المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سوريه (1920 - 1960) - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ١٩

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌سليمان باشا

- ‌المصادر:

- ‌سليمان جلبى

- ‌المصادر:

- ‌سليمان جلبى

- ‌المصادر:

- ‌سليمان بن داود [عليه السلام]

- ‌المصادر

- ‌سليمان بن صرد الخزاعى

- ‌المصادر:

- ‌سليمان بن عبد الملك

- ‌المصادر:

- ‌سليمان بن قتلمش

- ‌ المصادر

- ‌سليمان مولاى أبو الربيع

- ‌المصادر:

- ‌سليمان بن وهب

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌سماع

- ‌المصادر:

- ‌سمرقند

- ‌المصادر:

- ‌السمهودى

- ‌المصادر:

- ‌السموأل

- ‌المصادر:

- ‌سنان

- ‌1 - المساجد الجامعة

- ‌2 - (المساجد الصغيرة أو الزوايا)

- ‌3 - المدارس

- ‌4 - مدارس تحفيظ القرآن الكريم (دار القرّاء)

- ‌5 - الأضرحة

- ‌6 - المستشفيات

- ‌7 - القناطر المعلقة (كمر)

- ‌8 - الجسور

- ‌9 - مطاعم الفقراء (عمارت)

- ‌10 - المخازن

- ‌11 - الاستراحات (كاروان سراى)

- ‌12 - القصور (السرايات)

- ‌13 - الحمامات

- ‌المصادر:

- ‌سنائى

- ‌المصادر:

- ‌الطبعات:

- ‌سنبلية

- ‌سنجر

- ‌المصادر:

- ‌سنجق شريف

- ‌المصادر:

- ‌السند

- ‌المصادر:

- ‌سندباد نامه

- ‌المصادر:

- ‌سنغافورة *

- ‌المصادر:

- ‌سنغال *

- ‌السنة

- ‌المصادر:

- ‌السنوسى

- ‌المصادر:

- ‌السنوسى

- ‌المصادر:

- ‌السهروردى

- ‌المصادر:

- ‌السهروردى

- ‌المصادر:

- ‌تعليق السهروردى وحكمة الأشراق

- ‌1 - حياة السهروردى

- ‌2 - مصنفات السهروردى

- ‌مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق

- ‌السهروردى

- ‌سهل بن هارون

- ‌المصادر:

- ‌سهل التسترى

- ‌المصادر:

- ‌السواد

- ‌المصادر:

- ‌سواكن

- ‌المصادر:

- ‌السودان

- ‌المصادر:

- ‌المصادر: العامة:

- ‌كتب الرحلات والاستكشاف:

- ‌السلالات البشرية:

- ‌اللغة:

- ‌الدين:

- ‌التاريخ: العهد المصرى والعهد الحديث

- ‌تعليق السودان المعاصر

- ‌1 - الوضع السياسى للسودان:

- ‌2 - الاقتصاديات

- ‌المصادر:

- ‌سودة بنت زمعة

- ‌المصادر:

- ‌سورة

- ‌المصادر:

- ‌السوسن

- ‌المصادر:

- ‌السوق

- ‌ السوق" (الجمع أسواق): لقد ناقشنا كل الآراء المتصلة بمعنى السوق فى المادة السابقة. وما من حاجة تدعونا إلى أن نعيد فيها النظر فى هذا المقام. على أن ثمة ملحوظات قليلة خاصة بأهمية السوق فى تاريخ الإسلام المبكر يقتضى الأمر فيما يظهر أن نوردها هنا، وسنقصر هذه الملحوظات على أماكن الأسواق القديمة وقيام أسواق المدن

- ‌المصادر:

- ‌سوكوتو

- ‌سومطرة

- ‌المصادر:

- ‌السويس

- ‌المصادر:

- ‌سيبويه

- ‌المصادر:

- ‌السيد الحميرى

- ‌المصادر:

- ‌السيرافى

- ‌السيرة

- ‌(1) أصل السيرة وطبيعتها

- ‌(2) تصنيف السيرة فى صورتها الأدبية

- ‌المصادر:

- ‌تعليق

- ‌سيرة عنتر

- ‌مضمون السيرة:

- ‌تحليل السيرة:

- ‌المصادر:

- ‌سيف الدولة

- ‌المصادر:

- ‌سيف بن ذى يزن

- ‌المصادر:

- ‌سيف بن عمر

- ‌المصادر:

- ‌السيوطى

- ‌المصادر

- ‌ش

- ‌الشاذلى

- ‌المصادر:

