المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الزنجية على أن اللغة العربية هى لغة الكتابة بالنسبة لمسلمى - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ١٩

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌سليمان باشا

- ‌المصادر:

- ‌سليمان جلبى

- ‌المصادر:

- ‌سليمان جلبى

- ‌المصادر:

- ‌سليمان بن داود [عليه السلام]

- ‌المصادر

- ‌سليمان بن صرد الخزاعى

- ‌المصادر:

- ‌سليمان بن عبد الملك

- ‌المصادر:

- ‌سليمان بن قتلمش

- ‌ المصادر

- ‌سليمان مولاى أبو الربيع

- ‌المصادر:

- ‌سليمان بن وهب

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌سماع

- ‌المصادر:

- ‌سمرقند

- ‌المصادر:

- ‌السمهودى

- ‌المصادر:

- ‌السموأل

- ‌المصادر:

- ‌سنان

- ‌1 - المساجد الجامعة

- ‌2 - (المساجد الصغيرة أو الزوايا)

- ‌3 - المدارس

- ‌4 - مدارس تحفيظ القرآن الكريم (دار القرّاء)

- ‌5 - الأضرحة

- ‌6 - المستشفيات

- ‌7 - القناطر المعلقة (كمر)

- ‌8 - الجسور

- ‌9 - مطاعم الفقراء (عمارت)

- ‌10 - المخازن

- ‌11 - الاستراحات (كاروان سراى)

- ‌12 - القصور (السرايات)

- ‌13 - الحمامات

- ‌المصادر:

- ‌سنائى

- ‌المصادر:

- ‌الطبعات:

- ‌سنبلية

- ‌سنجر

- ‌المصادر:

- ‌سنجق شريف

- ‌المصادر:

- ‌السند

- ‌المصادر:

- ‌سندباد نامه

- ‌المصادر:

- ‌سنغافورة *

- ‌المصادر:

- ‌سنغال *

- ‌السنة

- ‌المصادر:

- ‌السنوسى

- ‌المصادر:

- ‌السنوسى

- ‌المصادر:

- ‌السهروردى

- ‌المصادر:

- ‌السهروردى

- ‌المصادر:

- ‌تعليق السهروردى وحكمة الأشراق

- ‌1 - حياة السهروردى

- ‌2 - مصنفات السهروردى

- ‌مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق

- ‌السهروردى

- ‌سهل بن هارون

- ‌المصادر:

- ‌سهل التسترى

- ‌المصادر:

- ‌السواد

- ‌المصادر:

- ‌سواكن

- ‌المصادر:

- ‌السودان

- ‌المصادر:

- ‌المصادر: العامة:

- ‌كتب الرحلات والاستكشاف:

- ‌السلالات البشرية:

- ‌اللغة:

- ‌الدين:

- ‌التاريخ: العهد المصرى والعهد الحديث

- ‌تعليق السودان المعاصر

- ‌1 - الوضع السياسى للسودان:

- ‌2 - الاقتصاديات

- ‌المصادر:

- ‌سودة بنت زمعة

- ‌المصادر:

- ‌سورة

- ‌المصادر:

- ‌السوسن

- ‌المصادر:

- ‌السوق

- ‌ السوق" (الجمع أسواق): لقد ناقشنا كل الآراء المتصلة بمعنى السوق فى المادة السابقة. وما من حاجة تدعونا إلى أن نعيد فيها النظر فى هذا المقام. على أن ثمة ملحوظات قليلة خاصة بأهمية السوق فى تاريخ الإسلام المبكر يقتضى الأمر فيما يظهر أن نوردها هنا، وسنقصر هذه الملحوظات على أماكن الأسواق القديمة وقيام أسواق المدن

- ‌المصادر:

- ‌سوكوتو

- ‌سومطرة

- ‌المصادر:

- ‌السويس

- ‌المصادر:

- ‌سيبويه

- ‌المصادر:

- ‌السيد الحميرى

- ‌المصادر:

- ‌السيرافى

- ‌السيرة

- ‌(1) أصل السيرة وطبيعتها

- ‌(2) تصنيف السيرة فى صورتها الأدبية

- ‌المصادر:

- ‌تعليق

- ‌سيرة عنتر

- ‌مضمون السيرة:

- ‌تحليل السيرة:

- ‌المصادر:

- ‌سيف الدولة

- ‌المصادر:

- ‌سيف بن ذى يزن

- ‌المصادر:

- ‌سيف بن عمر

- ‌المصادر:

- ‌السيوطى

- ‌المصادر

- ‌ش

- ‌الشاذلى

- ‌المصادر:

- ‌الشاذلية

- ‌الشاطبى

- ‌المصادر

- ‌شاعر

- ‌الشافعى

- ‌المصادر:

- ‌الشام

- ‌الشام فى عهد العباسيين والفاطميين:

- ‌الشام تحت حكم الفرنجة:

- ‌الشام فى عهد المماليك

- ‌سورية فى عهد العثمانيين:

- ‌سورية اليوم:

- ‌المصادر:

- ‌عهد الفتوح والأمويين:

- ‌العهد العباسى والفاطمى:

- ‌الحروب الصليبية:

- ‌عهد المماليك:

- ‌العهد العثمانى والحديث:

- ‌تعليق

- ‌سوريه (1920 - 1960)

الفصل: الزنجية على أن اللغة العربية هى لغة الكتابة بالنسبة لمسلمى

الزنجية على أن اللغة العربية هى لغة الكتابة بالنسبة لمسلمى السودان الذين أصابوا قسطا من التعليم، وقد بقى منذ القرن الخامس عشر أدب سودانى له مقوماته، وكتب هذا الأدب باللغة العربية، وتستخدم بعض قبائل السودان، مثل الفلبة والحوصة على الأقل، حروف الأبجدية العربية فى كتابة لغاتها الوطنية.

