فِي قَبْضَة التتار فَذَهَبُوا بِهِ الى هولاكو فَأكْرمه ثمَّ غضب عَلَيْهِ فَقتله سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة
قَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة فِي تَارِيخه بني النَّاصِر بِدِمَشْق دَاخل بَاب الفراديس مدرسة فِي غَايَة الْحسن ووقف عَلَيْهَا اوقافا جليلة وَبنى فِي بجبل الصالحية رِبَاطًا وتربة ومدرسة وَهِي عمَارَة عَظِيمَة مَا عمر مثلهَا أحضر لَهَا من الرخام والأحجار شَيْئا كثيرا وَغرم عَلَيْهَا اموالا عَظِيمَة ونهر يزِيد جَار فِيهَا
الخانقاه الناصرية الثَّانِيَة
كَانَت بدرب خلف قاسارية الصّرْف وَكَانَت دَارا للسُّلْطَان صَلَاح الدّين لما كَانَ واليا على دمشق وَهَذِه القاسارية عمرها الْملك الْمُؤَيد بِالْحِجَارَةِ وَجعل فِيهَا مخازن وطباقا وَجعل بَعْضهَا للجهة الَّتِي كَانَت مَوْقُوفَة عَلَيْهَا قَالَه ابْن قَاضِي شُهْبَة
تَرْجَمَة واقفها
هُوَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين الْملك النَّاصِر ابو المظفر يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي بن مَرْوَان ابْن يَعْقُوب الدويني الأَصْل اول دولة الاكراد وملوكهم وَقد ألف الْعلمَاء المؤلفات فِي سيرته وتاريخه وطرز المؤرخون بِذكرِهِ مؤلفاتهم فَمَا نذكرهُ هُنَا شذرة يسيرَة من مناقبه وسنبسط الْكَلَام فِي الْقسم السياسي من هَذَا الْكتاب ان شَاءَ الله تَعَالَى ونلخص هُنَا من النَّوَادِر السُّلْطَانِيَّة والمحاسن اليوسفية لِابْنِ شَدَّاد وَمن شذرات الذَّهَب لعبد الْحَيّ بن الْعِمَاد وَمن تَارِيخ ابْن خلكان وَمن تاريخي الذَّهَبِيّ وَابْن كثير وَمن كَلَام ابْن الْأَثِير شذرات تلِيق بذلك السُّلْطَان الْعَادِل والكوكب الْمُنِير فَنَقُول
قَالَ ابْن كثير أصل هَذِه الطَّائِفَة من الأكراد وَلَكِن بني أَيُّوب يُنكرُونَ هَذِه النِّسْبَة وَيَقُولُونَ انما نَحن عرب نزلنَا عِنْد الأكراد وتزوجنا مِنْهُم انْتهى وَيُمكن أَن يكون هَذَا صَحِيحا لِأَن الْعَرَب تَفَرَّقت فِي الأقطار بعد الْفَتْح الإسلامي
وَقَالَ ابْن خلكان اتّفق أهل التَّارِيخ على أَن آباه وَأَهله من دوين بِضَم الدَّال الْمُهْملَة
وَكسر الْوَاو وَهِي بَلْدَة فِي آخر عمل اذربيجان من جِهَة آرال وبلاد الكرد وَأَنَّهُمْ أكراد راودية قَبيلَة كَبِيرَة من الأكراد انْتهى
ولد صَلَاح الدّين سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة بقلعة تكريت وَكَانَ وَالِده أَيُّوب واليا بهَا ثمَّ اتّفق لَهُ الِانْتِقَال مِنْهَا الى الْموصل فَكَانَ بهَا مَعَ وَالِده الى أَن ترعرع وَاتفقَ لوالده الإنتقال الى الشَّام وَأعْطِي بعلبك وَأقَام بهَا مُدَّة وَصَلَاح الدّين يتربى تَحت حجر وَالِده ويرتضع ثدي محَاسِن أخلاقه حَتَّى بَدَت مِنْهُ إمارات السَّعَادَة ولاحت لوائح التَّقَدُّم والسيادة فقدمه الْملك الْعَادِل نور الدّين محود بن زنكي وعول عَلَيْهِ وَنظر اليه وقربه وَلم يزل كلما تقدم قدما تبدو مِنْهُ أَسبَاب تقضي تَقْدِيمه الى مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ حَتَّى تعمد أَسد الدّين الْحَرَكَة الى مصر وذهابه إِلَيْهَا فاستصحبه مَعَه عَن كَرَاهِيَة مِنْهُ لمَكَان افتقاره إِلَيْهِ وَجعله مقدم عسكره وَصَاحب رَأْيه وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة فَقَامَ بِمَا عهد إِلَيْهِ أحسن قيام ثمَّ قفل رَاجعا الى الشَّام بعد ان عرف أَسد الدّين أَن مصر بِلَاد بِغَيْر رجال تمشي الْأُمُور فِيهَا بِمُجَرَّد الأيهام والمحال ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة عَاد أَسد الدّين الى مصر وسير السُّلْطَان نور الدّين مَعَه صَلَاح الدّين على كره مِنْهُ وَلم تزل مصر بيد أَسد الدّين حَتَّى مَاتَ بعلة الخوانيق سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فتولاها الْملك صَلَاح الدّين وَلما استتب لَهُ أَمر مصر جعل يَشن الغارات على الافرنج الى الكرك والشوبك وبلادها وَغشيَ النَّاس من سحائب الأفضال وَالنعَم مَا لم يؤرخ من غير تِلْكَ الْأَيَّام هَذَا كُله وَهُوَ وَزِير متابع الْقَوْم وَلكنه مقو لمَذْهَب السّنة غارس فِي أهل الْبِلَاد الْعلم وَالْفِقْه والتصوف وَالدّين وَالنَّاس يهرعون إِلَيْهِ من كل صوب ويفدون عَلَيْهِ من كل حدب وَهُوَ لَا يخيب قَاصِدا وَلَا يعْدم وافدا وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة توفّي السُّلْطَان نور الدّين بعلة الخوانيق وَخَلفه فِي الْملك وَلَده الصَّالح اسماعيل فَلَمَّا تحقق صَلَاح الدّين موت نور الدّين وَأَن وَلَده الصَّالح طِفْل لَا ينْهض بأعباء الْملك وَلَا يسْتَقلّ بِدفع الْأَعْدَاء عَن الْبِلَاد تجهز لِلْخُرُوجِ الى الشَّام مصاحبا جمعا كثيرا من العساكر وَأقَام بِمصْر من يقوم بحفظها وَسَار مَعَ جمع من أَهله وأقاربه الى أَن دخل دمشق بِالتَّسْلِيمِ سنة سبعين وَلم يشق عَلَيْهِ عَصا وتسلم قلعتها قَالَ فِي شذرات الذَّهَب فِي حوادث سنة سبعين وفيهَا قدم صَلَاح الدّين فَأخذ دمشق بِلَا ضَرْبَة وَلَا طعنة وَسَار الصَّالح اسماعيل بن نور الدّين مَعَ حَاشِيَته الى حلب ثمَّ سَار صَلَاح الدّين فحاصر حمص بالمجانيق ثمَّ سَار فَأخذ حماه وحاصر
حلب وأساء الْعشْرَة فِي حق آل نور الدّين ثمَّ رد وتسلم حمص ثمَّ عطف الى بعلبك وتسلمها
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه ملك صَلَاح الدّين الْبِلَاد ودانت لَهُ الْعباد وَأكْثر من الْغَزْو وَكسر الإفرنج مَرَّات وَكَانَ شَدِيد الهيبة محببا الى الْأمة عالي الهمة انْتهى وَأعظم مَا ابتهجت بِهِ الْأمة من فتوحاته فتح بَيت الْمُقَدّس بعد أَن مكث بيد الإفرنج نيفا وَتِسْعين سنة وَقَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة فِي تَارِيخ الْإِسْلَام كَانَ شجاعا سَمحا جوادا مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله يجود بِالْمَالِ قبل الْوُصُول إِلَيْهِ وَكَانَ مغرما بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيل الله وَكَانَ لَا يلبس إِلَّا مَا يحل لَهُ لبسه وَمن جالسه لَا يعلم انه جليس سُلْطَان وَكَانَ شَدِيد الرَّغْبَة فِي سَماع الحَدِيث مَا شتم أحدا قطّ وَلَا كتب بِيَدِهِ مَا فِيهِ أَذَى مُسلم فتح الديار المصرية والحجاز وَمَكَّة وَالْمَدينَة واليمن من زبيد الى حَضرمَوْت مُتَّصِلا بِالْهِنْدِ وَمن الشَّام دمشق وبعلبك وحمص وبانياس وحلب وحماه وَمن السَّاحِل بِلَاد الْقُدس وغزة وتل الصافية وعسقلان ويافا وقيسارية وحيفا وعكا وطبرية والشقيف وصفد وكوكب والكرك والشوبك وصيدا وبيروت وجبلة واللاذقية والشقر وصهيون وبلاطنس وَمن الشرق حران والرها والرقة وَرَأس عين وسنجار ونصيبين وسروج وديار بكر وميافارفين وآمد وحصونها وَشهر زور وَيُقَال انه فتح سِتِّينَ حصنا وَزَاد على نور الدّين بِمصْر وَالْمغْرب والحجاز واليمن والقدس والساحل وديار بكر وبلاد الإفرنج وَلَو عَاشَ عمرا طَويلا لفتح الدُّنْيَا شرقا وغربا وبعدا وقربا وَلكنه لم يبلغ سِتِّينَ سنة
