المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(وحملت آمنة الزهرية) - نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار - جـ ١

[عبد القادر المجلسي]

فهرس الكتاب

- ‌الكلام على البسملة

- ‌«ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء

- ‌ ولنذكر حين تم شرح هذه الأبيات

- ‌ من يعقوب إسرائيل الله

- ‌(وحملت آمنة الزهرية)

- ‌ أصغر كوكب في السماء أكبر من الأرض بمائة وعشرين مرة

- ‌ وسأله أن يبعث له فيله "محمود

- ‌(فغاضت المياه) هذا من عجائب

- ‌(عفا جانب البطحاء من ال هاشم

- ‌ أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(بيان مبعث النبي الهادي

- ‌(فقام يدعو الإنس والجن إلى

- ‌ فكان أول دم أريق فى سبيل الله

- ‌(وكان قادرا على التدمير…لو شاء

- ‌ الجن على ثلاثة أصناف:

- ‌ وفى الجن ملل

- ‌ أول من خط بالقلم

- ‌(بيان هجرة النبى المختار

- ‌ واهتز لموته عرش الرحمن

- ‌ ما أكل منها جائع إلا شبع

- ‌(يا دار خير المرسلين

- ‌(أولها) غزوة ودان

- ‌ هذا كتاب من محمد رسول الله

- ‌أما غزوة بدر فهي أعظم

- ‌ لها سبعة أولاد شهدوا بدرا

- ‌(هنيئا زادك الرحمن فضلا

- ‌ وبعدها "غزوة أحد

- ‌ أنسيتم ما قال لكم رسول الله

- ‌(أنا ابن الذي سالت على الخد عينه

- ‌ غزوة حمراء الأسد

- ‌ غزوة دومة الجندل

- ‌ غزوة الخندق

- ‌ فلم يقم لقريش حرب بعدها

- ‌ اللهم منزل الكتاب

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌ غزوة بني لحيان

- ‌ غزوة ذي قرد

- ‌ لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل

- ‌ قال أهل الإفك في الصديقية الطاهرة

- ‌ غزوة الحديبية

- ‌ وإذا توضأ كادوا يقتتلون علي وضوئه

- ‌ فلما حصل الصلح اختلطوا بالمسلمين

- ‌ ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر

- ‌ثم يلي خيبر فتح واد القرى

- ‌ غزوة القضاء

- ‌غزوة مؤتة

- ‌ثم بعد مؤتة غزوة فتح مكة

- ‌غزوة حنين

- ‌ولما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم

- ‌ اللهم لا تنسها لأبي سفيان

- ‌غزوة بني سليم

- ‌غزوة بني قينقاع

- ‌ثم غزوة السويق

- ‌غزوة غطفان

- ‌غزوة بحران

- ‌غزوة تبوك

- ‌(طلع البدر علينا

- ‌ولنذكر كلاما مختصراً في البعوث

- ‌ ثم بعد ذلك سرية محمد بن مسلمة

- ‌ثم سرية زيد بن حارثة إلى القردة

- ‌ فأتتهم فقتلت منهم سبعمائة رجل

- ‌ويليه بعث أبي عبيدة بن الجراح

- ‌ أيها الناس إني قد أجرت أبا العاصي

- ‌ثم سرية زيد سادسة إلى واد القرى

الفصل: ‌(وحملت آمنة الزهرية)

وموضعا أي من جهة الأم فأمها برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي وأم امها حبيب بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب فزعموا أن عبد الله لما تزوج آمنة وقع عليها مكانه فحملت بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج من عندها بعد ما أقام عندها ثلاثا وكانت تلك السنة عندهم فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت فقال لها ما لك لا تعرضين علي ما عرضت بالأمس فقالت فارقك النور الذى كان معك بالأمس فليس لى بك حاجة لأني إنما أردت أن يكون النور في فأبي الله إلا أن يجعله حيث شاء. وعن العباس انه لما بنى عبد الله بآمنة أحصوا مائتي امرأة من بنى عبد مناف وبني مخزوم متن أسفا على ما فاتهن من عبد الله. اهـ. من المواهب وشرحها والإكتفاء.