- ‌الشاذلية

- ‌الشاطبى

- ‌المصادر

- ‌شاعر

- ‌الشافعى

- ‌المصادر:

- ‌الشام

- ‌الشام فى عهد العباسيين والفاطميين:

- ‌الشام تحت حكم الفرنجة:

- ‌الشام فى عهد المماليك

- ‌سورية فى عهد العثمانيين:

- ‌سورية اليوم:

- ‌المصادر:

- ‌عهد الفتوح والأمويين:

- ‌العهد العباسى والفاطمى:

- ‌الحروب الصليبية:

- ‌عهد المماليك:

- ‌العهد العثمانى والحديث:

- ‌تعليق

- ‌سوريه (1920 - 1960)

الفصل: ‌سوريه (1920 - 1960)

وبالجملة كل دولة أرادت أن تتخلص من يهودها، فى المسئولية عن ضياع فلسطين ومن تشريد أكثر من مليون عربى.

وهذه صحائف حالكة السواد لا تتسع ملاحظات لتتبع تفصيلها، وإنما أحيل القارئ على ما نشره معهد الدراسات العربية فى هذا الموضوع وأهمها:

أولا: دراسات الأمير مصطفى الشهابى فى القومية العربية وفى الاستعمار.

ثانيا: دراسات الأرمنازى لتاريخ سورية فى عهد الانتداب.

ثالثا: دراسات أحمد طربين فى الوحدة العربية وقضية فلسطين

محمد شفيق غربال

‌سوريه (1920 - 1960)

قضى مؤتمر سان ريمو (19 - 26 ابريل 1920) بوضع المستطيل العربى كله الممتد من البحر الأبيض المتوسط حتى حدود فارس تحت الانتداب، وتقسيم بلاد الشام (سورية الطبيعية) إلى ثلائة أقسام هى: فلسطين ولبنان وما تبقى من سورية الطبيعية؛ وعهد إلى فرنسا بالانتداب على سورية ولبنان، كما عهد إلى انجلترا بالانتداب على فلسطين والعراق بما فيه ولاية الموصل بشرط أن يكون لفرنسا حصة من نفطها.

ومنذ أن أعلنت قرارات مؤتمر سان ريمو سارعت السلطات الفرنسية التى كانت تحتل الساحل السورى إلى العمل على احتلال سورية الداخلية، دون أن تكترث بقرارات المؤتمر السورى فى دمشق الذى كان أعلن استقلال سورية وسيادتها (8 مارس 1920). وقد وجه الجنرال غورو فى 14 يولية إنذارًا إلى الملك فيصل يطلب فيه قبول الانتداب الفرنسى فورًا وإلغاء التجنيد الإجبارى وتسريح الجيشى العربى. وعلى الرغم من رد فيصل بالقبول، فإن غورو احتج بتأخر وصول الرد إليه فى الوقت المحدد -وقد ثبت بطلان هذا الزعم فيما بعد- وأمر قواته بالتقدم نحو دمشق، وفرع السوريون للدفاع عن استقلالهم ضد الغدر بعد تسريح الجيش، فوقعت معركة غير متكافئة القوى قرب خان

ص: 6126

ميسلون (24 يولية 1920). وفى اليوم التالى دخل الفرنسيون دمشق بينما كان الملك فيصل يغادرها، وبذلك بدأ عهد الاحتلال والانتداب.

أما القسم الجنوبى من سورية الممتد من جنوبى درعا حتى خليج العقبة إلى الشرق من نهر الأردن، فقد أدخله مؤتمر سان ريمو فى منطقة إنتداب بريطانيا كجزء من انتدابها على فلسطين.

ولم يلبث أن جاءه الأمير عبد اللَّه بن الحسين (نوفمبر 1920) على رأس قوة من الأتباع والبدو، وأعلن أنه قادم ليأخذ بثار أخيه فيصل، وأنه يعبئ قواه لتحرير سورية. ولكن سرعان ما تدخل الأنجليز حرصا على عدم إغضاب حلفائهم الفرنسيين وأوجدوا للأمير الطموح بعد مؤتمر القاهرة (مارس 1921) إمارة مستقلة عن فلسطين وعن سورية، أصبحت تعرف باسم إمارة شرقى الأردن.