‌المصادر:

(1)

عبد الرحمن السعدى: تاريخ السودان، ترجمة هوداس Houdas، باريس 1900 م.

(2)

محمود كالى: تاريخ الفنّاح، ترجمة Houdas et Delafosse، باريس 1913.

(3)

تذكرة النسيان، ترجمة هوداس، باريس 1901 م.

(4)

Travels in the Interior of Africa: Mungo Park، لندن 1799 م.

(5)

Journal d'un voyage a Tomboctono et a Senne dans l'Afrque Centrale: R. Caille، باريس 1830، فى ثلاثة مجلدات.

(6)

Travels and Discoveries in Northern and Central Africa: H. Barth، (1849 - 1855) لندن 1858 م، فى خمسة مجلدات.

(7)

Voyage dans le Soudan occidental: E. Mage (1866 - 1863)، باريس 1868.

(8)

Du Niger au Golfe de Guinee par le pays de Kong et le Tassi: Binger، باريس 1892 فى مجلدين.

(9)

Monographie de Toumbouctou: A. Hacquard، باريس 1900.

(10)

Monographie de Dienne: Ch. Monteil، توله 1903 م.

(11)

المؤلف نفسه: Les Khassouke، باريس 1925.

(12)

المؤلف نفسه: Les Bambara de Segou et du Kaarta، باريس 1924.

(13)

Haut-Senegal Niger: M. Delafoss، باريس 1913، فى ثلاثة مجلدات.

ص: 5955

(14)

Chroniques du Fouta Senegalais: M. Delafosse et. H. Gader، باريس 1913 م.

(15)

Voyage aux sources de Nile، en Nubie et en Abbyssinie pendant les annees 1768 a 1772: Bruce، ترجمة ، Castera، باريس 1790 - 1792 م.

(16)

Voyages et decouvertes dans le Nord: ney et dans les parties centrales de l'Africque: Denham، Calpperton et Oud ترجمة Eyries et de Larmandiere، باريس 1826 م، فى ثلاث مجلدات.

(17)

ابن عمر التونسى: Voyage au Darfour، ترجمة ، Perron باريس 1845.

(18)

المؤلف نفسه: Voyage au Oua day، ترجمة Perron، باريس 1845 م.

(19)

Memorie sur le Soudan: d'Escayrac de Lauture، باريس 1855 - 1856 م.

(20)

Sahara und Sudan: G. Nachtigal برلين 1879 - 1882 م، فى ثلاثة مجلدات.

(21)

Ethiopie Meridionale: J.Barelli، باريس 1890 م.

(22)

Tradizioni storiche raccolte in Abbia: Bricchetti. Robeche، روما 1891 م.

(23)

Hausaland: C.H.Robinson، لندن 1896 م.

(24)

Fire and Sword in the Sudan: R.C.Slatin Pacha، ترجمة F.R. Wingate، لندن 1897.

(25)

La chute de l'empire de Rabah: E.Gentil، باريس 1902 م.

(26)

La region du Tchad et du Ouadai: H.Carbou، باريس، فى 1912، فى مجلدين.

(27)

The sultanate of Rornu: A. Schultze، ترجمة Benton، لندن 1913.

(28)

L'Afrique Equatorial Etancaise: G. Bruel، باريس 1928.

خورشيد [موريس دلافوس Maurice Delafosse]

ص: 5956

السودان

الشرقى: السودان فى قول كتاب العرب فى العصور الوسطى هو الصقع الذى يشمل غربى إفريقية ووسطها إلى الجنوب من الصحراء الكبرى، ولم يطلق هذا الاسم أيضا على البلاد التى فى حوض النيل إلا فى القرن التاسع عشر، وهى البلاد التى فتحتها جنود محمد على ما بين عامى 1820 - 1822 وعرفت فيما بعد باسم السودان المصرى (وهو السودان المصرى الإنجليزى)(1) وقد حدد الصقع الذى عهد بحكمه إلى محمد على بمقتضى الفرمان الذى منحه له الباب العالى سنة 1841 بأنه يشمل النوبة، ودارفور وكردفان، وسنار وتوابعها. وقد امتد الحكم المصرى بعد ذلك فشمل بلاد النيل الأعلى وبحر الغزال.

والسودان المصرى الإنجليزى يضم أرضًا تبلغ مساحتها حوالى مليون ميل مربع بين خطى عرض 2 ْ 3 ْ شمالا. وتختلف الأحوال الطبيعية فيها ما بين صحراء رملية وغابات شبه استوائية كما تتنوع فيها الأجناس البشرية. والنيل هو العامل الذى يوحد هذه البلاد، وهو يجرى فيها مسافة تزيد على ألفى ميل. ويحدد سقوط الأمطار المناطق المناخية المختلفة، ذلك أنه يقسم البلاد إلى عدد من النطاقات الزراعية تمتد من غرب الجنوب الغربى إلى شرق الشمال الشرقى. والمنطقة التى فى أقصى الشمال صحراء بلقع لا تقوم بأود السكان اللهم إلا شريطا ضيقا على ضفاف النيل. وإلى الجنوب من هذه الصحراء سهوب تنمو فيها الشجيرات ويجودها قليل من المطر فى الصيف فتغدو مراعى للجمال والأغنام والماعز وتتيح العيش لسكان ستبدين متبدين تقوم حياتهم على رعى الماشية.