(وحملت آمنة الزهرية)

بضم الزاء نسبة إلى زهرة بن كلاب فهي بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وزعم ابن قتيبة والجوهري ان زهرة امرأة كلاب وغلب على ولدها النسب إليها مردود كما في الفتح وقال السهيلي منكر غير معروف. وما مر من أن وهبا هو المزوج لها هو المشهور وقيل كانت في حجر عمها وهيب وهو المزوج لها واقتصر عليه اليعمري، قاله الزرقاني (طوبى لها) بضم الطاء مصدر طاب الشيء لذ ومعناه فرح لها وقرة عين بحملها بسيد الوجود صلى الله عليه وسلم فهي مبتدء وخبره المجرور وقيل عطية ونعم وهو مقتبس من حديث يأتي قريبا (بأكمل البرية) أي الخلق كله فهو صلى الله عليه وسلم أكملهم خلقا وخلقا ونسبا والمجرور متعلق بحملت وكذا قوله (في رجب الفرد) هو شهر الله المعظم وسمي فردا لانفراده عن غيره من الأشهر الحرم وهي أربعة ثلاثة متوالية وهو منفرد عنها وجمعها بعضهم بقوله:

(ذو القعدة ذو حجة محرم

ورجب الفرد شهور حرم)

وحملها في يوم الإثنين منه، وقيل يوم الاثنين في أيام منى وبه صدر في المواهب واقتصر عليه في الحلة السيرا ففيها وحملت به أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى يوم الاثنين فأما آدم فأطواره كلها يوم الجمعة وأطور نبينا صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين

ص: 47

حتى لا يتوهم شرفه بشرف الزمان والمكان فالزمان والمكان يشرفان به صلى الله عليه وسلم اهـ.

(بدار وهب* والدها) متعلق أيضا بحملت (وقيل بل) حملت به صلى الله عليه وسلم (في الشعب) بكسر المعجمة أي شعب أبي طالب ولفظ المواهب ممزوجا ببعض الشرح فزعموا كما قال ابن إسحاق أنه دخل عليها عبد الله حين ملكها مكانه فوقع عليها أي جامعها زاد الزبير بن بكار يوم الإثنين من أيام منى وقيل من شهر رجب في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى كما هو المنقول عن الزبير قال النجم وهذا موافق لمن ذهب إلى أن ميلاده في رمضان، وأما القول بأنه في رجب فمنطبق على أن ميلاده في ربيع وزعم الحاكم أن سن عبد الله حينئذ ثلاثون سنة والصحيح خلافه وهو ما جزم به السهيلي من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين أبيه ثمانية عشر عاما اهـ. ثم قال في المواهب وقال سهل بن عبد الله التستري فيما رواه الخطيب لما أراد الله خلق محمد صلى الله عليه وسلم في بطن آمنة ليلة رجب وكانت ليلة جمعة أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس ونادى مناد في السماوات والأرض ألا إن النور المخزون المكنون الذى يكون منه الهادي في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة ويخرج إلى الناس بشيرا ونذيرا. وفي رواية كعب الأحبار أنه نودي تلك الليلة في السماء وصفاحها أي جوانبها والأرض وبقاعها ان النور المكنون الذى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقل في بطن أمه فيا طوبى لها ثم يا طوبى وأصبحت يومئذ في جدب شديد وضيق عظيم فاحضرت الأرض وحملت الشجار وأتاهم الرفد بالكسر أي الخير الكثير من كل جانب فسميت تلك السنة سنة الفتح والإبتهاج اهـ وما ذكر من حملها به ليلة الجمعة لا ينافي كون أطواره عليه السلام يوم الإثنين لأنه في الأطوار الظاهرة كالولادة وما هنا ما قبلها قاله الزرقاني. والتستري نسبة إلى تستر بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة

