الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابدا تحن إليكم الأرواح
…
ووصالكم ريحانها والراح
ولكن الشهرزورى قد أثبت فى هذا الباب منظومات أخرى تتفاوت طولا وقصرا.
مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق
ليس من شك فى أن آثار السهروردى الكثيرة التى أثبتناها آنفا إن دلت على شئ فهى إنما تدل على ما كان عليه ذلك الحكيم الإشراقى من ثقافة فلسفية واسعة، وحكمة إشراقية رائعة، وعلى ما كان يمتاز به من نظر عقلى دقيق، وذوق صوفى رقيق. وليس من شك أيضا فى أن كتابه الموسوم "حكمة الإشراق" هو المرآة الصادقة التى تتجلى على صفحاتها عناصر مذهبه وخصائص عقله وذوقه: ذلك بأن هذا الكتاب هو أجمع مصنفات السهروردى لمذهبه، وأشملها للعناصر الإشراقية التى يتألف منها هذا المذهب، وأدلها على المعانى الحقيقية التى ينطوى عليها، والمنازع التصوفية والفلسفية التى ينزع إليها. ويتبين هذا كله إذا عرفنا أن كتاب "حكمة الإشراق" ينقسم إلى قسمين: قسم تناول فيه السهروردى المنطق، وجعله من القسم الثانى بمثابة التمهيد، إذ عرض فيه لأمور هى عنده مقدمات لمطالب فى القسم الثانى؛ وقسم خصصه للأنوار الإلاهية. وقد جعل السهروردى عنوان القسم الأول "ضوابط الفكر"، وجعله فى مقالات ثلاث: المقالة الأولى فى المعارف والتعريف، المقالة الثانية فى الحجج ومبادئها، والمقالة الثالثة فى المغالطات وبعض الحكومات بين أحرف إشراقية وبين بعض أحرف مشائية. وجعل السهروردى عنوان القسم الثانى "الأنوار الإلاهية، ونور الأنوار، ومبادئ الوجود وترتيبها"، وجعله فى مقالات خمس: المقالة الأولى فى النور وحقيقته، ونور الأنوار وما يصدر عنه أولا، والمقالة الثانية فى ترتيب الوجود، والمقالة الثالثة فى كيفية فعل نور الأنوار؛ والأنوار القاهرة، وتتميم القول فى الحركات العلوية؛ والمقالة الرابعة فى تقسيم البرازخ وهيئاتها وتركيباتها وبعض قواها، والمقالة الخامسة فى المعاد والنبوات والمنامات.
على أن شيخ الإشراق، وإن كان مقبلا على الفلسفة وأنظارها، ومعنيا بالمنطق هذه العناية الفائقة التى يظهرنا عليها القسم الأول من كتابه "حكمة الإشراق" وغير هذا الكتاب من كتبه الأخرى التى أحصيناها فيما سبق، فهو قد وقف من أفلاطون موقف المخالف فى بعض المسائل، ووقف من أرسطو وأتباعه من المشائين موقف الناقد المجرح لآرائهم فى بعض المسائل الأخرى: فالمنطق الأرسططاليسى الذى يفرد له السهروردى أقساما خاصة من مصنفاته العدة، لم يسلم من نعيه عليه، ونقده له، بما يبين نقصه وعمقه وعجزه عن أن يضيف إلى معارفنا معرفة جديدة: فالتعريف مثلا، وهو كما وضع قواعده المعلم الأول بالجنس والفصل، ليس أداة منتجة فى طريق المعرفة، ذلك بأن شيخ الإشراق يرى أن الخاصة المميزة للشئ المعرف لا تظهرنا على حقيقة هذا الشئ المعرف فنحن حين نعرف الحصان مثلا نعرفه بأنه حيوان صاهل. فأما الحيوانية فمفهومة لدينا لأننا نعرف حيوانات كثيرة توجد فيها هذه الخاصة؛ وأما الصاهل فأمر ليس مفهوما بعد، لأنه لا يوجد إلا فى الشئ المعرف به وهو الحصان؛ ومن هنا كان تعريف الحصان بأنه حيوان صاهل خلوا من المعنى لدى الشخص الذى لم يكن قد رأى حصانا قط؛ ومن هنا أيضا كان التعريف الأرسططاليسى مبدأ عقيما قليل الجدوى فيما يتعلق بالمعرفة. ولقد لاحظ الدكتور محمد إقبال أن السهروردى فى نظره إلى تعريف أرسطو على هذا الوجه، كان أسبق من أحد المناطقة المعاصرين وهو بوزانكيه Develipment of Metaphysics in Persia: M.Iqbal) Bosanquet ص 125) وينتهى السهروردى إلى أن التعريف الصحيح هو الذى يحصى فيه كل الخصائص الذاتية التى إذا أخذت جملة لم توجد إلا فى الشئ المعرف، ولو أنها قد توجد فرادى فى أشياء أخرى.
