الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونذكر بصفة خاصة "كتاب الإشارة إلى محاسن التجارة" للدمشقى، انظر Ein arabisches Handbuch der Handelswissenschaft: H. Ritter (Isl جـ 7، ص 1 - 19). أما عن وظيفة المشرف على السوق وبعض الأحاديث المتصلة بالسوق انظر كتاب فنسنك J.Wensinck: Aspects of Gender in the Semitic Some Languages مادة سوق.
الشنتناوى [بلسنر M.Plessner]
"
السوق" (الجمع أسواق): لقد ناقشنا كل الآراء المتصلة بمعنى السوق فى المادة السابقة. وما من حاجة تدعونا إلى أن نعيد فيها النظر فى هذا المقام. على أن ثمة ملحوظات قليلة خاصة بأهمية السوق فى تاريخ الإسلام المبكر يقتضى الأمر فيما يظهر أن نوردها هنا، وسنقصر هذه الملحوظات على أماكن الأسواق القديمة وقيام أسواق المدن
.
وسوق عكاظ هو أشهر الأسواق العربية القديمة لما كان له من شأن فى الشعر. أما الأسواق الأخرى المرتبطة به وهى ذو المجاز، ومجَنّة، وحُبَاشة إلى حد ما، فإن من العسير تقدير مكانتها على وجه الدقة. ولدينا عن سوق عكاظ صورة أكثر من ذلك وضوحًا، ويمكن أن نتخذها من عدة وجوه مثالا للأسواق القديمة.
لقد جرت العادة بأن يختار للسوق المشتركة بين القبائل مكان يمكن رؤيته من مسافة بعيدة، عند ملتقى الطرق، وفى أرض محايدة إن أمكن.
وقد تحققت جميع هذه الشروط فى سوق عكاظ، فقد كانت تقوم فى سهل كبير عرضه عشرة أميال إلى الجنوب الشرقى من مكة وعلى مسيرة ثلاثة أيام منها ويوم واحد من الطائف، وكانت تابعة لها. وكانت تجتمع فى سوق عكاظ قبائل الشمال والجنوب العربية للاتجار مع قبائل نجد. وتخرج منها الطرق الذاهبة إلى اليمن والشام والخليج الفارسى وبابل. وكانت عكاظة نفسها قرية لا تكاد تستأهل الذكر تخلو من السكان إلا فى وقت انعقاد السوق، كما كانت أكثر صلاحية للتجارة الدولية من مكة مثلا. وكان يرتبط بهذه السوق فى كثير من الأحيان اجتماعات أخرى
تعقد لأغراض غير هذه، نذكر منها بصفة خاصة الاحتفالات الدينية الموسمية التى كانت الأسواق تنظم من أجلها (انظر الكلمة الألمانية " Messe" بمعنى السوق أو المعرض). وكانت تعقد بين القبائل فى هذه المواسم هدنة (هدنة السوق). وقد كانت الأسواق العربية فى الأصل أماكن للعبادة ثم عفى عليها النسيان بازدياد شأن الحرم المكى. وكان بعكاظ أنصاب وحرم، ويجرى الطواف حول الحجارة بالقرب منها فى أثيداء. وزال كل أثر لهذه العبادة فى عهد النبى [صلى الله عليه وسلم] وتضاءل شأن الأسواق شيئًا فشيئًا من الناحية الدينية بسبب الحج إلى مكة إلا انها استفادت من نواح أخرى لقربها من مكة. وكانت الأسواق فى نظر معظم الحجاج هى الغرض الأكبر: ذلك أن كلمة مواسم كانت عندهم تكاد ترادف كلمة مناسك، وقد شرعت الأشهر الحرم الأربعة للحث على غشيان الأسواق، وهى الأشهر التى لا يستحل فيها القتال. ولو لم يشرع ذلك لعرقلت شرعة الأخذ بالثأر تجارة بلاد العرب، وكان للأسواق علاوة على شأنها التجارى والدينى جانبها الاجتماعى والسياسى، فقد كانت تنظم فيها العلاقات بين القبائل على أساس من الحيدة ويجد فيها الشاعر أيضًا جمهورًا يستمع إلى مدائحه وأهاجيه (وهناك وصف بارع لمشاهد عكاظ فى كتاب Messe: Wellhausen ص 88). ومن المعلوم أنه كان يقام فى الشهرين الأخيرين من العام بعد انعقاد سوق عكاظ، أسواق أخرى فى المواسم معينة بأرباض عكاظ، ولكنا لا نعلم إلا النزر اليسير عن هذه المواسم الأخرى من مواسم الحج. والظاهر أنها كانت أسواقا من الدرجة الثانية، ذلك أن عكاظ كانت تسمى بالسوق الكبرى وإليها تفد القبائل من جميع بلاد العرب. وكان يوجد بهذه السوق سلع آتية من جهات بعيدة ولا يسهل الحصول عليها من جهات أخرى. وقد جرت عادة الحكام الأجانب على إرسال البضائع إلى هذه السوق، وكان يلتقى فيها أمراء التجار لتبادل التجارة. وعكاظ من حيث التجارة هى التى يطلق عليها بحق اسم "السوق".