ص: 48

آخره راء مهملة كما ضبطه النووي وغيره، وحكي ضم الفوقيتين وفتح الأولى وضم الثانية مدينة بالأهواز. وطوبى الحسنى والخير قاله في القاموس وقال غيره فرح وقرة عين وقال الضحاك عطية وقال عكرمة نعم وفي حديث ابن اسحاق أن آمنة كانت تحدث أنها أوتيت أي رأت في المنام حين حملت بالنبي صلى الله عليه وسلم فقيل لها انك حملت بسيد هذه الأمة وقالت ما شعرت بأني حملت به ولا وجدت ثقلا ولا وحما إلا أني أنكرت رفع حيضتي وحكي بكسر الحاء شهوة الحبلى، وحيضتي هنا، بكسر الحاء. قالت وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال هل شعرت بأنك حملت بسيد الأنام ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال قولي إذا وضعتيه:

(أعيذه بالواحد

من شر كل حاسد)

ثم سميه محمداً وعند غير ابن إسحاق وعلقي عليه هذه التميمة فانتبهت وعند رأسي صحيفة من ذهب مكتوب فيها:

(أعيذه بالواحد

من شر كل حاسد)

(وكل خلق رأئد

من قائم وقاعد)

(عن السبيل حائد

على الفساد جاهد)

(من نافث وعاقد

وكل خلق مارد)

(ياخذ بالمراصد

من طرق الموارد)

قال العراقي هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير وجعلها من حديث ابن عباس ولا أصل لها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال من دلالة حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة وقالت حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة وهو إمام الدنيا وسراج أهلها ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارة وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضا وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء أن أبشروا فقد آن أن

ص: 49

يظهر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم. وعن غيره لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور ولا دابة إلا نطقت، وقوله رائد أي طالب له بسوء وقوله على الفساد جاهد، أي يتحمل للمشقة في تحصيله حتى كأنه استعلى عليه والنافث الساحر والعاقد من يعقد عقدا في خيط وينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه بيان لجاهد والموارد المواضع التى يجتمع بها الناس وطرق المياه المقصودة للاستقاء.

فائدة:

اختلف في مدة الحمل به صلى الله عليه وسلم فقيل تسعة أشهر كاملة وبه صدر مغلطاي قال في الغرر وهو الصحيح وقيل عشرة أشهر وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة ذكرها في المواهب وشرحها.

(بيان مولد النبي الهادي) أي المرشد للخلق إلى الدين الحق (صلى عليه خالق العباد) أي أعطاه صلاة أي رحمة مقرونة بالتعظيم (عام قدوم) أي مجيء (الفيل) الذى قص الله تعالى ما فعل بأهله والعياذ بالله تعالى في سورة الفيل (للأقوام) أي قريش لهدم الكعبة، ومراده أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، ابن الجوزي اتفقوا على أنه ولد عام الفيل وكذا قال ابن الجزار لكن قال مغلطاي في الاتفاق نظر لكثرة الخلاف (بإثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وفي الزرقاني في قصة إتيانه صلى الله عليه وسلم لثقيف في شرح قول المواهب ولما انصرف عنهم اتبع أثره غروة بن مسعود ما نصه إثره بتثليث الهمزة وفتح المثلثة وإسكانها اهـ.

(خمسين من الأيام) أي ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يوما، وهذا الذى ذكر الناظم هو الذى شهره القسطلاني تبعا لجماعة منهم السهيلي وقيل ولد بعده بخمسة وستين يوما وبه قال أبو جعفر محمد بن على قال ولد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لعشر خلون من ربيع الأول وكان قدوم الفيل لنصف المحرم فبين الفيل ومولده خمس وخمسون ليلة نقله في المنتقى، وذكر اليعمري في عيون الأثر عن الخوارزمي أن قدوم