ولم تنتظر فرنسا -التى برهن تقرير لجنة كنغ كراين أن أهالى سورية لا يرغبون فى انتدابها- مصادقة عصبة الأمم على صك انتدابها -وإنما عمدت إلى الجزء الذى وكل اليها أمر "إرشاده وتوجيهه" فقسمته على قاعدة "فرق تسد" واستطاعت أن تخادع الدول فى موضوع انتدابها حتى ظفرت بموافقة عصبة الأمم عليه فى 24 يولية 1922، ولكنها لم تستطع أن تخفى تناقض هذا الصك مع نص الانتداب من حرف (أ) كما تضمنتهما المادة 22 من ميثاق العصبة. فهذا الصك لم يؤخذ فيه رأى سورية من جهة، ومن جهة أخرى لم يمنع فرنسا من اصطناع مختلف أساليب التسلط والقهر لتحقق فى سورية أغراضها وأطماعها.

ومنذ أول سبتمبر 1920 بدأ الاحتلال الفرنسى سياسة التجزئة بإضعاف ما اعتبره حصن المقاومة العربية المسلم "سورية" وتقوية ما حسبه معقل التعاون المسيحى "لبنان"، فأقام ما سماه "لبنان الكبير" من متصرفية جبل لبنان القديمة، مضافًا إليها أقضية أربعة كانت تابعة لسورية فسلخت عنها وهى بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا فضلا عن متصرفيات طرابلس وبيروت وصيدا

ص: 6127

وقسم من قضاء عكار وقضاء حصن الأكراد. تم ذلك على كره من أهالى هذه المناطق التى كانت تسكنها غالبية مسلمة لا ترغب فى الانفصال عن سورية. واستدار الاحتلال إلى تقطيع أوصال سورية الداخلية نفسها فقسمها إلى أربع دول، منفصل بعضها عن بعض تماما وهى: دولة دمشق ودولة العلويين (اللاذقية) ودولة جبل الدروز (السويداء)، ودولة حلب وقد ربط بها سنجق الاسكندرونة بحيث أصبح يتمتع بإدارة خاصة، وغرض الاحتلال من كل ذلك تشجيع النزعات الانفصالية الإقليمية، وتغذية التحاسد وتنمية الأحقاد بين صفوف الشعب الواحد، وعزل سورية عن سواحلها بسور قوامه دولة لبنان الكبير، ودولة العلويين، وسنجق الإسكندرونة، يحكم كلا منها موظف فرنسى يتمتع بسلطات مطلقة.

وبرزت شرور الإدارة الفرنسية فى البلاد، فعاين السوريون كيف أن الفرنسيين تذرعوا بشتى الوسائل لتوطيد نفوذهم وتخليد احتلالهم؛ ففى ميدان التعليم فرضت اللغة الفرنسية فى المدارس وفى ميدان الاقتصاد. أفقرت البلاد فمنيت بركود لم تعرف له ضريبا: مثل نصب الحواجز بين أجزاء سورية، وتدهور الفرنك الفرنسى الذى كان يؤدى إلى تدهور النقد السورى المرتبط به فيسبب خسائر باهظة للخزانة السورية. هذا إلى امتصاص الرصيد الذهبى وجشع المستخدمين الفرنسيين المتزايد للمال، وروايتهم الضخمة وعددهم الوفير. وفى ميدان الإدارة يسجل المنصف تعسفهم وقلة خبرتهم، وإثارتهم للحزازات وتغذيتهم للنزعات الانفصالية والنعرات الطائفية والعنصرية. وبديهى أن يُعبر السوريون عن استيائهم ونقمتهم على هذه الأوضاع الظالمة بثورات واضطرابات مستمرة نذكر منها ما كان من مقتل وزيرين سوريين قبلا تنفيذ بعض مآرب الاحتلال (أغسطس 1920)، وما كان من إطلاق النار على الجنرال غورو نفسه، وتفاقم الثورة فى الشمال، وقيام المظاهرات الضخمة والهتاف بسقوط الانتداب والخونة أثناء زيارة كراين (1922) عضو لجنة الاستفتاء الأمريكية لدمشق،

ص: 6128

وما تبع ذلك من انفعال النفى والعدوان والإرهاق.