ويتزايد سقوط الأمطار الموسمية إلى الجنوب من خط عرض 15 ْ، وتتخذ البلاد صفة مناطق السفانا فيجود فيها الرعى وتدر محصولات من الدخن والأذرة. وتنتج الغابات المترامية الأطراف الحافلة بالأشجار الشوكية

(1) لقد قضى على هذا الاسم كما قضى على هذا العهد، فالسودان الآن دولة مستقلة [م. ع].

ص: 5957

المحزوزة كميات كبيرة من الصمغ العربى. ويكثر سقوط الأمطار فى الأراضى التى إلى الجنوب من خط عرض 12 فيصبح بعضها سهولا فسيحة الأرجاء خالية من الشجر يغطيها العشب النامى، وبعضها غابات من قبيل غابات السفانا.

وتقوم الغابات الاستوائية على طول ضفاف المجارى المائية فى أقصى الجنوب. وخط عرض 12 هو بصفة عامة الحد الفاصل بين السودان الإسلامى والجنوب الوثنى. وثمة فروق لغوية وثقافية بين قبائل الزنوج فى الجنوب تبعث على الدهشة وتقف عقبة كؤودًا فى سبيل تصنيف هذه القبائل تصنيفًا ترتاح له النفس، ذلك أننا نجد فى بعض الأحوال مجموعات لغوية واضحة المعالم، وفى أحوال أخرى يكون انتساب قوم إلى جماعة واحدة قائمًا على الإشتراك فى سمات طبيعية أو ثقافية أو على أساس المنطقة الجغرافية التى يسكنها هؤلاء القوم. وإذا أخذنا برأى إيفانز بريتشارد Evans-Pritchard أمكننا أن نقسم هذه الجماعات إلى الأقسام الآتية:

(1)

النيليون Nilotes وهم جماعة محددة تمام التحديد، تشمل الدنكة والشلوك والنوير الذين يتحدثون بلغات متصلة بعضها ببعض اتصالا وثيقا ويشتركون فى عناصر ثقافية واحدة.

(2)

النيليون الحاميون Nilo-Hamites ويشملون البارى Bari وغيرهم من القبائل الأخرى التى تتحدث بلغة البارى كما يشملون عددا من القبائل تتميز عن البارى لغويا كما تتميز بعضها عن بعض، وهم يقيمون إلى الشرق من النيل.

(3)

قبائل هضبة الحجر الحديدى Ironstone Plateau وهى جماعة غير متجانسة من القبائل الصغيرة فى منطقة بحر الغزال.

(4)

الأزندى The Azande

(5)

قبائل الجبال The Hill tribes جنوبى كردفان ويشار إليها فى كثير من الأحيان باسم قبائل النوبة وهى تنقسم إلى عدد كبير من الجماعات

ص: 5958

الصغيرة تتحدث بلغات مختلفة تنتسب إلى عشر مجموعات لغوية متميزة.

(6)

قبائل دار فنج بين المجارى العليا للنيل الأزرق والنيل الأبيض، وتنقسم إلى خمس مجموعات لغوية أو ست.

ويتصل الشمال بالجنوب اتصالا وثيقا بفعل الإدارة المشتركة والتجارة، ومع ذلك فإن الإسلام لم يتسم بأية سمة تجنح إلى الانتشار فى المناطق الوثنية. صحيح أن كثيرًا من أفراد القبائل المتفككة الذين من أصل زنجى قد أسلموا، إلا أن الوثنية لم تهاجم هجومًا خطيرًا فى عقر دارها حتى ولا على أطراف المنطقة حيث يقوم الإسلام والوثنية جنبًا إلى جنب، ولم يحدث أن أوغل أحدهما فى الآخر إلا قليلا.

وتتألف الجماعات الإسلامية من موظفى الحكومة والتجار وقدامى المحاربين وغيرهم، وهم يقيمون فى المراكز الإدارية والتجارية بالجنوب، ولكنهم لم يقوموا فيما يظهر بأية دعوة قوية للتأثير فى هذه القبائل الوثنية.

وفى الشمال قدر كبير من التجانس على خلاف ما نجده من اضطراب سلالى وثقافى فى الجنوب، والفضل فى هذا التجانس راجع إلى الإسلام وغلبة اللغة والثقافة العربية. ويتحدث جميع مسلمى السودان مع استثناء عدد قليل من الأقوام (النوبيون والبجة وبعض القبائل التى من أصل زنجى فى دارفور) اللغة العربية، كما يعتقدون أنهم من أصل عربى على تفاوت حجة كل منهم فى ذلك.

وأدت هجرة العرب إلى السودان الشرقى إلى امتزاج المهاجرين بالسكان الأصليين امتزاجا نشأت منه القبائل السودانية الموجودة فى الوقت الحاضر. ويتفاوت نقاء الدم العربى الذى يجرى فى عروقها باختلاف الجماعات، ولا يمكن تقديره بمقياس اللغة وحدها، ومن ثم فإن المصطلح "عرب السودان" ليس له مدلول سلالى واضح، ولكنه يستخدم للدلالة على القبائل التى تتحدث باللغة العربية تمييزًا لها من النوبيين والبجة، ومع ذلك فلا ينبغى أن يغيب عن أذهاننا فى هذا الصدد أن

ص: 5959

النوبيين والبجة لم يندمجوا فى القبائل العربية فحسب بل لقد حدث عكس ذلك أيضًا فى بعض الحالات.