ص: 50

الفيل يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة وقيل ولد بعد قدومه بشهر وقيل بعد قدومه بأربعين يوما وقيل لم يولد عام الفيل بل ولد بعده قيل بسنتين وقيل بعشر سنين، قال مغلطاي وهذا الأخير لا يصح وقيل ولد بعد الفيل بخمس عشرة سنة ورد وقيل غير ذلك، والمشهور أنه ولد بعد الفيل لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوءته وتأسيسا لظهوره وقد كثرت الخوارق قبله إرهاصا بكسر الهمزة أي تأسيسا لرسالته كقصة الفيل وكثرة الهواتف به وإخبار الكهنة وغير ذلك. والصحيح الذى عليه الجمهور، بل حكى بعضهم عليه الاتفاق أنه ولد بمكة فقيل في الدار التى كانت بيد عقيل بن أبي طالب وصارت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج وهي بزقاق المدكك بدال مهملة قيل ان المصطفى صلى الله عليه وسلم وهبها لعقيل فلم تزل بيده حتى توفي عنها فباعها ولده محمد بن يوسف. وقيل إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعا لقريش حين باعوا دور المهاجرين فأدخل محمد بن يوسف ذلك البيت الذى ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم في داره ولم تزل كذلك حتى حجت خيزران جارية المهدي أم هارون الرشيد فأفردت ذلك البيت وجعلته مسجدا يصلى فيه، وفي الروض أن الدار التى لمحمد بن يوسف بنتها زبيدة زوجة الرشيد مسجدا حين حجت وهي عند الصفا وقيل إنه ولد بالشعب بكسر الشين المعروف بشعب بنى هاشم وقيل ولد بالردم بفتح الراء وسكون الدال المهملتين أي ردم بنى جمح وقيل لم يولد بمكة بل ولد بعسفان، قال في النور وهي قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة اهـ. لكن هذا القول لا يعول عليه، قال محمد بن عبد الباقي (في يوم الإثنين من الشهر الأغر) الغرة بياض في الوجه وغرة المال خياره وغرة القوم شريفهم والأغر الأبيض من كل شيء ووصفه بكونه أغر لإضاءته بوجود المصطفى صلى الله عليه وسلم فيه دون غيره من الشهور، فيا لها من خصوصية ما أعظمها، ومراده به ربيع الأول (في ثالث الشهر) الذى هو ربيع (أو الثاني عشر) منه وهو المشهور عند الجمهور، قاله ابن كثير، قال محمد بن عبد

ص: 51

الباقي وهو الذى عليه العمل وبالغ ابن الجوزي وابن الجزار فنقلا فيه الإجماع، وقال القسطلاني هو الذى عليه عمل أهل مكة قديما وحديثا في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت (أو لثمان من ربيع الأول) أي بعد مضي ثمان منه، قال قطب الدين القسطلاني وهو اختيار من له معرفة بهذا الشأن واختاره الحميد الأندلسي وحكى القضاعي إجماع أهل الميقات عليه ورواه الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم وكان عارفا بالنسب وقيل ولد لعشرة مضين من ربيع حكاه مغلطاي والدمياطي وصححه، وقيل لثمان عشرة خلت منه وقيل لثمان بقين منه وقيل ولد لليلتين خلتا منه وقيل لسبع عشرة خلت منه، وقيل في يوم اثنين من ربيع غير معين. قال جامعه سمح الله له القول الأول في كلام الناظم لم أره والأقوال الأخر الثمانية حصلها القسطلاني سبعة منها في تعيين اليوم الذى ولد فيه من ربيع والثامن أنه غير معين منه وقيل ولد في ربيع الآخر وقيل في رمضان وقيل في يوم عاشورا، وهو غريب لا يعرف، وقيل ولد في رجب واختلف هل ولد بالليل أو النهار والمشهور أنه ولد في النهار مع بقاء الظلمة كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ولد عند طلوع الفجر وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال سمعت أبي وكان من أوعية العلم قال لما حضرت آمنة الولادة قال الله للملائكة افتحوا أبواب السماء كلها وأبواب الجنان وألبست الشمس يومئذ نورا عظيما وكان قد أذن الله تعالى أي أراد تلك السنة أي التى حمل فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم لنساء الدنيا الحاملات منهن أن يحملن ذكورا كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم اهـ. وكانت تقول أتاني أت حين مر من حملي ستة أشهر في المنام وقال يا آمنة إنك قد حملت بخير العالمين فإذا ولدته فسميه محمدا واكتمي شأنك، قالت ثم أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه فسمعت وجبة عظيمة وأمرا عظيما هالني أي رؤية- عين بصيرة- كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرعب ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء أي بآنية شربة أو أطلق الشربة على