ورغب غورو فى تخفيف حدة الاستياء من إدارته فى الداخل وفى الخارج فأقام الاتحاد السورى بين دول دمشق وحلب والعلويين (يونية 1922). ولكن خلفه الجنرال ويغان Weygand عاد فألغى الاتحاد، وقصره على دولتى دمشق وحلب باسم دولة سورية. وحل ارتباط لواء الاسكندرونة بدولة حلب السابقة فخرج عن النطاق السورى منذ يونية 1924. وحل الجنرال سراى Sarrail محل ويغان، وحمل نفسه بادئ الأمر على اتباع سياسة التفاهم، فتقدمت البلاد بمطالب على رأسها الوحدة السورية والاستقلال. غير أن الرجل سرعان ما تنكب جادة الاعتدال، فما إن هرع اليه وفد من الدروز لينصفهم من حاكمهم الفرنسى العاتى حتى رفض مقابلتهم ونفى بعض زعمائهم، فاندلعت نار الثورة (يولية 1925) فى الجبل ومنه انتشرت إلى غوطة دمشق وجبل الشيخ وجبل القلمون، وإلى حماه وأطراف حمص وبعلبك وعكار.

ودخل النضال من أجل الوحدة والاستقلال مرحلة جديدة مع نجاح الثورة السورية واتساعها. وقد شكل الوطنيون حكومة ثورية فى جبل الدروز لتنظيم الثورة وتوجيهها. وفى أكتوبر هاجم الثوار مدينة دمشق ودخلوها من عدة منافذ وحاصروا قصر العظم وقصدوا اعتقال الجنرال سراى. وضاع صواب الرجل وأمر بصب نيران المدافع على دمشق ثلاثة أيام بلياليها لإقصاء الثوار عن المدينة، فلم يجد هؤلاء بدا من الانسحاب صونا للمدينة المجاهدة من التدمير. وبإزاء موجة الاستنكار الدولى العنيف التى نجمت عن هذا العمل الوحشى استدعت فرنسا مفوضها السامى وأذاعت أنها تنوى تعديل سياستها. وأرسلت دجوفنيل Dejouvenel أول مفوض سامى مدنى (نوفمبر 1925) فدعا الثوار إلى الهدوء، ودعاه الثوار إلى تحقيق الوحدة السورية وإقامة حكم وطنى وإجراء انتخابات لوضع الدستور وإعلان العفو العام وتعويض المنكوبين. وأجرى دجوفتيل اتصالاته مع زعماء الثورة فى ساحات القتال حينا، ومع الزعماء القائمين فى دمشق حينا آخر إلى أن تم الاتفاق مبدئيا على أسس معاهدة عرفت باسمه، ولكن الحكومة الفرنسية رفضتها. وقبل أن يترك دوجوفنيل منصبه، أصدر دستور لبنان

ص: 6129

الجديد (مايو 1926) الذى أوجد الجمهورية اللبنانية حتى يقطع أمل الثوار فى المطالبة بالأقضية الأربعة المسلوخة عن سورية. وجاء المفوض الجديد بونسو Ponsot فاختلف مع الوطنيين فى موضوعى الوحدة السورية وحدود لبنان الكبير، ورأى الحكمة فى التسويف والمماطلة، لا سيما وأن القوات الفرنسية كانت تتوارد على البلاد فى حين كانت أعداد الثوار تتناقص وذخيرتهم تنفذ حتى إذا خفت نار الثورة فى أوائل أبريل 1927 وانسحب بعض زعمائها إلى البلاد العربية المجاورة دعى الشعب السورى لانتخاب جمعية تأسيسية تسن له دستورا نيابيا جمهوريا. وفاز الوطنيون فى الانتخابات (أبريل 1928)، وتشكلت جمعية تأسيسية سنت دستورا لم يرض عنه بونسو إلا عندما أضاف إلى مواده مادة تجعل الأمر كله بيده. وتأزمت العلاقات بين الجمعية التأسيسية والمفوض السامى بسبب هذه المادة (116) وانتهى الأمر بحل الجمعية وعودة البلاد إلى السياسة السلبية والنضال الذى استمر حينا حتى تم الاتفاق على إجراء انتخابات لمجلس نيابى تنبثق عنه حكومة تتولى المفاوضة لعقد معاهدة تحل محل صك الانتداب وتعلن سيادة سورية وتدخلها عصبة الأمم. وفى نوفمبر 1931 تألفت حكومة انتقالية للإشراف على الانتخابات برئاسة مندوب المفوض السامى سولومياك، وحاولت السلطة التدخل فيها لمصلحة صنائعها، فقاطع الوطنيون الاقتراع وحدثت اضطرابات دامية فى البلاد؛ وأعيدت الانتخابات فى أبريل 1932 وأسفرت عن نجاح الكتلة الوطنية نجاحا جزئيا. وانتخب محمد على العابد أول رئيس للجمهورية السورية، وعهد إلى رئيس الوزراء حقى العظم بمباشرة المفاوضة مع المفوض السامى لعقد المعاهدة. واجتمع المجلس النيابى الجديد فى يونيه، ولكن الأزمة برزت من جديد عندما تقدم يونسو بمشروع معاهدة صداقة وتحالف، فردها المجلس لأنها تحكم القيد وتضيق على وجه يخالف ما يحق للحليف أن يجده لدى حليفه. وفى أكتوبر 1932 حل الكونت دومارتل De Martel محل بونسو، فوضع مشروع معاهدة جديدة، ولكن المجلس رفضها أيضا (نوفمبر 1933) لأنها لا تحقق الأمانى الوطنية، وحينئذ حل دومارتل المجلس، وراح يصرف

