المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ما أكل منها جائع إلا شبع - نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار - جـ ١

[عبد القادر المجلسي]

فهرس الكتاب

- ‌الكلام على البسملة

- ‌«ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء

- ‌ ولنذكر حين تم شرح هذه الأبيات

- ‌ من يعقوب إسرائيل الله

- ‌(وحملت آمنة الزهرية)

- ‌ أصغر كوكب في السماء أكبر من الأرض بمائة وعشرين مرة

- ‌ وسأله أن يبعث له فيله "محمود

- ‌(فغاضت المياه) هذا من عجائب

- ‌(عفا جانب البطحاء من ال هاشم

- ‌ أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(بيان مبعث النبي الهادي

- ‌(فقام يدعو الإنس والجن إلى

- ‌ فكان أول دم أريق فى سبيل الله

- ‌(وكان قادرا على التدمير…لو شاء

- ‌ الجن على ثلاثة أصناف:

- ‌ وفى الجن ملل

- ‌ أول من خط بالقلم

- ‌(بيان هجرة النبى المختار

- ‌ واهتز لموته عرش الرحمن

- ‌ ما أكل منها جائع إلا شبع

- ‌(يا دار خير المرسلين

- ‌(أولها) غزوة ودان

- ‌ هذا كتاب من محمد رسول الله

- ‌أما غزوة بدر فهي أعظم

- ‌ لها سبعة أولاد شهدوا بدرا

- ‌(هنيئا زادك الرحمن فضلا

- ‌ وبعدها "غزوة أحد

- ‌ أنسيتم ما قال لكم رسول الله

- ‌(أنا ابن الذي سالت على الخد عينه

- ‌ غزوة حمراء الأسد

- ‌ غزوة دومة الجندل

- ‌ غزوة الخندق

- ‌ فلم يقم لقريش حرب بعدها

- ‌ اللهم منزل الكتاب

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌ غزوة بني لحيان

- ‌ غزوة ذي قرد

- ‌ لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل

- ‌ قال أهل الإفك في الصديقية الطاهرة

- ‌ غزوة الحديبية

- ‌ وإذا توضأ كادوا يقتتلون علي وضوئه

- ‌ فلما حصل الصلح اختلطوا بالمسلمين

- ‌ ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر

- ‌ثم يلي خيبر فتح واد القرى

- ‌ غزوة القضاء

- ‌غزوة مؤتة

- ‌ثم بعد مؤتة غزوة فتح مكة

- ‌غزوة حنين

- ‌ولما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم

- ‌ اللهم لا تنسها لأبي سفيان

- ‌غزوة بني سليم

- ‌غزوة بني قينقاع

- ‌ثم غزوة السويق

- ‌غزوة غطفان

- ‌غزوة بحران

- ‌غزوة تبوك

- ‌(طلع البدر علينا

- ‌ولنذكر كلاما مختصراً في البعوث

- ‌ ثم بعد ذلك سرية محمد بن مسلمة

- ‌ثم سرية زيد بن حارثة إلى القردة

- ‌ فأتتهم فقتلت منهم سبعمائة رجل

- ‌ويليه بعث أبي عبيدة بن الجراح

- ‌ أيها الناس إني قد أجرت أبا العاصي

- ‌ثم سرية زيد سادسة إلى واد القرى

الفصل: ‌ ما أكل منها جائع إلا شبع

والظاهر أنه إنما قاله بعد إسلامه:

(لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم

وقدس من يسري إليهم ويغتدي)

(ترحل عن قوم فضلت عقولهم

وحل على قوم بنور مجدد)

(هداهم به بعد الضلالة ربهم

وأرشدهم من يتبع الحق يرشد)

(وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا

عمى وهداة يهتدون بمهتدي)

(وقد نزلت منه على أهل يثرب

ركاب هدى، حلت عليهم بأسعد)

(نبي يرى ما لا يرى الناس حوله

ويتلو كتاب الله في كل مشهد)

(وإن قال في يوم مقالة غائب

فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد)

(ليهنأ أبا بكر سعادة جده

بصحبته، من يسعد الله يسعد)