وقد قسم ماك مايكل Mac Micheal عرب السودان إلى قسمين رئيسيين هما: جماعة الجَعْلييين الدناقلة التى تضم معظم القبائل النهرية كما تضم كثيرًا من أهل كردفان المقيمين. وجماعة الجهنييين الذين يرجعون نسبهم إلى شخص يدعى عبد اللَّه الجهنى، وهم يضمون البقارة وكثيرًا من رعاة الجمال الرحل.

وكما أنه يصعب علينا أن نفرق بين العناصر العربية والعناصر الوطنية الإفريقية الأصل من حيث السلالة والنسب كذلك يصعب علينا هذا التفريق من حيث الثقافة والعادات، ذلك أن بعض العادات الواسعة الانتشار الخاصة بالمرأة، وتجنب الاتصال على أية صورة بقريبات الزوجة، واستخدام المقطع (الحامى؟ )(1) الأخير "أب" لتكوين اسم للأسر والقبائل ينسب إلى الجد الأعلى (رباطاب، علياب. . إلخ) يمكن أن يقال فيها إنها ليست من أصل عربى. على أن البقارة الذين لا يستخدمون المقطع الأخير "أب" قد اكتسبوا بعض السمات الزنجية سواء فى المظهر أو فى المزاج بالنظر إلى صلتهم الوثيقة بقبائل الجنوب السوداء البشرة. ونحن إذا تسامحنا وأدخلنا فى اعتبارنا كل عامل من هذه العوامل فإننا لا نزال نجد ما يبرر القول بأن أهل هذه القبائل عرب لا من الناحية اللغوية فحسب بل لأن المظاهر البارزة لثقافتهم ووعيهم السلالى وتقاليدهم التاريخية، ترجع كلها إلى أصل عربى.

وفى نطاق هذه الوحدة اللغوية والدينية تفاوت واسع فى البيئة وأسلوب الحياة. وقد أمكننا أن نميز بينهم الأقسام التالية:

(أ) رعاة الإبل الرحل (الأبَّالة) وهم يقطنون السهوب الجافة بين خطى عرض 13 ْ 18 ْ وتشبه ظروف الحياة فيها الظروف السائدة فى شمالى بلاد العرب تمام الشبه، ومن ثم فإن أسلوب

(1) استعمال لفظ "الأب" بمعنى الحامى أو الراعى استعمال عربى مفهوم [م. ع]

ص: 5960

حياة هؤلاء الناس وعاداتهم تنبئ عن صلة وثيقة بما جاء وصفه فى الشعر العربى القديم وفى كتب الرحلات الخاصة ببلاد العرب.

أما أوجه الخلاف التى لا يمكن مع ذلك إغفالها فيرجع بعضها إلى اختلاط هؤلاء العناصر النوبية والبجَويّة بهؤلاء الأقوام، كما يرجع بعضها الآخر إلى تكيفهم بالبيئة الجديدة. وأبرز هذه القبائل هى قبائل شمالى كردفان (الكبابيش، ودار حامد، وحَمَر)، وقبائل اللحويين وهى ممثلة فى كردفان وكسلا، وقبائل بُطانَة (شُكْريَّة، وبَطاحين) وقبائل مديرية كسلا التى تتحدث بلغة السبجَة، وقبائل بنى عامر على حدود إريترَية، وتتحدث بالتكرى.

(ب) رعاة الماشية الرحل (البقّارة). وهم وإن كانوا يردون نسبهم إلى الأصول نفسها التى انحدر منها رعاة الإبل، فإنهم يختلفون عنهم لا فى طريقة الحياة فحسب بل فى مظهرهم الطبيعى ولهجتهم. وهم موزعون فى منطقة واسعة إلى الجنوب من خط عرض 13، إذ ينتشرون من النيل الأبيض عبر جنوبى كردفان ودارفور ويتجاوزون حدود السودان المصرى الإنجليزى (1) حتى واداى وبُرنو. وهم يتصلون اتصالا وثيقًا فى مناطق رعيهم الجنوبية بالقبائل الزنجية فى النيل الأعلى وبحر الغزال ويظهر أن دماءهم قد اختلطت بدماء السود اختلاطًا أكثر من غيرهم من عرب السودان. "ورجالهم فى العادة غلاظ الشفاه، فطس الأنوف. . . أما لون البشرة السائد فى كل مكان فهو إلى الدكنة أكثر منه إلى الخفة"(G.D.Lampen) على أنهم قد أفلحوا، على ما يذكر هذا الكاتب نفسه، فى الاحتفاظ باعتزازهم بنسبهم، "والفرد منهم على الرغم من وجود بعض السمات والخصائص الملحوظة يدرك دائمًا ذلك الشبه القوى بين فروع الجنس العربى الكبير إدراكًا يصح معه أن نعد كتاب دوتى (Arabia Deserta: Dought) بمثابة مقدمة عظيمة القيمة تصلح لتناول حالة البقارة". واهتمامهم الرئيسى موجه إلى

(1) هذه التسمية أصبحت الآن مجرد تعبير تاريخى بعد استقلال السودان. [م. ع]

ص: 5961

تربية الماشية، وهى تحتل بينهم المكانة البارزة التى للجمل فى حياة عرب الشمال. وهم يربون أيضًا الخيول، كما اشتهروا بأنهم صيادو زراف وفيلة لا يهابون، وقد وجدت نزعتهم الحربية فى الأيام الغابرة متنفسًا لها فى الحملات التى كانوا يشنونها لاقتناص العبيد كما أنهم زودوا الحركة المهدية بكثير من أمراء الجيوش الدراويش. وأهم قبائل البقارة فى السودان المصرى الإنجليزى (من الغرب إلى الشرق) هى أولاد حُمَيْد، والحوازمة، والمسيرية، والحَمَر، والرِزَيْقات والتعايشة.