ص: 6130

شؤون البلاد بمراسيم اشتراكية على كره وعداء من الناس. ثم تظاهر بإصلاح الأحوال الاقتصادية، ولم يكترث بعواقب سياسة البطش والتنكيل التى سار عليها، وأفاق بعد سنين ليجد أن إدارته ترتطم بمصاعب جديدة تهددها بالسقوط؛ فالكتلة الوطنية نشطت للعمل، وأصدرت ميثاقا قوميا فى غمرة الألم على وفاة الزعيم إبراهيم هنانو (يناير 1936) يتضمن المطلب التقليدى: الوحدة السورية والاستقلال ومقاومة فكرة الوطن القومى اليهودى، والعمل على اتحاد الأقطار العربية. وقامت فى كل مكان مظاهرات السخط العنيف ضد الفرنسيين، فقابلها هؤلاء بالاعتقال والتشريد والإرهاب. وعبرت دمشق عن ألمها بإعلان إضراب عام دام ستين يوما، خيم على البلاد أثناءه الحزن والاضطراب وأوشكت نار الثورة أن تندلع عقب صدامات دامية بين الشعب وزبانية الاحتلال، ولم يجد دومارتل بدا، بعد أن لمعت بروق التوتر الدولى فى شرقى البحر المتوسط، من الانحناء أمام هذا الإجماع الشعبى المشرف، فأذاع بيانا فتح فيه باب المفاوضة لعقد المعاهدة العتيدة. وفى 9 سبتمبر وقعت معاهدة صداقة بين سوريا وفرنسا لمدة خمسة وعشرين عاما نصت على أن يسود السلم والصداقة والتحالف بين البلدين، وإن يتشاورا فى الشئون الخارجية، وأن ينتدب كل منهما من يمثله لدى البلد الآخر وأن تزيد فرنسا قبول سورية عضوا فى عصبة الأمم، وأن تلحق دولتا جبل الدروز والعلويين بسورية مع احتفاظ كل منهما بإدارة داخلية خاصة. وأجازت المعاهدة لفرنسا أن تحتفظ بقاعدتين جويتين؛ وأن تبقى جيوشها فى منطقتى اللاذقية وجبل الدروز لمدة خمس سنوات، على أن تقدم لها سورية جميع التسهيلات اللازمة.

وفازت الكتلة الوطنية فى الانتخابات التالية وصادق المجلس النيابى السورى على المعاهدة (26 ديسمبر 1936) وبوشر تطبيق بنودها من الجانب السورى. ولكن الاحتلال لم يطق أن تتمتع سورية حتى ببعض المزايا المحدودة التى نصت عليها المعاهدة؛ فراح ينفث سمومه، ويغذى الحركات الانفصالية فى مناطق اللاذقية وجبل الدروز والجزيرة. وبينما كانت موجة التفاؤل بقرب التصديق على المعاهدة من البرلمان الفرنسى تتقدم تارة وتتراجع أخرى، وبرزت مشكلة لواء الإسكندرونة بشكل خطير.

