الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويتقاضون منحا أو (جامكية)، على أن حكومة القاهرة كانت تعدهم "رهائن"(خليل الظاهرى)، ويجعلونهم مسئولين عمن يدخلون فى ولايتهم وعما يرتكبه القراصنة من عدوان. وكان القناصل يحمون الحجاج ويتدخلون إذا لزم الأمر لصالح النصارى من الأهلين ومن ثم قام نظام الامتيازات الذى تطور فى القرون التالية.
سورية فى عهد العثمانيين:
بدأ حكم المماليك فى الانحلال بحلول القرن السادس عشر الميلادى؛ فقد ضاق أهل البلاد بجورهم وعسفهم، وصحت نية السلطان العثمانى سليم الأول على انتهاز هذه الفرصة لفتح سورية وسبق السلطان المملوكى قانصوه الغورى إلى العمل، فحشد جنوده وسار إلى الأناضول مارا بدمشق وحلب. والتقى الجيشان فى دابق على مسيرة يوم شمالى حلب، وفرقت مدفعية الترك ومشاة الإنكشارية صفوف المصريين وأشاعت فيها الفوضى والاضطراب. واختفى الغورى بعد النكبة التى منى بها فى دابق (24 أغسطس 1516 م) وفتحت حلب ودمشق وبلدان سورية أبوابها للغازى والذى مضى إلى مصر وقضى على حكم المماليك. واحتفظ الترك أول الأمر بالتقسيم الإدارى أى النيابات. وكان المملوك الغزالى نائب دمشق قد شخص إلى معسكر العثمانيين بعد موقعة دابق، وكوفئ هذا المرتد بحكم سورية فيما عدا نيابة حلب التى ادخرت لأحد الباشوات الترك.
فلما توفى سليم الأول (1520 م) نادى الغزالى بنفسه سلطانًا وتلقب بالملك الأشرف ثم هزم الغزالى وقتل فى القابون عند أبواب دمشق (يناير 1521 م) وأصبحت سورية قبل نهاية القرن السادس عشر الميلادى مقسمة إلى ثلاث باشويات كبرى:
1 -
دمشق، وتشمل عشرة سناجق أهمها بيت المقدس وغزة، ونابلس، وصيداء وبيروت.
2 -
طرابلس، وتشمل سناجق حمص، وحماه، وسلمية، وجبلة.
3 -
حلب وتشمل شمالى سورية بأسره فيما عدا عينتاب التى أدخلت فى باشوية مرعش؛ وأنشئت فى القرن
التالى باشوية صيداء لتشمل لبنان، وقد بقى هذا التقسيم الإدارى بمعالمه البارزة حتى منتصف القرن الثامن عشر حين نقلت قاعدة الحكم من صيداء إلى عكا.
ولم يكن ديوان إستانبول يعنى بالشام إلا بمقدار ما تتيح له أن يحرس مصر والشام ويجبى من خراجها ما يسد نفقات القصر السلطانى والحروب الخارجية وكانت الضرائب التى تطلق فى المزاد يوكل أمرها إلى من يرتبط بجباية أكبر قدر منها. وقد جاء فى تقرير أحد قناصل البندقية أن الباشوية كانت تدر ما بين 80.000 و 100.000 بندقى (والراجح أنه كان بندقيا فضيا، وهو الكروسو عند البنادقة، ومن ثم القرش وجمعها قروش، ويساوى القرش خمسة فرنكات). وكان الباشوات يحكمون المدن الهامة وأرباضها حكما مباشرًا. أما داخل البلاد فقد ترك للإقطاعيين القدماء الذين ازداد عددهم وسلطانهم منذ عهد المماليك وهم أمراء البدو والتركمان والمتولية، والدروز والنصيرية ولم يكن الباب العالى يقتضيهم إلا الجزية أو الميرى غير حافل إذا رآهم يناضلون ممثليه. وكان الباشا التركى يخرج كل عام على رأس مدفعيته وإنكشارييه ليجبى الضرائب. وكانت هذه القوة تعيش على حساب البلاد وتخربها إذا هى قاومت فهل لنا أن نعجب بعد إذا وجدنا الزراعة وهى أهم موارد سورية تضمحل، والسكان يتناقصون. والنواحى الريفية تستصفى من أجل لبنان والأقاليم الجبلية التى كان يفزع إليها السكان المراهقون؟