(جـ) سكان القرى المقيمون: لا يمكن التفرقة فى حالات كثيرة بين الرحل وسكان القرى إلا من أسلوبهما فى الحياة، ذلك أن الأصول السلالية والقبلية متماثلة فى كلتا الحالتين، والقبائل التى تعيش بالقرب من النهر شمالى الخرطوم هى الدناقلة الذين يتحدثون بالنوبية، ثم تليها الشائقية والرباطاب والجعليين الذين يتفرع منهم عدد من العشائر. وتقتصر الزراعة على ضفاف النهر، وتتم بوساطة الساقية والشادوف، أو على الشاطئ الأوسط بعد أن ينحسر فيضان النيل، وتزرع المحصولات أيضًا فى السهوب البعيدة عن النهر فى السنوات التى يكثر فيها سقوط المطر، وهو يزود سكان القرى بمناطق رعى موسمية. وتتألف القرى من مساكن قائمة الزوايا مشيدة بالطوب اللبن وليس فيها أية حلية. وقد بعث الدناقلة والجعليين بمستوطنين من الزراع إلى كردفان والنيل الأبيض، وهم بوصفهم من التجار يوجدون فى كل مكان بالسودان. والشائقية لهم ميل للخدمة العسكرية، ومنهم أفراد كثيرون فى فرقة الدفاع السودانية وفى الشرطة.

وأهل وسط السودان المقيمون أقل من أهل الشمال تجانسًا. ولا يختلف سكان قرى الجزيرة من الناحية المادية عن أبناء جنسهم الذين يعيشون على ضفاف النهر. ولعل أهل كردفان قد نشأوا من اختلاط مهاجرى الدناقلة بالسكان الوطنيين. والأرومة العربية أقوى فى الشمال، ثم تضعف بالتدريج

ص: 5962

فى الجنوب. على أن سكان هذه القرى وإن كانوا قد تأثروا من حيث نقاء سلالتهم بالعناصر غير العربية أكثر من تأثر السكان الرحل فإن التقاليد العربية والإسلامية قد فرضت نفسها عليهم فرضًا قويًا لا سبيل إلى إنكاره. وتعتمد الزراعة فى هذه المناطق على الأمطار الصيفية، وأهم المحصولات هى الدخن والأذرة. أما المحصولات الثانوية فهى السمسم والفول السودانى، كما أن جمع الصمغ العربى يزود الأهالى بمصدر من مصادر الدخل الإضافية. وزراعة القطن القائمة على نطاق ضيق منذ الأزمنة الغابرة قد تقدمت فى السنوات الأخيرة وخاصة فى المنطقة التى تروى عن طريق خزان سنار، وهى من أهم الموارد الإقتصادية للبلاد.

والصورة المأثورة للبناء فى القرى هى الكوخ المستدير المشيد بالطمى يعلوه سقف مخروطى من الغاب وأعواد نبات الدخن، وكثيرًا ما يشيد الكوخ كله بالغاب أو الأعشاب.

(د) سكان المدن: فقدت المدن القديمة -دنقلة وبربر وسنار- كثيرًا من أهميتها السابقة. وقد أنشئت الخرطوم وهى المركز الإدارى، بعد الفتح التركى المصرى، ولم يبرز شأن أم درمان القصبة الوطنية إلا إبان الحركة المهدية. وأصبحت الأبَيّض بكردفان، وواد مدنى بالجزيرة فى السنوات الأخيرة، مركزين تجاريين هامين. ويتكون السكان المختلطو الدماء فى المدن من جميع القبائل المقيمة، كما أن الجعليين والدناقلة ممثلون تمثيلا قويًا فى كل مكان. وهناك أيضًا عنصر مصرى وشرقى هام يشتغل بصفة خاصة فى الصناعات اليدوية والتجارة.

اللغة: تسود اللغة العربية بين أهل الشمال المسلمين بل فى الجهات التى بقيت فيها اللغات الوطنية الأخرى، وهى دون سواها لغة الأدب والإدارة. واللغات الوطنية غير العربية هى: النوبية ويتحدثون بها على طول نهر النيل من أسوان حتى دنقلة؛ والتوربدوى، وهى اللغة الحامية القديمة التى تتحدث بها قبائل البجة؛ والتكرى ويتحدث بها بنو عامر بالقرب من الحدود الإريترية. ويتكلم كثير من أفراد

ص: 5963

هذه الجماعات بلغتين. وتتحدث القبائل المسلمة فى دارفور بكثير من اللغات الوطنية مثل الفور، والواجو، والمساليت (مابه) والمدوب (وهى لهجة نوبية).

ولغة الكلام العربية فى السودان لها مكانة خاصة بها بين اللغات الوطنية الحديثة. وتكثر الخلافات بين اللهجات باختلاف المكان والقبيلة والظروف الاجتماعية. وتتميز اللهجات البدوية تميزًا واضحًا عن لغة أهل القرى، كما أن للهجة البقارة مكانة خاصة بها. على أنه من الممكن تكوين لهجة جماعية متميزة بالرغم من هذه الخلافات، لأن هناك وجوهًا للشبه بين هذه اللهجات. وقد احتفظت اللغة فى السودان بكثير من سماتها القديمة بالنظر إلى عزلة البلاد عن غيرها، ولم يكن لقواعد اللهجات الإفريقية المجاورة إلا أثر قليل فيها إذا استثنينا أثرها فى مفردات بعض الجماعات.