قَالَ ابْن الْأَثِير وَيَكْفِي دَلِيلا على كرمه انه لما مَاتَ لم يخلف فِي خزانته غير دِينَار وَاحِد صوري وَأَرْبَعين درهما ناصرية وَقَالَ فِي آخر تَرْجَمته وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ نَادرا فِي عصره كثير المحاسن وَالْأَفْعَال الجميلة عَظِيم الْجِهَاد فِي الْكفَّار وفتوحه تدل على ذَلِك وَخلف سَبْعَة عشر ولدا ذكرا انْتهى
وَقَالَ الفيلسوف عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ فِي رحلته أتيت الشَّام وَكَانَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين بالقدس فَأَتَيْته فَرَأَيْت ملكا عَظِيما يمْلَأ الْعُيُون روعة والقلوب محبَّة قَرِيبا بَعيدا محببا وَأَصْحَابه يتشبهون بِهِ ويتسابقون الى الْمَعْرُوف وَأول لَيْلَة حَضرته وجدت مَجْلِسا محفوفا بِأَهْل الْعلم يتذاكرون فِي أَصْنَاف الْعُلُوم وَهُوَ يحسن الإسماع
والمشاركة وَيَأْخُذ فِي كَيْفيَّة بِنَاء الأسوار وحفر الْخَنَادِق وَيَأْتِي فِي ذَلِك بِكُل معنى بديع وَكَانَ مهتما بِبِنَاء سور بَيت الْمُقَدّس وحفر خندقه يتَوَلَّى ذَلِك على عَاتِقه وينقل الْحِجَارَة بِنَفسِهِ ويتأسى بِهِ جَمِيع النَّاس الْأَغْنِيَاء والفقراء والأقوياء والضعفاء حَتَّى الْكَاتِب وَالْقَاضِي الْفَاضِل ويركب لذَلِك قبل طُلُوع الشَّمْس الى وَقت الظّهْر فَيَأْتِي دَاره ويمد السماط ثمَّ انه يستريح ويركب وَقت الْعَصْر وَيَأْتِي على ضوء المشاعل وَيصرف أَكثر اللَّيْل فِيمَا يعْمل نَهَارا وَكَانَ يحفظ ديوَان الحماسة وَأطَال الْبَغْدَادِيّ فِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَسيرَته أفردت بالتأليف وأكثرها مطبوع كالروضتين لأبي شامة وَسيرَته للغزي والنوادر السُّلْطَانِيَّة والمحاسن اليوسفية للْقَاضِي بهاء الدّين الْمَعْرُوف بإبن شَدَّاد وَسيرَته للعماد الْكَاتِب وَغَيره مِمَّا هُوَ مَعْرُوف ومشهور
قَالَ ابْن شَدَّاد فِي النَّوَادِر مَا خلاصته أَن السُّلْطَان لما دنا وَقت رحيله الى دَار الْبَقَاء وجد فِي جِسْمه كسلا عَظِيما فَمَا انتصف اللَّيْل حَتَّى غَشيته حمى صفراوية كَانَت فِي بَاطِنه أَكثر من ظَاهره وَأصْبح الصَّباح وَهُوَ متكاسل عَلَيْهِ أثر الْحمى وَلم يظْهر ذَلِك للنَّاس ثمَّ أَخذ الْمَرَض يتزايد الى أَن انْتهى لغاية الضعْف وَلما مضى على مَرضه أحد عشر يَوْمًا وَتحقّق النَّاس مَوته أسْرع وَلَده الْأَفْضَل فِي تَحْلِيف النَّاس واستحضر الْقُضَاة وَعمل لَهُ نُسْخَة يَمِين مختصرة محصلة للمقاصد هَذَا وَلم يزل الْحَال يشْتَد بالسلطان صَلَاح الدّين الى ان توفّي الى رَحْمَة الله وغفرانه بعد صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ يَوْمًا شَدِيدا على الاسلام وَالْمُسْلِمين
وَقَالَ صَاحب حماة فِي تَارِيخه لما مَاتَ السُّلْطَان غسله الْفَقِيه الدولعي خطيب دمشق وَأخرج بعد صَلَاة الظّهْر فِي تَابُوت مسجى بِثَوْب وَجَمِيع مَا احتاجه من الثِّيَاب فِي تكفينه أحضرهُ القَاضِي الْفَاضِل من جِهَة حل عرفهَا وَصلى النَّاس عَلَيْهِ وَدفن فِي قلعة دمشق فِي الدَّار الَّتِي كَانَ مَرِيضا فِيهَا ثمَّ أَن الْملك الْأَفْضَل عمل لوالدته تربة قرب الْجَامِع وَنقل اليها السُّلْطَان يَوْم عَاشُورَاء سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة فدفنه بهَا انْتهى وَيُقَال انه دفن مَعَه سَيْفه الَّذِي كَانَ يحضر بِهِ الْجِهَاد وَتقدم بعض من سيرته فِيمَا مضى من هَذَا الْكتاب قَرَأت فِي تَارِيخ المحبي مَا صورته ان ابراهيم باشا ابْن عبد المنان الْمَعْرُوف بالدفتردار نزيل دمشق بنى حَماما بِالْقربِ من تربة