وفي المواهب وشرحها أخرج ابن سعد وأبو نعيم إن أم معبد قالت بقيت الشاة التي لمس عليه السلام ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة سنة ثمان أو سبع عشرة من الهجرة، زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقيل لها ذلك لأن الريح كانت إذا هبت ألقت ترابًا كالرماد، وأجدبت الأرض إلى الغاية حتى أوت الوحوش إلى الإنس، وإلى عمر أن لا يذوق لحمًا ولا سمنًا ولا لبنًا حتى يحي الناس، أي يأتيهم الحيا، ويمتد المطر، فاستسقى بالعباس، قالت أم معبد وكنا نحلبها صبوحًا وغبوقًا، وما في الأرض لبن قليل ولا كثير، قال هشام راويه وأنا رأيتها وأنها لتادم أم معبد، وجميع حرمها أي أهل ذلك الماء، وذكر الزمخشري عن هند بنت الجون قالت نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم خمية خالتي أم معبد، فقام من رقدته، فدعاء بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومجّ عوجسة إلى جانب الخيمة، فأصبحت كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشهد،‌

‌ ما أكل منها جائع إلا شبع

، ولا ظمأن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا در لبنها. انتهى المراد منهما.

وأخرج الشيخان عن البراء بن عازب أن أباه عازبًا سأل أبا بكر رضي الله عنهما: كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم؟ ، قال ارتحلنا من مكة فأحيينا

ص: 175

يومنا وليلتنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل رأى من ظل نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها، فإذا بقية ظل لها، فنظرت بقية ظلها فسويته وفرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروة وقلت اضطجع يا رسول الله، فاضطجع ثم ذهبت أنظر ما حوله هل أرى من الطلب أحدًا، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أريد، يعني من الظل، فقلت لمن أنت، قال لفلان رجل من قريش، فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم، قلت هل حالب أنت لي، قال نعم، فاعتقل شاة من غنمه فأمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا، فضرب إحدى كفيه على الأخرى فحلب لي كثبة من لبن، وقد رويت ومعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدوات على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استيقظ فقلت يا رسول اشرب، فشرب حتى رضيت، وقلت قد آن الرحيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتحلنا. انتهى المراد من الاكتفاء.

ثم لما رحلوا من عند أم معبد كما عند مغلطاي تعرض لهم يوم الثلاثاء، وحكي الجوهري فتحهما، المدلجي بضم الميم وكسر اللام من بني مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكناني والحجازي، أسلم على يده صلى الله عليه وسلم بالجعرانة مصرفة من حنين والطائف، وروى عنه ابن عباس وجابر وابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم وابن المسيب، وسبب تعرضه لهم ما في البخاري عنه، قال جاءنا رسل من كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية، كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجالس قومي أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال يا سراقة قد رأيت آنفًا إسودة بالسواحل، أراها محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال سراقة فعرفت أنهم هم، فقلت له إنهم ليسوا هم، ولكنت رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم أثبت ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن

ص: 176

تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت الحديث، وفيه أنه لما دنا منهم سقط عن فرسه واستسقم بالأزلام فخرج ما يكره لا يضرهم ثم ركبها ثانيًا، وقرب حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسه في الأرض إلى الركبتين، فسقط عنها ثم خلصها، واستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره، فناداهم بالأمان، وفي رواية ابن عقبة: وكنت أرجو أن أرده فأخذ المائة ناقة، وفي رواية عن أبي بكر: تبعنا سراقة ونحن في جلد من الأرض، فقلت هذا الطلب قد لحقنا، فقال: لا تحزن إن الله معنا، فلما دنا منا وكان بيننا وبينه رمحان أو ثلاثة، قلت هذا الطلب لقد لحقنا وبكيت، قال صلى الله عليه وسلم ما يبكيك؟ ، فقلت: أنا والله ما على نفسي أبكي ولكن عليك.