والسمات الصوتية التى تستأهل الذكر هى: النطق بالجيم كما ينطق بالصوت الانفجارى "دى" من مقدم الحلق، وإبدال الذال الأصلية ضادًا (كضب بدلا من كذب، وضُبَّان بدلا من دبان) والنطق بالجيم كالدال بتأثير حرف من حروف الصفير (ديش، شَدَر، دحش بدلا من جيش، وشجر، وجحش) والنطق بالقاف الأصلية جيمًا غير معطشة وكثيرًا تحل محلها الغين.

وفقدت القبائل المقيمة فى كردفان الصوتين حا وعين وحل محلهما ها وهمزة، ويحتمل أن يكون الصوتان نى وج (= تى، ولم يشتق من الكاف الأصلية) اللذان يردان فى عدد من الكلمات (ربما كانت من الكلمات المستعارة) وخاصة فى لهجة البقارة قد ظهرا بتأثير مؤثر إفريقى.

واللغة العربية فى السودان غنية بحروف الحركة إذا قورنت بغيرها من اللغات. فالأسماء التى على صيغ فَعْل وفِعْل وفُعْل تتخذ صيغ كَلِب وكِضِب، وضُهُر. وهناك ميل إلى فك الحروف الساكنة بإضافة الحروف المتحركة كما هى الحال فى صيغ مثل ركِبْتَ، ومَرَقْت. ومن الشائع أيضًا إضَمار الحرف الساكن الأخير (نِدِم أى نَدِمْت؛

ص: 5964

وقَسَم بربى أى قسمًا بربى). وقد نشأ عن هذا الميل نفسه فى الغرب صيغ مثل تَركِتْ وشُفِتْ بدلا من تَرَكت وشُفْت.

وثمة تطور هام فى النحو وهو تكوين صيغة الأمر بضمائر تلحق بآخر الكلمات للدلالة على الأمر أو الدعوة بحيث تشمل المتكلم، مثال ذلك أقْعُداك أى إجلس معى، وقوماك أى لنقم نحن الإثنين، وألعباكن أى فلنلعب معًا. وفى السودان الشمالى والأوسط تتخذ الضمائر التى تلحق بآخر الكلمات فى حالة الجمع صيغ هُن وكُن للمذكر وهِن وكَن للمؤنث. والاسم الموصول هو أَل (إل). وهذه اللهجة وإن كانت بصفة عامة ظاهرة الأرومة الشرقية (يلاحظ أنها تنطبق بعض الانطباق على النحو اليمنى) فإن الخاصية المغربية -المفرد نفعلُ والجمع نفعلو- موجودة فى النيل الأبيض وفى كردفان. ومن الملاحظ أيضًا. كثرة تنوين الاسم ("أن" دون تمييز بين الحالات): جنايًا شكرى أى ولد من الشكرية، بعيرًا حورى أى جمل أصغر، أب راسًا قوى أى رجل صلب الرأى.

وقد دخل فى مفردات الجماعات النهرية عدد من الكلمات النوبية، وهى بخاصة طائفة من المصطلحات المتصلة بالساقية وزراعة الأرض، كما كان للبجة فى الشرق بعض التأثير. وتفصح مفردات البقّارة عن خلاف شديد بينها وبين اللهجة الشائعة، كما تحوى عددًا كبيرًا من الكلمات المأخوذة من اللغات الزنجية، غير أن دراسة هذا الموضوع دراسة مستفيضة لم تتم بعد.

وتستخدم فى السودان الجنوبى رطانة عربية أدخلها النخاسون وتعرف فى أوغنده باسم "النوبى"، وتصطنع هذه الرطانة كثيرًا بوصفها لغة مشتركة يتفاهم بها أهل هذه النواحى. وقد فقدت هذه اللغة جميع الخصائص الصوتية والنحوية التى عرفت بها اللغة العربية وطرأ عليها تطور شبيه بالتطور الذى طرأ على اللهجة الإنجليزية المعروفة باسم بدجن Pidgin (1) .

الدين: كانت النوبة فى العصور الوسطى بلادًا مسيحية، ولو أن

(1) هى رطانة إنجليزية مستعملة فى التجارة بالموانى الصينية - المترجم

ص: 5965

الإسلام كان قد أحرز منذ القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) بعض التقدم بين النوبيين فيما بين الشلال الأول والثانى وفى بلاد البجة، على أن معظم البجة كانوا على الوثنية. وكان فى سوبة من أعمال جنوبى بلاد النوبة سكان مسلمون احتلوا حيًا خاصًا بهم. وقد عثر على شواهد من قبور إسلامية ترجع إلى القرنين العاشر والحادى عشر الميلاديين عند العقيق على شاطئ البحر الأحمر. ومع ذلك فإن الدين الإسلامى لم يسد فى الشمال إلا فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) نتيجة للهجرات العربية وقيام الحماية المصرية أما فى الجنوب فقد لبثت المسيحية قرنًا ونصف قرن. وقد سمعنا أول ما سمعنا عن وجود ملك مسلم فى دنقلة سنة 716 هـ (1316 م) ولكن ابن بطوطة كان لا يزال فى عام 756 هـ (1355 م) يتحدث عن النوبيين بوصفهم من المسيحيين وإن كان قد ذكر ملكا يحمل اسمًا إسلاميًا (ابن كنز الدين). وقد أسس الفنج أول أسرة حاكمة مسلمة فى النوبة الجنوبية حوالى عام 905 هـ (1500 م). وتربط الرواية المحلية ظهور الأنظمة الإسلامية وانتشار المعارف الإسلامية بوفود فقهاء ومشايخ دين فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) أظلهم ملوك الفنج وأقيالهم العرب بحمايتهم.