ص: 6131

فقد استفادت تركيا من اضطراب الجو الدولى فطلبت من فرنسا اقتطاع لواء الإسكندرونة من أمة سورية والعمل على ضمه إلى تركيا. ورضخت فرنسا ووافقت حليفتها بريطانيا، وأسهمت السلطات الفرنسية فى تزييف الاستفتاء الذى جرى فى اللواء. ولكن انسحاب لجنة المراقبين الدوليين الذين وكلت إليهم عصبة الأمم الإشراف على عملية تسجيل الأهلين (29 يونية 1938) كشف عن فساد الاقتراع الذى هيأه الترك والفرنسيون، على أثر توقيع اتفاق الصداقة الفرنسى التركى فى 4 يولية 1938. ولكن لم يسفر احتجاج ممثلى العصبة عن شئ، ولم يلتفت إلى اعتراض الأكثرية العربية، واجتمع المجلس "التمثيلى" بعد ذلك وقرر الالتحاق بتركيا (يونية 1939). وبلغت ثورة النفوس فى البلاد الذروة، وندد الرأى العام السورى الذى كان يغلى كالمرجل بانتهاك فرنسا صك الانتداب القائل بوجوب محافظة دولة الانتداب على أراضى الوديعة المقدسة التى وكلت إليها. وكان المفوض السامى قد أعلن نكول حكومته نهائيا عن إبرام معاهدة 1936، وإعادة نظام الانتداب إلى سورية، فاستقالت الحكومة السورية، ولجأ بيو Puaux خليفة دومارتل فى يولية 1939 إلى حل المجلس النيابى وفصل جبل الدروز والعلويين عن الإدارة المركزية فى دمشق. واستقال رئيس الجمهورية هاشم الأتاسى، وآل الآمر إلى "مجلس مديرين" وعادت البلاد إلى نضالها المعتاد كرة أخرى، واستمرت الحال على هذا إلى أن أعلنت الحرب العالمية الثانية فهدأت حدة النشاط السياسى، وانتظر الوطنيون على أمل نتيجة الصراع الجبار الدائر بين قوى الحلفاء والمحور.

ولما جثت فرنسا على ركبتيها أمام ألمانيا (يونية 1940) وأرسلت حكومة فيشى الجنرال دانتز Dentz ليحل محل بيو (ديسمبر 1940) طالب السوريون بإلغاء الانتداب وإعلان الاستقلال واحتجوا على ندرة المواد الغذائية وفرض الضرائب المرهقة. وحدثت فى سورية أوائل مارس 1941 اضطرابات دموية اضطرت الجنرال دانتز إلى إنهاء حكم المديرين، وعهد إلى خالد العظم تأليف الوزارة فى 3 أبريل 1941.

وغداة هجوم القوات المتحالفة على سورية (8 يونية) أذاع الجنرال كاترو Catroux باسم "فرنسا الحرة" بيانا ألقته الطائرات على الشعب فى سورية ولبنان، ذكر فيه أنه قادم لإنهاء نظام

ص: 6132

الانتداب وإعلان حرية البلدين واستقلالهما. كما نشر السفير البريطانى فى القاهرة باسم حكومته تأكيدا لبيان كاترو الذى أصدره نيابة عن الجنرال ديجلو De Gaulle.

بيد أن كاترو مندوب فرنسا تباطأ فى تحقيق الوعود وعين الشيخ تاج الدين الحسنى رئيسا للجمهورية دون استشارة ولا انتخاب (12 سبتمبر)، ولما طالبه المواطنون بتنفيذ الوعود أذاع بيانا أعلن فيه إلغاء الانتداب واستقلال سورية وسيادتها ووحدتها (21 سبتمبر)، ثم ضم منطقتى اللاذقية وجبل الدروز إلى سورية (يناير 1942).

ولكن استقلال سورية فى الحقيقة وبرغم اعتراف الحلفاء به لم يتعد الخطب والبيانات المتنوعة، أما الصلاحيات والمصالح التى كانت بيد سلطة الانتداب فلم ينتقل منها شئ إلى الحكومة المحلية. ولذا كان لابد من قيام حكم شرعى فى البلاد يتولى هذه المصالح، ويتسلم تلك الصلاحيات ويمارس الاستقلال عمليًا.

ولم يلبث الحسنى أن توفى وأجريت الانتخابات فى ربيع 1943 ففاز الوطنيورن فوزًا ساحقًا، وانتخب شكرى القوتلى رئيسًا للجمهورية فى 17 أغسطس، وتألفت الوزارة الأولى برئاسة سعد اللَّه الجابرى. وسارت المفاوضات لاستلام صلاحيات دولة الانتداب سيرا طبيعيًا فى بادئ الأمر، ثم استلام أكثرها بالفعل (1944) وهى الصلاحيات التى لا يتأثر بها النفوذ الفرنسى كثيرًا، حتى إذا جاء دور تسليم المصالح المشتركة "كالجمارك والجيش والأمن العام والشئون السياسية الخارجية. . . " تغير موقف الفرنسيين وراحوا يساومون مشترطين لتسليمها إبرام معاهدة تضمن لهم ميزات سياسية واقتصادية فى البلاد التى لم تعترف يومًا بصك الانتداب.