على أن نقد السهروردى لمنطق المعلم الأول، ولغير المنطق من العلوم والآراء الفلسفية عند هذا المعلم الأول وعند غيره من الفلاسفة السابقين عليه أو اللاحقين به، لا يعنى أن حكيم الإشراق كان ينكر على المنطق والفلسفة مالهما
من آثار بعيدة فى تكوين طلاب الحكمة وتثقيفهم: فطالب الحكمة عنده لابد من أن يكون على علم تام بالمنطق والفلسفة والتصوف، ولابد من أن يتعاون فيه العقل والذوق، إذ العقل الذى يروى ويفكر وحده دون أن يكون له مؤيد من الذوق، ليس من الثقة فيه والاطمئنان إليه بحيث ينتفى فيه كل شك وتزول عنه كل شبهة وآية هذا كله فى مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق هى أن هذا المذهب إنما هو فى جملته وتفاصيله جمع أو ازدواج وتزاوج بين الفلسفة والتصوف، أو بين الحكمة البحثية والحكمة الذوقية. وقد عبر الشهرزورى عن ذلك الجمع بين هاتين الحكمتين، وعن منزلة السهروردى فيهما؛ وذلك إذ يقول عنه "جمع بين الحكمتين، أعنى الذوقية والبحثية. أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من سلك سبيل اللَّه عز وجل، وراض نفسه بالأذكار المتوالية، والمجاهدات المتتالية، رافضًا عن نفسه التشاغل بالعالم الظلمانى، طالبا بهمته العالية مشاهدة العالم الروحانى، فإذا استقر قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات أستاره، حتى ظفر بمعرفة نفسه، ونظر بعقله إلى ربه، ثم وقف بعد هذا على كلامه، فيعلم حينئذ أنه فى المكاشفات الربانية آية، والمشاهدات الروحانية نهاية. . . وأما الحكمة البحثية فإنه أحكم شأنها، وشيد أركانها وعبر عن المعانى الصحيحة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة. وأتقنها إتقانا لا غاية وراءه. . . "(الشهرزورى: نزهة الأرواح، ص 230 - 231).