وكان ما تتيحه الأسواق لمركز تجارى كمكة من تيسير منتظم لأسباب المواصلات شأنا عظيمًا بالنسبة لها. وقد كانت هذه الأسواق خارج منازل قريش إلا أنها استطاعت أن تفيد من هذه الأسواق المجاورة لها أكبر الفائدة، وانتهى بها الأمر إلى إدخالها فى نطاق التجارة بمدينتها الخاصة. ومن هنا قل شأن هذه الأسواق شيئًا فشيئا. وقد ذكرت الروايات أن أول مرة لم يقيض لسوق عكاظ الانعقاد فيها كانت سنة 129 هـ (746 - 747 م) عندما احتل الخوارج بزعامة أبى حمزة المختار بن عوف الأزدى مدينة مكة (الأزرقى، طبعة فستنفلد، ص 131). على أن الثابت أنه حدث قبل ذلك بوقت طويل، بعد أن أبطل الإسلام الأشهر الحرم، أن ازدادت مخاطر الطرق زيادة جعلت زوار السوق يخشون على حياتهم وأموالهم. وقد دفعت فتوح المسلمين بصفة خاصة العرب إلى بلاد قاصية فيما وراء حدود شبه الجزيرة العربية فوجدوا فى هذه البلاد مراكز تجارية أكثر ملاءمة لهم من سوق عكاظ التى أصبحت وقتئذ بعيدة عليهم فضلا عن أنه لم يكن من الميسور لهم الوصول إليها إلا بطريق البر. وأدى غزو العراق إلى فتح طريق مباشر إلى الهند، ومن ثم تجنبت التجارة الطريق الدائرى الذى يجتاز صحراء العرب.
ولم تكن مواسم الحج هى الأسواق الوحيدة فى ذلك العهد المتقدم. ذلك أننا نجد فى الأثبات الخاصة بأسواق العرب ذكرًا لأربع عشرة سوقًا أخرى تدخل فيها دائمًا سوق عكاظ، على أن هذه الأسواق تختلف عنها كل الاختلاف. ويقال إن نظامها كان فى بعض الأحيان يجرى على أن تتلو السوق منها الأخرى وأنه كان من الميسور زيارة سوق أو سوقين فى كل شهر (انظر على سبيل المثال شيخو: المشرق، جـ 19، سنة 1921، ص 446). ومهما يكن من شئ فإنه كانت تقوم علاوة على أسواق الحجاز أنواع أخرى من الأسواق المحلية كان لها شأنها المحلى. وكلمة سوق ترادف فى مدلوها كلمة Market الإنجليزية. ولذلك يصعب علينا فى الحالات الخاصة أن نحدد على وجه الدقة أى نوع من الأنواع يجب أن
نتحدث عنه. فسوق بنى قينقاع وسوق النبيط (انظر La Mecque: Lammens ص 302، تعليق رقم 3) كانتا بلا شك من الأسواق المحلية فى المدينة. وكان يعقد فى الحيرة على سبيل المثال سوق سنوى (انظر كتاب الأغانى، جـ 16 ص 99، س 8). وكان ثمة أماكن صغيرة لم تكن تعرف إلا بأسواقها، وأصبحت كلمة سوق (أو تصغيرها سويقة) جزءًا من اسم هذه الأماكن.
ومن المعروف أن المدن الأولى التى خطها العرب مثل البصرة والكوفة والفسطاط كانت مجرد معسكرات حربية كبرى على حافة الصحراء. ولم يعمل حساب للأسواق فى خطة هذه المدن الأصلية. وجاء فى الأخبار أن الشعراء كانوا يعقدون فى مربد (وهى محطة للقوافل على بعد ثلاثة أميال تقريبًا إلى الغرب من البصرة) إبان إنعقاد أسواقها الكبيرة مفاخرات بالشعر كما كانت الحال فى عكاظ. ويمكن أيضًا أن نقارن بوجه من الوجوه سوق بغداد بسوق عكاظ، وهى سوق كانت تعقد كل سنة فى موقع مدينة بغداد، (انظر الطبرى، جـ 1، ص 223 وما بعدها). وقد قامت مدن كثيرة فى الساحات التى كانت تعقد فيها الأسواق مثل مدينة الأهواز. وتاريخ بغداد مثل طيب للسوق التى نمت حتى أصبحت مدينة. وكانت أسواق بغداد تقوم فى الأصل فى مدينة المنصور المدورة ولكنه أقام لها ضاحية الكرج الجنوبية. وقد سنت فى عهد اليعقوبى بالفعل (278 هـ = 891 م) سنة تقسيم التجارات أقسامًا محددة مستقلة برأسها كما هى الحال فى المشرق حتى الآن. وكان لكل تجارة سوقها الخاصة التى تحمل اسمها (أو اسم منشئ السوق مثل سوق عبد الواحد). وكان فى سوق الوارقين نيف ومائة دكان لبيع الكتب. فلما ازدهرت المدينة الشرقية أصبح سوق الثلاثاء، على نهر المصلى، مركزا للتجارة. ويقول أبو الفداء:(Geographie باريس 1840 م ص 592) إن هذه السوق يرجع تاريخها إلى ما قبل تشييد مدينة بغداد، وكانت تعقد فى أول الأمر مرة فى الشهر يوم الثلاثاء. وقد امتدت سوق الثلاثاء فى زمن ابن بطوطة (727 هـ = 1327 م)