وفى 18 مايو سنة 1945 قدم الجنرال بينيه Beynet مندوب فرنسا مذكرة إلى الحكومتين السورية واللبنانية جاء فيها أن حكومته مستعدة لتسليم "القطعات الخاصة" -الجيش- إلى سورية ولبنان، مع بقائها تحت القيادة العليا الفرنسية على شرط أن

ص: 6133

تؤمن صيانة مصالح فرنسا الثقافية والاقتصادية والاستراتيجية فى البلدين. وفى اليوم التالى تداولت الحكومتان السورية واللبنانية فى الموقف الناشئ عن إنزال فرنسا جنودًا فرنسيين جددًا فى البلاد دون الحصول على موافقة الحكومتين من قبل. واتفق الجانبان السورى واللبنانى على عدم الدخول فى مفاوضة لعقد أية معاهدة مع الجانب الفرنسى قبل أن تسلم جميع الصلاحيات بما فيها الجيش، وجلاء آخر جندى فرنسى عن أراضى البلدين.

خشيت فرنسا أن يفلت منها زمام الأمر فى سورية ولبنان فلجأت إلى تدابيرها الحمقاء لإرهاب الشعب. وفى أمسية يوم 29 مايو 1945 ضرب الفرنسيون بطائراتهم ومدافعهم مدينة دمشق بالقنابل كما فعلوا قبل عشرين عامًا سواء بسواء، وسلطوا نيرانهم على السكان الآمنين، فسالت الدماء وسقط مئات الضحايا، وأطلقت مدافع الهاون وقذائف المدرعات على دار المجلس النيابى، ومثل بحاميته أبشع تمثيل. ولما كانت الحرب مع اليابان ما تزال قائمة فقد تدخلت السلطات البريطانية وطلبت وقف اطلاق النار وإعادة الجنود المسعورين إلى معسكراتهم، فاستجاب القائد الفرنسى مكرها لأمر بريطانيا. ومع ذلك فلم تيأس فرنسا من الاحتفاظ ببعض مصالحها فى سورية ولبنان؛ ففى 13 ديسمبر 1945 اتفقت مع بريطانيا على تبادل الرأى بشأن تجميع قواتهما وإجلائها "تدريجا" عن سورية ولبنان. واعترفت بريطانيا بما للفرنسيين من "مصالح ومسؤوليات" فى بلاد شرقى البحر المتوسط. وقوبلت المؤامرة الجديدة لاقتسام النفوذ بين بريطانيا وفرنسا بالاحتجاج الشديد والاستنكار. والتجأت الحكومتان السورية واللبنانية فى فبراير 1946 إلى مجلس الأمن مطالبتين بسحب القوات الأجنبية من بلادهما فورًا. وتم الجلاء بالفعل عن سورية فى 17 أبريل 1946 وعن لبنان فى نهاية هذا العام نفسه، وجعلت سورية يوم الجلاء عيدا قوميًا كان خاتمة فصل النضال المرير الذى باشرته ضد الغاصبين الفرنسيين. وعادت سورية، وقد اكتملت سيادتها واستعادت حريتها نتيجة جهادها الرائع، تدعو لنصرة القومية العربية والعمل من أجل الوحدة العربية، وكانت قد اشتركت فى مباحثاتها التى جرت فى مصر (بين أكتوبر 1943 - مارس 1945). وعبرت تعبيرًا صادقا عن

ص: 6134

مشاعرها حين صرح رئيس وفدها أن الشعب العربى فى سورية يرى فى تحقيق الوحدة العربية بأقوى وسائلها أغلى وأسمى أمانيه، وأن سورية لا تقصر ولو فى بذل جزء من سيادتها القومية فى سبيل حلف اتحادى عربى متين العرى. وفى 22 مارس عام 1945 وقعت سورية ميثاق جامعة الدول العربية. وأصبحت عضوًا فى مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة من عام 1947 حتى نهاية عام 1948. ولم تلبث سورية أن واجهت أزمات عصيبة؛ واجهت الحرب الفلسطينية ولما يكتمل تسليح جيشها، فهزت وجدانها العربى بعنف وواجهت ضغط الدول الكبرى عليها لأسباب متعددة منها قضية النقد وارتباطه بالفرنك الفرنسى، وقضية إمرار أنابيب بترول شركة أرامكو واتفاقيات الطيران. . .