وعند الإسماعيلي وغيره، فقال صلى الله عليه وسلم اللهم اكفناه بما شئت، وفي حديث أنس عند البخاري: اللهم أصرعه، فصرعه فرسه، وللطبراني أن فرسه وقعت لمنخريها، وللإسماعيلي فساخت في الأرض إلى بطنها، فطلب الأمان، زاد ابن إسحاق فقال أنا سراقة أنظروني أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني ما تكرهونه، وللإسماعيلي قد علمت يا محمد أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ولكما أن أرد الناس عنكما ولا أضركما، فدعا له صلى الله عليه وسلم، وللإسماعيلي وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا، فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك، فقال لا حاجة لنا في إبلك ودعا لي، وذكر ابن سعد أنه لما رجع قال لقريش قد عرفت نظري بالطريق، وبالأثر وقد استبرأت لكم فلم أر شيئًا فرجعوا، وروي أن سراقة قال يخاطب أبا جهل بعد انصرافه عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(أبا حكم والله لو كنت حاضرًا

لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه)

(علمت ولم تشك بأن محمدًا

رسول ببرهان فمن ذا يقاومه)

(عليك بكف القوم عنه فإنني

أرى أمره يومًا ستبدو معالمه)

(بأمر يود الناس فيه بأسرهم

بأن جميع الناس طرا يسالمه)

ص: 177

وسراقة هذا أظهر الله فيه علمًا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث أنه عليه السلام قال له كيف بك إذا لبست سواري كسرى، وذكر ابن المنير أنه قال له ذلك لما لحقهما في الهجرة فعجب من ذلك، فلما أوتى بهما عمر وبتاجه ومنطقته، دعا سراقة فألبسه السوارين وقال ارفع يديك وقل الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج، ورفع عمر صوته ثم قسم ذلك بين المسلمين، ومما وقع لهم في الطريق ما أخرجه البيهقي عن ابن بريدة قال: لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن يرد النبي صلى الله عليه وسلم حملني الطمع، فركبت في سبعين من بني سهم فلقيته، فقال من أنت، قلت بريدة، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وقال برد أمرنا وصلح، فقال ممن أنت، قلت من أسلم، قال سلمنا، ثم قال ممن قلت من بني سهم، قال خرج سهمك يا أبا بكر، فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم من أنت، قال أنا محمد بن عبد الله رسول الله، فقال بريدة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعًا، ولما بلغ المسمين بالمدينة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، بفتح المهملة وشد الراء، أرض ذات حجارة سود كانت بها وقعة يزيد المشهورة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم طلع رجل من اليهود على أطم، بضم الهمزة والطاء من أطامهم، والأطم الحصن، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليهم ثياب بيض يرفعهم السراب، فصاح بأعلى صوته يا بني قيلة، بفتح القاف وسكون التحتية بنت كاهل بن عذرة والدة الأوس والخزرج، وهذا جدكم، بفتح الجيم وشد المهملة، أي حظكم ومطلوبكم، وصاحب دولتكم قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة سراعًا بسلاحهم إظهارًا للقوة والشجاعة لتطمئن نفسه صلى الله عليه وسلم بقدومه عليهم، ويظهر له صدقهم في مبايعتهم إياه، فنزل بقباء على بني عمرو ابن عوف على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهدم، وقام أبو بكر للناس