ولعل أدل ما يدل على أن مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق قد أقيم على دعائم من العقل والذوق معا، هو ما يحدثنا به السهروردى نفسه فى مقدمة كتابه "حكمة الإشراق" من أن ما حصل له لم يحصل بالفكر. بل كان حصوله بأمر آخر، ثم طلب الحجة عليه، حتى لو قطع النظر عن الحجة مثلا، ما كان يشككه فيه مشكك، لأن ما يذكر من علم الأنوار وجميع ما يبتنى عليه، يساعده عليه كل من سلك سبيل اللَّه عز وجل؛ وما يحدثنا به أيضا من أن منهجه فى "حكمة الإشراق" هو ذوق إمام الحكمة "أفلاطون" الذى يلقبه
بصاحب الأيد والنور، وما يعدده بعد هذا من المصادر التى استقى منها حكمته، وأنها كانت هرمس وأنبا ذوقليس وفيثاغورث، وأن هذا هو الأساس الذى تقام عليه قاعدة الإشراق فى النور والظلمة التى كانت طريقة حكماء الفرس مثل جاما سف وفرشا وشتر وبزرجمهر ومن قبلهم، وأن هذه القاعدة ليست قاعدة كفرة المجوس وإلحاد مانى وما يفضى إلى الشرك باللَّه تعالى وتنزه (حكمة الإشراق: طبعة هنرى كوربان، 1952، ص 10 - 11). وهاهنا يصطنع السهروردى فى التعبير عن مذهبه فى حكمة الإشراق رموزا خاصة يدل بها على المعانى التى يعنيها مما يسميه علم الأنوار: فهو يأخذ بالتقابل بين النور والظلمة، ويرمز إلى الروحانى بالنورانى، وإلى المادى بالظلمانى، وإلى العقول بالأنوار، وإلى عقول الأفلاك بالأنوار القاهرة، وإلى النفوس بالأنوار المدبرة، وإلى الأجسام بالبرازخ، وإلى اللَّه بنور الأنوار، إلى غير ذلك من الرموز الكثيرة التى حفل بها كثير من مصنفاته ومنظوماته، وكلها يظهرنا فى وضوح وجلاء على أن تسميته لحكمة الإشراق بهذا الاسم أو باسم علم الأنوار، إنما ترجع إلى ذلك التقابل بين النور والظلمة على الوجه الذى لا يخفى وراءه تأليه النور والظلمة على مذهب زرادشت أو مذهب مانى. وإنما كل أولئك عنده رموز يعبر بها عن حقائق وجودية، وعن صلة هذه الحقائق بعضها ببعض، وتأثير بعضها فى بعض، وترتيب بعضها درجات فوق بعض أو دون بعض.
ولكى نعرف منزلة حكمة الإشراق السهروردية بين الحكمتين البحثية والذوقية، يحسن أن نقف مع شيخها عند تصنيفه لمراتب الحكماء من ناحية، ومراتب طلاب الحكمة من ناحية أخرى:
فالحكماء عند السهروردى مراتب: حكيم إلاهى متوغل فى التأليه عديم البحث. وهو كأكثر الأنبياء والأولياء من الصوفية (1) أمثال أبى يزيد البسطامى، وسهل بن عبد اللَّه التسترى، والحسين ابن منصور الحلاج؛ وحكيم بحاث عديم التأله. وهو كالمشائين من أتباع
(1) انظر التعليق على الصفحة التالية [م. ع]
أرسطو فى المتقدمين، وكالفارابى وابن سينا فى المتأخرين؛ وحكيم إلاهى متوغل فى التأله والبحث، وهذا هو الحكيم الإشراقى الذى يجمع بين الحكمتين الذوقية والبحثية على نحو السهروردى نفسه؛ وحكيم إلاهى متوغل فى التأله متوسط فى البحث؛ وحكيم إلاهى متوغل فى التأله ضعيف فى البحث؛ وحكيم متوغل فى البحث متوسط فى التأله؛ وحكيم متوغل فى البحث ضعيف فى التأله، وليس من شك فى أن أرقى هذه المراتب وأسماها هى مرتبة الحكيم الإلاهى المتوغل فى التأله والبحث جميعا (1) (حكمة الإشراق: ص 11 - 12).
وكذلك طلاب الحكمة فهم مراتب أيضا: طالب للتأله والبحث؛ وطالب للتأله فحسب، وطالب للبحث فحسب. وأجود الطلاب هو من غير شك طالب التأله والبحث ومن هنا قال السهروردى إنه كتب كتابه "حكمة الإشراق" لطالبى التأله والبحث؛ أما الباحث الذى لم يتأله، أو الطالب الذى لم يطلب التأله والبحث جميعا، فليس له فى هذا الكتاب نصيب (حكمة الإشراق: ص 12).