وكان حرج موقف العمال الترك وعدم استقرارهم يزيدهم جشعا على جشع. وقد توالى على دمشق 133 باشا فى 180 عاما. وشهد هذا العهد قومة فخر الدين بطل الاستقلال السورى (1583 - 1635 م). الأمراء المتولية، وبنى حرفوش أصحاب بعلبك والبقاع وبنى منصور ابن فريح شيوخ البدو الذين شقوا لأنفسهم إقطاعا فى فلسطين وفى إقليم نابلس. وكان هؤلاء الأمراء الاقطاعيون منظمين تنظيما لا بأس به على الرغم من جشعهم، وكانوا قادرين على الدفاع عن مغانمهم ضد الترك الغاشمين. وقد تبين أن استعمار
البرتغاليين للهند وجعلهم طريق التجارة مع الشرق الأوسط يلتف حول رأس الرجاء الصالح كان خطرًا داهما أصاب سورية. واجتذبت طرابلس ثم صيداء -بفضل سبق فخر الدين إلى العمل- السفن الأوربية فكانت تشخص إليهما للتزود بالحرير والقطن. أما حلب المستودع الأكبر على الطريق المباشر المؤدى إلى الخليج الفارسى فقد ظلت ثلاثة قرون أهم مركز تجارى فى شمالى سورية بفضل موقعها بين أرض الجزيرة والبحر وولايات الأناضول التى كانت حلب سوقها.
وفى النصف الثانى من القرن الثامن عشر حدث أن لفتت فعال ثلاثة رجال الأنظار إلى مدينة عكا وإقليمها فجأة. وكان هؤلاء هم ضاهر (وفى النطق السورى ظاهر) العمر، والجزار، وبونابرت. فقد بسط ضاهر، وكان شيخا من شيوخ البدو وصاحب صفد، سلطانه على الجليل واستقر فى عكا وحصنها وأقامها من بين أنقاضها. وقاوم ضاهر الباب العالى (1750 - 1775 م) بفضل معونة المملوكين المصريين على بك وأبى الذهب وأسطول صغير من السفن الروسية كان يجوب المياه السورية. وحاصره الترك فى عكا وأدركته منيته فيها سنة 1775 م. وصمد خليفته الجزار لعبقرية بونابارت الشاب الحربية ثلاثة أشهر (مارس - مايو 1799) وظل الجزار، باشا دمشق وعكا، متحكما فى مصير سورية قرابة أربعين عاما (1775 - 1804) بالرغم من مظالمه وقسوته.
وقد نقص لعمكان الشام وفلسطين الذين كان عددهم أيام الفتح العربى أربعة ملايين نسمة فبلغ عددهم مليونا ونصف مليون بعد ثلاثة قرون من الحكم التركى. واضمحلت زراعة القطن الذى كان هو والحرير أهم موردين من موارد الثروة فى سورية اضمحلالا تاما، حين قرر محمد على والى مصر إن يجتذب اليها الزراع السوريين الذين كانت قد وهنت عزيمتهم. وكانت هذه الحالة من الفوضى هى التى مكنت الأمير بشير اللبنانى من التدخل فى شئون سورية السياسية بل إن أكابر
العمال الترك كانوا يسعون إلى تدخله فى أمورها، فقد توسل إليه يوسف، باشا دمشق (1807 - 1810) أن يمده بالعون ليدفع الوهابيين الذين كانوا يهددونه بالغزو. وقد ترأس بشير فى دمشق حفل تنصيب سليمان باشا عكا وخليفة يوسف باشا المعين من قبل الباب العالى، على أن محمدا عليا والى مصر كان فى غمرة هذه الفوضى العامة يتحين الفرص لضم سورية إلى ولاية مصر. وتولى عبد اللَّه باشا الذى خلف سليمان على عكا (1818 م) تسليمها إليه ورفض عبد اللَّه باشا أن يسمح بترحيل الفلاحين المصريين إلى سورية ورد مبلغ مليون قرش. وأبى نصارى لبنان الدفع حين دعاهم باشا عكا الذى كانت لبنان تقع فى ولايته، إلى المساهمة فى أداء هذا المبلغ. وكانت هبَّة النصارى سمة جديدة فى شؤون سورية السياسية، على أنها لم تكن بعد هى السمة الوحيدة. فقد كان النصارى بسبيلهم إلى التنور بفضل اتصالهم بالأوربيين وبدأوا يحسون بقوتهم. وتذرع محمد على بما كان من رفض عبد اللَّه باشا، فأنفذ ابنه إبراهيم باشا إلى سورية على رأس جيش مدرب على الأساليب الأوربية. وسلمت عكا فى 27 مايو سنة 1832 بعد حصار دام سبعة أشهر. وفى 8 يولية هزم إبراهيم الترك هزيمة منكرة فى حمص. وبعد ذلك بقليل اقتحم ممر بيلان ودخل الأناضول. وعقدت معاهدة (مايو 1833) ضمنت لمصر ملك سورية إلى حين.