ص: 178

يتلقاهم، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرفه الناس عند ذلك، ولا ينافي ما هنا من إصابة الشمس له صلى الله عليه وسلم ما مر من إظلال الغمامة له؛ لأن ذلك قبل البعثة كما صرح به القسطلاني وغيره، وأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة على ما في الصحيحين عن أنس واثنين وعشرين ليلة على ما ذكره موسى بن عقبة، من رواية محمد بن بريدة وحكاه الزبير بن بكار عن قوم من بني عمرو بن عوف وقيل ثلاثًا فقط، رواه ابن عائذ عن ابن عباس وأسس صلى الله عليه وسلم مسجد قباء وقيل أقام فيه أربعة ثم خرج عليه السلام من قباء وسلم مسجد قباء وقيل أقام فيه أربعة ثم خرج عليه السلام من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة في أرض بني سالم بن عوف فصلاها بمسجدهم في بطن وادي رانوناء براء مهملة، ونون كعاشوراء واسم المسجد غبيب بضم الغين المعجمة، وفتح الموحدة بتصغير غب كما ضبطه صاحب المغانم المطابة في فضائل طابة، وهو المجد صاحب القاموس واسم الوادي ذو صلب، ولذا سمي مسجد الجمعة، وهي أول جمعة صلاها عليه السلام، وأول خطبة خطبها في الإسلام، وقيل كان يصلي في مسجد قباء مدة إقامته، ثم بعد صلاة الجمعة ركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم راحلته متوجهًا إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر خلفه إكرامًا له، وإلا فقد كان له راحلة كما مر، وأبو بكر شيخ كان قد أسرع إليه الشيب، والنبي صلى الله عليه وسلم لا شيب فيه، وأبو بكر يعرف لأنه كان يمر عليهم تاجرًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف لعدم تردده إليهم، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك؟ ، فيقول هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق الحسية وإنما يعني سبيل الخيرات، وكان صلى الله عليه وسلم كلما مر على دار من دور الأنصار اعترضه رجالهم يدعونهم إلى المقام معهم، ويقولون له يا رسول الله هلم إلى القوة والمنعة والمنعة

ص: 179

بالتحريك مشترك بين العز والجماعة اللذين يحمونه، وإن سكنت النون فبمعنى العز فقط، وسمي ممن قال له ذلك عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة من بني سالم بن عوف وزياد بن لبيد وفروة بن عمرو، في رجال من بني بياضة وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، وفي رجال من بني ساعدة وسعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبي زهير، وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرجي، وأبو سليط وسليط بن القيس في رجال من بني عدي بن النجار، وهم أخواله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو منهم، ويقول عليه السلام لكل منهم خلوا سبيلها يعني ناقته، فإنها مأمورة، حتى أتت دار مالك بن النجار فبركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ مربد، بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء فدال مهملة، الموضع الذي يجفف فيه التمر لسهل، وسهيل بني رافع بن عمرو، وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء، كما عند ابن إسحاق وأبي عبيد، ويقال إنهما في حجر سعد بن زرارة، أي بالألف أحد سباق الأنصار، وفي رواية أبي ذر وحده سعد بلا ألف، والأول هو الصواب، قال الحافظ سعد تأخر إسلامه. انتهى، وذكره غير واحد في الصحابة، قال عياض: ولم يذكره كثيرون؛ لأنه ذكر في المنافقين، وحكى الزبير أنهما كانا في حجر أبي أيوب، قال في الفتح وأسعد أثبت، وقد يجمع باشتراكهم وبانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدًا بعد واحد. انتهى من الزرقاني.

وقال الكلاعي فلما بركت ولم ينزل عنها صلى الله عليه وسلم وثبت ومشت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جيرانها به، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى المراد منه.

وفي حاشيته منسوبًا للسهيلي، فسر ابن قتيبة تلحلح أي بتقديم اللام بأن معناه لزم مكانه وأنشد:

ص: 180

(أنا من إذا قيل انفروا قد أتيتم

أقاموا على أثفالهم وتلحلحوا)

وأما تقديم الحاء فمعناه زال عن موضعه، وهذا الذي قاله قوي من جهة الاشتقاق، ولكن الرواية في سيرة ابن إسحاق بتقديم الحاء، وهو خلاف المعنى. انتهى.