ولقد كانت حياة السهروردى الروحية طالبا للعلم أو حكيما للإشراق، صورة صادقة لطالب التأله والبحث من ناحية، وللحكيم الإلاهى المتوغل فى التأله والبحث معا من ناحية أخرى، وذلك على الوجه الذى بيناه مفصلا فى بحثنا عن حكيم الإشراق وحياته الروحية (الدكتور محمد مصطفى حلمى: حكيم الإشراق وحياته الروحية، مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة، المجلد الثانى، ديسمبر سنة 1950، ص 59 - 91).
فإذا أوغلنا مع السهروردى فى أعماق مذهبه الإشراقى، ألفينا هذا المذهب يدور عنده على محور واحد هو النور، وألفينا لهذا النور مراتب هى فى حقيقتها مراتب الوجود من أعلاها إلى أدناها: فالمبدأ الأول لكل وجود هو النور القاهر أو النور الأول لكل المطلق؛
(1) يبدو من هذا أنه يضع الحكيم الإشراقى فوق مرتبة الأنبياء (راجع آخر الصفحة السابقة)، ولعل هذا مما أثار على السهروردى ثائرة أهل عصره. [د. مهدى علام]
وحقيقة النور أو ماهيته إنما هى فى ظهوره، وهذا يعنى أن الظهور ليس صفة من الصفات التى تحمل على النور، إذ لو كان ذلك كذلك لترتب عليه ألا يكون للنور فى ذاته ظهور ما، وأن يكون ظاهرا بشئ آخر ظاهر فى ذاته، وهذا محال؛ ومن هنا لم يكن للنور الأول المطلق علة أخرى غير ذاته، وكان كل ما سوى هذا النور الأول المطلق حادثا وممكنا ومفتقرا إليه، بقدر ما هو قديم وواجب وغنى. وقد عبر السهروردى عن حقيقة النور، وذلك إذ يقول:"إن كان فى الوجود ما لا يحتاج إلى تعريفه وشرحه فهو الظاهر، ولا شئ أظهر من النور، فلا شئ أغنى منه عن التعريف"(حكمة الإشراق، ص 106). وإذا كان ذلك هو النور، فإن الظلمة عند حكيمنا ليست إلا عبارة عن عدم النور فحسب، ومن هنا رأى السهروردى أن الشئ ينقسم إلى نور وضوء فى حقيقة نفسه، وإلى ما ليس بنور وضوء فى حقيقة نفسه (حكمة الإشراق، 107 - 108) ولقد أظهرنا السهروردى على حقيقة نور الأنوار من خلال الصفات التى وصفه بها: فنور الأنوار نور محيط، لأنه يحيط بجميع الأنوار لشدة ظهوره وكمال إشراقه ونفوذه فيها للطفه؛ وهو قيوم لقيام الجميع به؛ وهو مقدس لأنه منزه عن جميع صفات النقص؛ وهو الأعظم الأعلى إذ لا أعظم ولا أعلى منة بين الأنوار جميعا؛ وهو قاهر لأنه يقهر ما دونه من الأنوار، وذلك لشدة إشراقه وقوة لمعانه؛ وهو غنى مطلق إذ ليس وراءه شئ يفتقر إليه، ولا دونه شئ يستغنى عنه؛ وهو قبل هذا كله وبعد هذا كله واحد؛ ومن هنا ينتهى السهروردى إلى نور الأنوار بحكم طبيعته وحقيقته وأحديته، إنما هو واجب الوجود بذاته، وما عداه واجب به ومفتقر إليه، ومستمد وجوده منه.
وهكذا نتبين أن مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق كان بدعا بين الأذواق الصوفية والأنظار الفلسفية كما كان مزاجا من هذه الأنظار وتلك الأذواق خرج منه نسق واحد جديد، أخص خصائصه بين العلوم والفلسفات الإسلامية العمق والطرافة والتجديد.
الدكتور محمد مصطفى حلمى.