وتبين أن الحكم الجديد كان يتسم بالسماحة، فقد سمح للنصارى بدخول المجالس البلدية، وجنح إلى إلغاء الإجراءات التى كان فيها إذلال لغير المسلمين وحاول إصلاح الشرطة والمحاكم. على أنه أثار سخط الأهلين باستحداث السخرة والتجنيد الإجبارى حتى فى أقاليم لبنان شبه المستقلة فنشبت الفتن بين دروز لبنان وحوران وكذلك بين النصيرية، وفى ولاية نابلس التى لم تخضع من قبل قط إخضاعا تاما. وأنهك إبراهيم قواه فى
إخماد هذه الفتن. ورأى الترك أن الوقت قد حان لإعادة فتح سورية. ونزلت بهم هزيمة ساحقة عند نصيبين (27 يونية 1839) شمالى حلب. وهنالك تدخلت الدبلوماسية الأوربية بتحريض انجلترا التى كانت قد أزعجتها أطماع محمد على. ولم تكن انجلترا تهتم بمصر أى اهتمام حتى حملة بونابرت ثم انشغلت بعدها انشغالا لا يفتر بمصر والبحر الأحمر وأثار وكلاؤها الخواطر فى لبنان بأسره. وقذف أسطول من الحلفاء بيروت بالقنابل (سبتمبر 1840) وفى 2 نوفمبر سلمت عكا، واضطر إبراهيم إلى الاتفاق على الجلاء عن سورية. وكان الأمير بشير قد مضى إلى منفاه قبيل ذلك.
واستن الباب العالى منذ عهد محمود الثانى سياسة تقوم على المركزية فى الإدارة وأصدر مرسوما بإلغاء الإمارات المحلية المستقلة استقلالا ذاتيا وإبطال الإقطاعيات ولما رحل المصريون عن سورية نقل الباب العالى إلى بيروت التى كانت أهميتها فى ازدياد مطرد، المراكز الإدارية لباشويتى عكا وصيداء القديمتين، تمهيدا لضم لبنان. وتحقيقا لهذا الغرض نفسه أعلنت إقالة دولة أمراء لبنان القديمة ونعنى بهم الأمراء الشهابية. وإنما نتج عن هذا إشاعة الفوضى الناشبة هناك، فقد كان النصارى الذين ناضلوا المصريين يطالبون بأن يعاملوا على قدم المساواة مع الدروز، وكان عدد منهم قد استحوذوا فى جنوبى لبنان على الأراضى المصادرة لمشايخ الدروز الذين كان إبراهيم باشا قد نفاهم، ثم عاد هؤلاء من منفاهم فطالبوا بأن يعودوا إلى ما كانوا عليه وأن ترد إليهم امتيازاتهم القديمة، وانحازت تركية إليهم، فمهدت بذلك السبيل إلى نشوب المعارك الجديدة والقتال الدموى، وأظهر مسلمو سورية عداوة لا تقل عن ذلك عنفا حيال النصارى الذين كان الحكم المصرى قد أطلق لهم بعض حرياتهم، ولم يحفلوا بالتقدم العقلى والمادى الذى أصابه النصارى، ولا بالمساواة فى الحقوق السياسية التى وعد بها "الخط السلطانى". وكان الخط الهمايونى الذى أصدره السلطان
عبد المجيد والذى بعث به إلى مؤتمر باريس (1856) ووضع ضمنا هذه الحقوق فى كفالة الحلفاء قد أخزى الرأى العام الإسلامى، ولكنه أوحى بالثقة إلى صفوف النصارى، فاغتنموا الفرصة فى دمشق وغيرها من المدن الكبرى للثراء. وبدأت الثورة تضطرم فى قلوب الدروز والمسلمين وتنتظر حوادث سنة 1860 حتى تنفجر.