قال في المواهب وشرحها بعد أن ذكر بروكها أولا بالمربد ثم ثارت، وهو صلى الله عليه وسلم عليها ومشت حتى بركت على باب أبي أيوب خالد بن زيد بن كلب من أكابر الصحابة من بني مالك بن النجار شهد بدرًا، والمشاهد ثم ثارت أي قامت وباركت في مبركها الأول عند المسجد، وألقت جيرانها بالأرض، وهو بكسر الجيم باطن العنق أو مقدمه من المذبح، وأرزمت بهمز فراء ساكنة فزاي مفتوحة أي صوتت من غير أن تفتح فاها، قاله أبو زيد، وقال صاحب العين معناه رغت ورجعت في رغائها، ويقال منه أرزم الرعد وأرزمت الريح انتهى. وروي رزمت بلا ألف أي نامت من الإعياء والهزال، ونزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتمل أبو أيوب رحله بإذنه صلى الله عليه وسلم وأدخله بيته، ومعه زيد بن حارثة، وكانت دور بني النجار أفضل دور الأنصار، والناقة المذكورة هي القصواء والجداء، وهل هما اثنتان أو واحدة لها لقبان؟ خلاف، وفي الألفية عضباء جدعاء هما القصواء، وقال الشهيلي والصحيح أن العضباء غير القصواء، قال أبو أيوب لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت في العلو، فلما خلوت على أم أيوب قلت لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالعلو منا تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فبتنا تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب بحالة هنيئة، بل بشر ليلة، فلما أصبحت قلت يا رسول الله ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال لم يا أبا أيوب؟ قال قلت أنت أحلق بالعلو منا نزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي، قال صلى الله عليه وسلم الأسفل أرفق بنا، فقلت لا والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدًا، فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى تحول إلى العلو، وأبو أيوب في السفل، وكنا نصنع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فإذا رد فضله علينا تيممت أنا وأم

ص: 181

أيوب موضع يده نبتغي بذلك البركة، وقد ذكر أن هذا البيت الذي لأبي أيوب بناه له عليه الصلاة والسلام تبع الأول ابن حسان الحميري، وكان ممن تدين بالزبور وبين موته ومولد النبي صلى الله عليه وسلم ألف سنة لما مر بالمدينة، روى ابن عساكر أنه قدم مكة وكسى الكعبة وخرج إلى يثرب وكان في مائة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة، ولما نزلها جمع أربعمائة رجل من الحكماء والعلماء وتبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم، فقالوا إن شرف البيت وشرف هذه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له محمد صلى الله عليه وسلم، فأراد تبع أن يقيم وأمر ببناء أربعمائة دار لكل رجل دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها وزوجها منه وأعطاهم عطاء جزيلاً، وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، وكتب كتابًا للنبي صلى الله عليه وسلم فيه إسلامه، ومنه شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم، فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرًا له وابن عم، ودفع الكتاب إلى عالم عظيم وأمره أن يدفعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم إن أدركه، وإلا فمن أدركه من ولد ولده أبدًا إلى حين خروجه، فتداول الدار التي بنى تبع للنبي صلى الله عليه وسلم لينزلها إذا قدم المدينة الأملاك إلى أن وصلت إلى أبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلوا إليه كتاب تبع مع أبي ليلى، فلما رأه صلى الله عليه وسلم قال له أنت أبو ليلى، ومعه كتاب تبع الأول، وقال وأهل المدينة الذين نصروه عليه وسلم من ولد أولئك العلماء، فعلى هذا فالمصطفى صلى الله عليه وسلم إنما نزل في منزل نفسه لا في منزل غيره، وفرح أهل المدينة بقدومه صلى الله عليه وسلم، وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وصعدت ذات الخدور على الأجاجير، بجيمين جمع أجار، وفي لغة الأناجير بالنون، وهي السطوح، عند قدومه عليه السلام يهنئنه ويقلن:

(طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع)

زاد رزين:

ص: 182

(أيها المبعوث فينا

جئت بالأمر المطاع)

قال القسطلاني في المواهب أنشئ هذا الشعر عند قدومه عليه السلام المدينة، رواه البيهقي، وأبو بكر المقري، بضم الميم وسكون القاف كما في الزرقاني عن ابن عائشة، وذكره الطبري، وقال خرجه الحلواني. انتهى، وسميت ثنية الوداع لأنه عليه السلام ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره، يعني غزوة تبوك كما في الزرقاني، أيضًا فودعه عندها وهذان يعطيان أن التسمية حادثة وقيل لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديمًا، فدل على أنه اسم قديم، وقال ابن بطال سميت بذلك لأنهم كانوا يشيعون الحاج إليها، ويودعونه عندها، وإليها يخرجون عند التلقي، قال شيخ الإسلام الولي ابن العراقي وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري وسنن أبي داوود والترمذي عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك خرج الناس كلهم يتلقونه من ثنية الوداع، وهذا صريح في أنها من جهة الشام لا من جهة مكة، قال ولهذا قال والدي عبد الرحيم في شرح الترمذي كلام ابن بطال، وهم وكلام ابن عائشة معضل لا تقوم به حجة انتهى.