ولدينا عن الحياة الدينية فى عهد الفنج أخبار قيمة وردت فى كتاب الطبقات لمؤلفه محمد ود (ولد) ضيف اللَّه (المتوفى عام 1224 هـ = 1809 م) وهو معجم بتراجم الفقهاء والأولياء السودانيين. . وقد كان الإسلام فى السودان مفتقرًا كل الافتقار إلى تلك الأصول الثقافية التى نجدها فى البلاد الأخرى ممثلة فى سنن الحضارات الأقدم عهدًا، ذلك أن السمات التى غلبت عليه هى تبجيل الأولياء والنفوذ العظيم الذى للفقهاء (والمفرد المستعمل هو فقى وهو مصطلح يدل على دارسى العلوم الدينية ومدعى الولاية والمعرفة الصوفية. وكان التعليم، وخاصة الفقه المالكى، يتم فى مدارس كثيرة (خلوه) كما كان هناك بعض الاتصال بمدارس

ص: 5966

مكة (نتيجة للحج) وبالأزهر بالقاهرة، غير أن نطاق هذه الدراسات كان محدودًا.

وفتح الغزو المصرى الطريق أمام بعض المؤثرات التى لم يكن لها مع ذلك إلا أثر قليل فى عامة الشعب. وكان أبرز نتائج هذا الأمر انتشار بعض الطرق، وخاصة الميرغنية أو الختمية التى أدخلها فى البلاد فى مستهل القرن التاسع عشر محمد عثمان الميرغنى من أهل الطائف. ومن الطرق الأخرى التى لا تزال تحتفظ بأهميتها الطريقة السمَّانية والطريقة الأحمدية الإدريسية. وللطريقة التيجانية عدد من المريدين فى الغرب.

وترجع أصول الحركة المهدية التى قام بها محمد أحمد سنة 1881 إلى تلك البيئة المؤمنة بالأساطير التى أحاطت بالإسلام فى السودان، فقد كان صاحب هذه الحركة مثالا لطائفة الفقهاء (المفردفقى) من جميع النواحى. وقد انتشرت المهدية انتشارًا خطيرًا بسبب السخط الذى تولد عن سوء الحكم بصفة خاصة، ونالت انتصارات موقوتة نتيجة للتدابير الضعيفة التى اتخذتها السلطات لمواجهة هذه الحركة. وقد مزج المهدى فى تعاليمه بين معتقدات مستقاة من الوهابية والسنوسية (العودة إلى الإسلام فى فطرته الأولى، ومحاربة البدع والمؤثرات الأجنبية، وتحريم الحج إلى القبور، وتحريم الموسيقى والتبغ) والأقوال المهدية المأثورة عن أمور الآخرة والسمات الخرافية المحيطة بالإسلام فى السودان، وكان القوم يجلُّون الفتاوى المهدية وأن دراسة الكتب الدينية غير المهدية كانت من الأمور المحرمة. وتحولت هذه الحكومة الدينية فى عهد الخليفة عبد اللَّه خليفة المهدى إلى حكومة عسكرية مستبدة.

ومنذ أن توطدت أقدام الحكم المصرى الإنجليزى أخذت العناصر المتعلمة بين مسلمى السودان تضطلع بنصيب متزايد فى الحياة العقلية للبلاد الإسلامية الأخرى. وفقدت الخلوات القديمة كثيرًا من أهميتها، وقامت الدراسات الإسلامية فى المعهد العلمى

ص: 5967

بأم درمان، وهو معهد تشرف عليه هيئة رسمية من العلماء، أما دراسة القضاء لتخريج قضاة للمحاكم الشرعية فتتم فى كلية حكومية. ولا تزال الخرافات عظيمة الشيوع بين سواد الشعب، كما أن تمسك الناس بالطرائق الدينية له شأن هام فى الحياة الدينية.

ونظم أتباع المهدى أنفسهم فى جماعة واحدة تشبه الطريقة على رأسها الابن الباقى على قيد الحياة من أبناء المهدى.

التاريخ: كوَّن السودان الشرقى وحدة سياسية منذ الاحتلال المصرى. ونحيل القارئ الذى يريد أن يدرس التاريخ المتقدم للأقاليم القائمة يرأسها إلى المواد: بجة، ودارفور، وفنج، وكسلا، وكردفان، والنوبة، وسنار. وقد أدت سياسة التوسع التى انتهجها محمد على وأمله فى الوصول إلى مصادر الثروة، إلى ضم هذه الأقاليم التى كانت من قبل تحت سيادة سنَّار. ولم تستطع مملكة الفنج المفككة التى مزقتها الفتن ان تقاوم مقاومة منظمة، فتم احتلالها من غير مشقة كبيرة (1820 - 1822) بعد الانتصار على عرب الشائقية فى دنقلة وجنود دارفور فى كردفان. وقضى القضاء المبرم على مقاومة قبائل البجة فى كسلا عام 1840. واحتفظت دارفور والمناطق الجنوبية فى ذلك الحين باستقلالها.

وأقيم نظام إدارى قوامه الترك والألبان تدعمه جنود من كلا الجنسين. وقد جندت الفصائل غير النظامية (الباش بوزوق أو الدلتية) من الشائقية. وكان معظم الجيش النظامى فيما بعد مكونًا من الجنود السود المسترقين.