وضم دروز لبنان صفوفهم إلى صفوف أهل ملتهم فى وادى التيم وحوران فأعملوا النار والدمار فى قرى الموارنة الذين كانوا فى هرج ومرج إثر نزاع نشب حول زراعة الأرض، وبلغت هذه الحركة المناهضة للمسيحيين دمشق التى كان المسلمون قد نهبوها ثم أشعلوا النار فى حى النصارى الزاهر بعد تذبيح سكانه، وتدخلت السلطات التركية فى دمشق، وفى لبنان، وفى بيروت لنزع السلاح من المسيحيين فحسب، وراحت ترقب المذبحة دون أن تحرك ساكنا، إما لعجزها وإما لتأجيج نارها. وعملت فرنسا بحق الانتداب التى خولته لها أوروبا، فأنزلت فى بيروت (سبتمبر سنة 1860) جيشا "لمساعدة السلطان على إعادة الأمن إلى نصابه" وسبق الباب العالى إلى العمل فأنفذ فؤاد باشا إلى سورية وجعل له حرية التصرف بما يراه؛ وبدأ باتخاذ إجراءات سريعة وأصدر أحكاما بالنفى على أشد الزعماء الترك والدروز إيغالا فى الفتنة، فوضع أوروبا أمام الأمر الواقع، وشل دهاء الترك وتوجس الانجليز تدخل الفرنسيين، ومع ذلك فقد أعاد هذا التدخل الثقة إلى قلوب المسيحيين وحفظ وطنهم لأصحابه أهل لبنان، ومنح لبنان نظاما من الحكم الذاتى فى رعاية أوروبا المباشرة فغنم بذلك قرنا من الزمان نعم فيه بالأمن والرخاء.
وكانت سورية بعد سنة 1864 مقسمة إلى ولايتين: ولاية حلب، وولاية دمشق، وفى سنة 1888 جعلت بيروت أهم ثغور سورية ومركز الحياة التجارية ولاية قائمة بذاتها. وركدت الحال فى سورية بعد الهزات التى
انتابتها سنة 1860 فوقفت موقف المتفرج الذى لا يبالى بسقوط السلطانين عبد العزيز ومراد ومجئ السلطان عبد الحميد ومنح الدستور سنة 1876 (وسرعان ما سحب)، ورأينا اليهود بين سنتى 1881 و 1883 يقيمون أول مستعمرات زراعية لهم فى فلسطين، فمهد ذلك الطريق إلى الصهيونية. ونالت الصهيونية الاعتراف الرسمى بفضل وعد بلفور (نوفمبر 1917 م) ودخل ذلك فى نص الانتداب البريطانى على فلسطين 1922).
وفى عهد عبد الحميد بدأت الهجرة تتسع اتساعا يقلق الخواطر. ورأى السوريون أن فسحة العيش قد ضاقت بهم فى وطنهم وباتوا تستغلهم سلطة جشعة لا عهد لها ولا ذمة، فأخذوا ينزحون عن بلادهم. وكان من الأمور التى شكا منها السوريون بحق إهمال الحكومة التركية للمرافق العامة. وأقبلت فرنسا برأس مالها لتفريج كربة سورية، وكانت آنئذ قد تركت لشأنها بعد أن أصيبت بضربة اقتصادية أخرى من جراء شق قناة السويس، ذلك أننا باستثناء الجزء السورى من سكة حديد بغداد وسكة حديد دمشق المدينة اللتين هما من صنع عبد الحميد، نجد أن خطوط السكك الحديد السورية قد أقام معظمها فرنسا. وزادت هذه المشروعات فى ثروة سورية وإنتاجها، فقد ربطتها بسلسلة واسعة من أسباب الاتصال، أجل ربطتها بطوروس والأناضول، والآستانة فى الشمال، وبلاد الغرب ومصر فى الجنوب.
وعنى الترك بتشجيع التقدم العقلى فى سورية عناية أقل من عناية المماليك أنفسهم؛ فقد أبدى عبد الحميد صراحة عداوته للأدب العربى وأنشأ نظاما صبغ سورية بالصبغة التركية، وعلى الرغم من جميع هذه العقبات، نجح نصارى حلب خلال القرن السابع عشر فى معاودة الاتصال بالدراسات العربية التى ظلت قرونا مغلقة فى وجوههم أو تكاد. ونحن ندين لهم بفضل إنشاء أول مطبعة فى لبنان (1610) وفى حلب.