ونحوه في الفتح كما للزرقاني، قال القسطلاني وسبقه إلى ذلك ابن القيم، أي في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، فقال هذا وهم؛ لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك، لكن قال ابن العراقي ويحتمل أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع، انتهى. قال الزرقاني قال الخميس يشبه إن هذا هو الحق، ويؤيده جميع الثنيات، قال ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة، ومرة عند قدومه من تبوك، فلا ينافي ما في البخاري وغيره، ولما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن:

(نحن جوار من بني النجار

يا حبذا محمد من جار)

ص: 183

فقال محمد صلى الله عليه وسلم: أتحببنني أي بضم التاء، من أحب وبفتحها وكسر الموحدة من حب؟ ، قلن نعم يا رسول الله، فقال عليه السلام يعلم أن قلبي محبكم بالميم، يعني معشر الأنصار، وفي رواية فقال والله وأنا أحبكن، فتفرق الناس في الطرق ينادون فرحًا جاء محمد، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهي أوبؤ أرض الله، وعك بالبناء للمجهول، أي حم أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة، وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

(كل امرئ مصبح في أهله

والموت أدنى من شراك نعله)

قوله مصبح أي مصاب بالموت صباحًا، وشراك النعل سيره الذي على ظهر القدم، والمعنى أن الموت أقرب إلى الشخص من شراك النعل إلى الرجل، وذكر ابن شيبة أن هذا الرجز لحنظلة ابن سيارة، قاله يوم ذي قار وتمثل به الصديق رضي الله عنه، وكان عامر يقول:

(لقد وجدت الموت قبل ذوقه

إن الجبان حتفه من فوقه)

(كل امرئ مجاهد بطوقه

كالثور يحمي أنفه بروقه)

والطوق الطاقة، والروق القرن، يضرب مثلاً في الحث على حفظ الحريم، ويذكر أن هذا الشعر لعمرو بن مامة، وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى بالبناء للفاعل أو المفعول يرفع عقيرته، أي صوته بالبكاء ويقول:

(ألا ليت شعري هل أبيتين ليلة

بواد وحولي إذخر وجليل)

(وهل أردن يومًا مياه مجنة

وهل تبدون لي شامة وطفيل)

وقوله بواد يعني واد مكة، والإذخر بكسر الهمزة، وسكون الذال، وكسر الخاء المعجمتين حشيش مكة الخ، والرائحة الطيبة وجليل نبت ضعيف يحشى به البيوت، وهو الثمام، ومياه بالهاء، ومجنة بفتح الميم والجيم، والنون المشددة وتكسر الميم، موضع على أميال من مكة كان به سوق في الجاهلية وشامة وطفيل بفتح المهملة وكسر الفاء عينان بقرب مكة، كما ارتضاه الخطابي، وقواه السهيلي، وقيل جبلان، وزعم في القاموس أن شامة بالميم تصحيف من المتقدمين وأن الصواب بالباء، وأشار الحافظ لرده، فقال زعم بعضهم أن الصواب بالموحدة بدل الميم والمعروف بالميم

ص: 184

انتهى. من الزرقاني.