وقد ضمت فى عهود خلفاء محمد على مناطق جديدة مترامية الأطراف إلى منطقة الفتح الأصلية، وتمكن العرب بفضل تفوقهم الناجم من تزودهم بالأسلحة النارية من التوغل فى بلاد السود على النيل الأعلى وبحر الغزال، وكان غرضهم الظاهر من ذلك هو الاتجار فى العبيد والعاج، أما غرضهم الحقيقى فكان هو بسط نفوذهم؛ وقام بهذه الحملات فى بادئ الأمر تجار مغامرون، ولم تشترك فيها الجهات الرسمية.

ص: 5968

وقد جهز التجار، الجعليون والدناقلة والترك بل الأوربيون، سفنا يسيرها جنود مرتزقة وتحصنوا فى مراكز تجارية (دِيم أو زَريبَة) ومنها أخذوا يحكمون بالفعل البلاد المجاورة. وكان من أعلام هؤلاء المغامرين زبير رحمه، وهو جَعْلى فرض سيادته على منطقة بحر الغزال وانتهى به الأمر إلى غزو مملكة دارفور القديمة سنة 1874.

وما إن حل هذا الوقت حتى وجدت الحكومة ألا مناص لها من فرض سلطانها على تلك الأصقاع التى تركت إلى ذلك الحين مرتعًا لنشاط هؤلاء التجار المتمردين. وأصبح الخراب الذى حل بالبلاد والعسف الذى نزل بالأهالى فى غير ما شفقة أو رحمة واسترقاق العدد الكبير منهم، فضيحة عامة لم تستطع السلطات المصرية حيالها أن تظل مكتوفة الأيدى. لذلك عهد الخديو إسماعيل باشا سنة 1869 إلى السير صمويل بيكر Samuel Baker بإنشاء مراكز إدارية فى إقليم خط الاستواء وقمع نشاط تجار الرقيق. وامتد سلطان المصريين فى مدة خدمته إلى أونيورو Unyoro وأوغندة؛ على أنه لم يفعل إلا القليل لمواجهة تجارة الرقيق بسبب العراقيل التى كانت تضعها السلطات فى الخرطوم. وقد خلفه سنة 1870 الكولونيل (الجنرال فيما بعد) غوردون G.G.Gordon الذى عين حاكما عامًا على إقليم خط الاستواء مع تخويله السلطة العليا من فاشودة إلى البحيرات الكبرى. وقد أعلن فى ذلك الوقت أن الاحتفاظ بالقوات العسكرية الخاصة أمر مخالف للقانون، وأغلقت مراكز تجارة الرقيق. ووضع غوردون بمعاونة مساعدين أوربيين وأمريكيين أسس الإدارة المنظمة، ثم عُين سنة 1877 حاكمًا عامًا على السودان كله، وظل فى هذا المنصب حتى عام 1879 على أن جهوده التى لم تعرف الكلل فى سبيل إصلاح الإدارة قد عرقلها ما قام من فتن فى دارفور وما وقع من اشتباكات حربية مع الحبشة.

ونشأ عن إدارة شمالى السودان على يد حكامه من الترك والمصريين

ص: 5969

عدة مساوئ، فقد كان النظام المالى فاسدًا جائرًا. وأشرف السكان على الخراب. وكان الإشراف على الإدارة من القاهرة غير فعال، وظل مشروع الإصلاح الإدارى والمالى الذى وضعه الخديو سعيد باشا سنة 1857 مهملا لا يرجى له تنفيذ. وقد أوقفت أشد هذه المساوئ وبالا فى عهد ولاية غوردون، غير أن مسلكه الصلب فى موضوع الرق أثار العداوة. فلما استقال غوردون من منصبه عام 1880 كان السودان قد نضج كل النضوج للثورة، واشتعل السخط العام عندما ظهر زعيم جمع طوائف الساخطين على اختلافهم تحت راية الدين، وقد برهن هذا الزعيم على قداسة رسالته بتلك الانتصارات التى أحرزها أتباعه القليلو العدة على قوات الحكومة.

وبدأت قوات بريطانيا العظمى ومصر تعيد سنة 1896 فتح الأقاليم التى فقدتها. وقد تحقق هذا الهدف العسكرى بهزيمة جيش الدراويش عند أم درمان (وقعة كررى kerreri فى 2 سبتمبر عام 1898). وأصبح السودان المصرى الإنجليزى بمقتضى الاتفاق المؤرخ فى 19 يناير سنة 1899 يحكم حكما ثنائيا تشترك فيه بريطانيا العظمى ومصر، وتأكد هذا الوضع بمقتضى المعاهدة المصرية الإنجليزية التى أبرمت سنة 1936.

وقد اضطلعت الإدارة الجديدة بالإشراف على بلاد أصابها الدمار والخراب فقد كان عدد السكان قبل الثورة المهدية حوالى 8.500.000 نسمة، ويقدر عدد من هلك منهم بفعل الجوع والمرض بحوالى 3.500.000، ومن قتل فى معارك هذه الحرب الضروس بقرابة 3.250.000 نفس، وأعقب ذلك عهد انقضى فى التعمير والإنشاء البطئ المتمهل بتوجيه السير ريجنالد وينجيت Reginald Wingate الذى خلف اللورد كتشنر Lord Kitchener فاصبح قائدًا عامًا سنة 1899. وقد أثار الأمن الداخلى كثيرًا من المشاكل بفعل القبائل الثائرة التى لم يكن لها من قبل قط عهد بالإدارة المتحضرة وبفعل ما اكتنف الأحوال من خطر قيام الفتن يشعلها المتعصبون بوحى من السنن المهدية. على أن البلاد سارت فى طريق

ص: 5970