وتملل الشعب وجأر بالشكوى ودعت الأحزاب إلى تعديل السياسة العامة وإصلاح فساد الإدارة الأمر الذى كشف عنه بوضوح مأساة حرب فلسطين وفى ليلة 30 مارس 1949 حدث انقلاب على يد قائد الجيش حسنى الزعيم ورضى الشعب عنه بادئ الأمر، ولكنه بعد ذلك أخذ يرصد أخطاءه الكثيرة، واستنكر سياسته القائمة على كم الأفواه وخنق الحريات، وحل البرلمان وتعليق الدستور. وكانت التجربة الاستبدادية القصيرة لحكم الزعيم كافية لتغذية السخط والتبرم بين صفوف الضباط والمثقفين، فلم يلبث أن حدث الانقلاب الثانى ليلة 14 أغسطس 1949 وذهب ضحيته الزعيم ورئيس وزرائه. وانسحب قائد الانقلاب سامى الحناوى من المسرح السياسى تاركا لوزارة هاشم الأتاسى أن تجرى انتخابات جديدة تنبثق منها جمعية تأسيسية تضع دستورا للبلاد. وفى 12 ديسمبر اجتمعت الجمعية التأسيسية وكانت غالبيتها مؤلفة من حزب الشعب لأن بعض الأحزاب الوطنية لم تشترك فى الانتخابات.

وقبل أن تنتهى الجمعية من مناقشة مواد الدستور حدثت "انتفاضة عسكرية" فى 19 من ديسمبر قام بها العقيد أديب الشيشكلى، نحى على أثرها رئيس الأركان وأعوانه. وجاء فى بلاغ الجيش أن رجال الانقلاب الثانى لم يحافظوا على استقلال البلاد، وإنما عملوا من أجل الاتحاد السورى العراقى

ص: 6135

الذى يؤدى حتما إلى ضياع استقلال سورية وخضوعها لنيران الاستعمار البريطانى. وتابعت الحمعية التأسيسية مع ذلك عملها حتى انتهت من وضع الدستور، ثم انقلبت إلى مجلس نيابى، وانتخب الأتاسى رئيسا للجمهورية. ولم يكد الشيشكلى يطمئن إلى ولاء الجيش حتى أخذ يطغى ويستبد، ورغب عبثا فى أن يأتى بمجلس نيابى ينفذ مآربه، حتى اذا كانت ليلة 31 نوفمبر 1951 اعتقل رئيس المجلس النيابى ورئيس الوزراء وبعض الوزراء والنواب، واستقال الرئيس الأتاسى وتشكلت حكومة برئاسة الزعيم فوزى سلو استلم فيها الشيشكلى وزارة الدفاع وكان الحاكم الحقيقى للبلاد.

ثم فرض الشيشكلى نفسه رئيسا للجمهورية بنظام رئاسى (يوليه 1953) واعتقل عددًا من زعماء البلاد وضباط الجيش المعارضين، فتحرك. الجيش، واستجاب لموجة الاستياء الشعبى العام، وقلب عهد الشيشكلى الذى فرَّ من سورية فى 26 فبراير 1953، وبسقوطه عاد إلى سورية الحكم الجمهورى البرلمانى مع دستور عام 1950. وبدا أن البلاد مقبلة على عهد جديد من الاستقرار والطمأنينة، ولكن الفترة التالية كانت حافلة بالأحداث الجسام، نذكر منها صمود الحكومة والشعب فى وجه المؤامرات الاستعمارية المختلفة على سورية، واجتماع القوتلى بعد فوزه برئاسة الجمهورية (18 أغسطس 1955) بزعيم مصر جمال عبد الناصر والملك سعود فى أسوان، حيث وضعوا أسس السياسة العربية المتحررة، وأصدروا بيانا برفض الأحلاف العسكرية جميعا. ونسجل أخيرًا ما كان من وقوف سورية إلى جانب شقيقتها الكبرى مصر خلال محنة العدوان الثلاثى عليها (أكتوبر - نوفمبر 1956)، وتقارب الدولتين وتجاوب أصداء المبادئ القومية المتحررة فيهما، واتفاقهما أخيرا فى مطلع فبراير 1958 على إعلان وحدة مصر وسورية فى دولة موحدة، باسم الجمهورية العربية المتحدة.

وفى 8 مارس 1958 ارتبطت الجمهورية العربية المتحدة مع اليمن باتحاد الدول العربية.

أحمد طربين

رقم الإيداع بدار الكتب 9528/ 1996

ISBN 977 - 01 - 4951 - 9

ص: 6136