تنبيه:

أصل العقيرة الساق المقطوعة، وأصل هذا كما قال الأصمعي أن رجلاً انعقرت رجله فرفعها وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك وإن لم يرفع رجله، قال ثعلب فهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها، وهذان البيتان ليسا لبلال، بل تمثل بهما، وإنهما لبكر بن غالب الجرهمي، أنشدهما لما بعثهم خزاعة من مكة، ولما أخبرت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححهما لنا، وانقل حماها إلى الجحفة، قوله حبب إلينا المدينة الخ

فاستجاب الله دعاءه، فكانت أحب إليهم من مكة، كما جزم به السيوطي، وقوله اللهم بارك لنا الخ

قد أجاب الله دعاءه فطيب الله هواها وترابها وساكنها والعيش بها، قال ابن بطال وغيره: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، قال الشامي: ويكفي المد منها ما لا يكفيه بغيرها، وهذا أمر محسوس لمن سكنها، والجحفة بضم الجيم وسكون المهملة قرية جامعة نحو خمس مراحل من مكة، وظهرت فيها معجزة عجيبة، فهي من يومئذ وبيئة لا يشرب أحد من مائها إلا حم ولا يمر بها طائر إلا حم وسقط وكانت يومئذ مسكن اليهود والذي نقل عن المدينة شدتها وسلطانها وكثرتها، بحيث لا يعد الباقي بالنسبة إليها شيئًا.

(ثم بها أقام) أي ثم بعد نزوله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أقام بها، أي لم يزل ساكنها (حتى احتضرا) أي توفي صلى الله عليه وسلم بها، أي المدينة، والفعل مبني للمفعول، والمحتضر بفتح الضاد الذي حضره أجله أو حضرته الملائكة لنزع روحه، قال الشادلي المحتضر بفتح الضاد وكسرها الميت؛ لأن أجله حضره، قال العدوي في حاشيته هذه العلة تناسب الفتح، وفي زروق والمصباح بفتح الضاد، ولم يذكروا الكسر، أو لأن الملائكة تحضره لنزع روحه، أو لحضور أجله غالبًا، قال وهذه العلل كلها تناسب

ص: 185

الفتح اسم مفعول، وإما بالكسر اسم فاعل فهو من قام به الاحتضار. انتهى المراد منه.

وعلى هذا الأخير فيصح كون الفعل في كلام الناظم مبنيًا للفاعل، والأول سالم من الإسناد، فهو حسن في ضبطه والله أعلم.

(بها فكانت أشرف البقاع) قوله فكانت الخ .. مسبب عن قوله ثم بها أقام حتى احتضرا بها، واسم كان ضمير يعود على المدينة المنورة، وأشرف بالنصب خبره والبقاع البلاد، يعني أن المدينة إنما كانت أفضل من جميع البلاد لسكنى النبي صلى الله عليه وسلم فيها حيًا وميتًا، وإلى ما ذكر ذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأكثر أهل المدينة ومالك وأصحابه سوى من ياتي ذكره، واختاره بعض الشافعية، وذهب الأكثر إلى تفضيل مكة، وبه قال الشافعي وابن وهب ومطرف وابن حبيب واختاره ابن عبد البر وابن رشد وابن عرفة والأدلة كثيرة من الجانبين، حتى قال الإمام ابن أبي جمرة بتساوي البلدين، واختار السيوطي الوقف عن التفضيل لتعارض الأدلة في الحجج المبينة، وجزم في خصائصه بأن المختار تفضيل المدينة، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرح الموطأ، ولما كانت التربة التي ضمت أعضاءه صلى الله عليه وسلم خارجة عن هذا الخلاف، بل هي أفضل من جميع بلاد الله تعالى حتى من الكعبة ومن السماء بل ومن العرش، كما نقله السبكي، أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ذلك فقال:(أما ضريحه) صلى الله عليه وسلم أي قبره الشريف، (ف) هو أفضل من جميع البقاع، (بالإجماع) من جميع الأمة، قال الشيخ عبد الباقي، عند قول الشيخ خليل، والميدنة أفضل ثم مكة على قول مالك، وهو قول أهل المدينة، وعكس الشافعي وابن وهب وابن حبيب وأهل الكوفة، ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضم أعضاءه صلى الله عليه وسلم، وهو مراد من عبر بغيره فإنه أفضل من جميع بقاع الأرض حتى الكعبة، ومن السماوات والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت كما للسيد السمهودي، ولعله أراد البيت المعمور، فلا يتكرر مع الكعبة، فإنها أفضل من بقية المدينة اتفاقًا، وأما المسجدان بقطع النظر عن الكعبة وعن القبر

ص: 186

الشريف، فمسجد المدينة أفضل، وما زيد من مسجده الشريف حكمه حكم مسجده عند الجمهور، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وصرح به الشافعية غير النووي، وقيل رجع عن ذلك، قال أبو هريرة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو زيد في هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي، وعن عمر رضي الله عنه قال لو مد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه، والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، وقيل بتفضيل الأرض لخلق الأنبياء منها، ودفنهم فيها، والمراد بموضع قبره ما يمس أعضاءه كما مر، لا أعم، وإن كان لغي الماس حرمة أيضًا كجلد المصحف، وقال الدماميني والروضة تنضم أيضًا لموضع القبر، بالإجماع على تفضله بالدليل الواضح، إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هي، كما قال عبد الباقي ويلي مكة بيت المقدس فهو أفضل، ولو من المساجد المنسوبة له صلى الله عليه وسلم، كمسجد قباء. انتهى المراد منه.

وقال الإمام الحطاب عند قوله والمدينة أفضل الخ

هذا هو المشهور، وقيل مكة أفضل ثم المدينة بعد إجماع الكل على أن موضع قبره عليه السلام أفضل بقاع الأرض، ونقل الحطاب عن العلماء أن الصلاة تضاعف فيما زيد في المسجد النبوي، كما تضاعف في القديم منه، وقال مالك لما سئل عن الصلاة فيما زيد منه، قال ما أراه عليه السلام، أشار بقوله صلاة في مسجدي هذا، إلا لما سيكون بعده من مسجده؛ لأن الله تعالى أطلعه على ذلك حتى أشار إليه. انتهى.

وقال الشبراخيتي والمدينة عندنا وجميع السلف ومنهم عمر رضي الله عنه أفضل، انتهى. نقله الوالد حفظه الله تعالى في اللوامع، وفي شرح الزرقاني للمواهب عن البروماوي الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل سواها من الأرض والسماء ومحل الخلاف في أن السماء أفضل أو الأرض غير ذلك. انتهى، يعني وأفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع، واستشكله العز بن عبد السلام بأن معنى التفضيل في الموضعين أن ثواب العمل في أحدهما أكثر من الآخر، وكذا

ص: 187

التفضيل بين الأزمان، وموضع القبر الشريف العمل فيه حرام، فيه عقاب شديد، ورد عليه تلميذه العلامة القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محدث ولا يلابس بقذر لا لكثرة الثواب وإلا لزم أن لا يكون جلد المصحف، بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة، وأسباب التفضيل أعم من الثواب، وقال السبكي قد يكون للتفضيل لكثرة الثواب، وقد يكون لأمر آخر، وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الملائكة والرحمة وله عند الله من المحبة، لساكنه ما تقصر العقول عنه، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة، وقال السمهودي والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمة، هي غير متناهية لدوام ترقياته صلى الله عليه وسلم وهو منبع الخيرات، وفي الشفاء ومن إعظامه عليه السلام إكرام مشاهده وأمكنته، ولهذا كان مالك رحمه الله لا يركب بالمدينة دابة ويقول أستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة، وأفتى مالك فيمن قال تربة المدينة ردية أن يضرب ثلاثين درة، وأمر بحبسه، وكان له قدر، وقال ما أحوجه إلى ضرب عنقه، وروي أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرًا وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيًا منشدًا:

(ولما رأينا رسم من لم يدع لنا

فؤاد لعرفان الرسوم ولا لبا)

(نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة

لمن بان عنه أن نلم به ركبا)

ولما أشرف بعض المريدين على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أنشأ يقول متمثلاً:

(رفع الحجاب لنا فلاح لناظر

قمر تقطع دونه الأوهام)

(وإذا المطي بنا بلغن محمدًا

فظهورهن على الرجال حرام)

(أقربتنا من خير من وطئ الثرا

فلها علينا حرمة وذمام)

قال القاضي وجدير بمواطن عمرت بالوحي والتنزيل، وتردد بها جبريل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح، واشتملتن تربتها على جسد سيد البشر، صلى

ص: 188