ص: 52

محلها وهو المشربة بكسر الميم مجازا من تسمية المحل باسم الحال فيه فتناولتها فشربتها. وفي رواية وكنت عطشى فشربتها فإذا هي أحلى من العسل فأصابني نور عال ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بي فبينما أنا أتعجب وأنا أقول وا غوثاه من أين علمن بي؟ فقلن لى نحن آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وهؤلاء من الحور العين واشتد بي الأمر وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أهول وأعظم مما تقدم، فبينما أنا كذلك إذ بديباج بكسر الدال ويجوز فتحها نوع من الحرير أبيض قد مد بين السماء والأرض وإذا بقائل بقول خذاه عن أعين الناس قالت ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضة ثم نظرت فإذا أنا بقطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرذ وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصري فرأيت مشارق الأرض ومغاربها ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات علما بالمشرق وعلما بالمغرب وعلما على ظهر الكعبة، قال شارحه ولعل الحكمة في ذلك الإشارة إلى أن دينه يعم المشارق والمغارب ويعلو مكة ويصير بيننا كالأعلام فأخذني المخاض، قال البيضاوي بفتح الميم وكسرها مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، فوضعت محمدا صلى الله عليه وسلم فنظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني ثم سمعت مناديا ينادي طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته. وقولها من بنات عبد مناف شبهت بهن لاشتهارهن بين النساء بالطول والجمال. ومن عجائب ولادته أيضا روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كان يهودي قد سكن مكة فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا لا نعلم، قال انظروا فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة بين كتفيه علامة فانصرفوا فسألوا فقيل لهم قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فذهب اليهودي معهم إلى أمه

ص: 53

فأخرجته لهم فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيا عليه وقال ذهبت النبوءة من بنى إسرائيل أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب، ومن عجائب أمره أنه ولد مختونا وذكروا معه ستة عشر كلهم ولد مختونا ونظمهم السيوطي فقال:

(وسبعة مع عشر قد رووا خلقوا

وهم ختان فخذ لازلت مأنوسا)

(محمد آدم إدريس شئث ونو

ح، سام هود شعيب يوسف موسى)

(لوطسليمان يحي صالح زكر

ياء وحنظلة الرسي مع عيسى)

وقوله حنظلة لم يزد في تعريفه على أن قال وحنظلة بن صفوان.

فائدة:

كما ولد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين بعث فيه فهو أول يوم أوحى إليه فيه، كما رواه مسلم، وهاجر فيه ودخل المدينة فيه ووضع الحجر الأسود موضعه فيه، ونزلت فيه {اليوم أكملت لكم دينكم} وفتحت مكة فيه على قول والمعروف أنها افتتحت يوم الجمعة وتوفي صلى الله عليه وسلم فيه، انظر الزرقاني (موافق) حال كون المولد المفهوم من ولد موافق (النيسان) بفتح النون وكسرها وسكون الياء رابع الشهور الرومية وهو إبريل بكسر الهمزة وابتداؤها من ينير بشد النون وسكون الياء قاله اليوسي (عند) جماعة العلماء (الأول) بضم الهمزة أي المتقدمة وأشار بهذا إلى أنه صلى الله عليه وسلم ولد في فصل الربيع وهو أعدل الفصول وأنشد القسطلاني في ذلك لغيره:

(يقول لنا لسان الحال منه

وقول الحق يعذل للسميع)

(فوجهي والزمان وشهر وضعي

ربيع في ربيع في ربيع)

قوله فوجهي الفاء جواب شرط مقدر أي إن سألت عن صفاتي فوجهي إلخ .. وربيع الأول وجهه عليه السلام شبهه بالربيع في اعتداله وحسنه والثاني الفصل والثالث شهر ربيع النبوي. قال محمد بن سعيد السوسي وقد نظم شيخنا القاضي أسماء الشهور القبطية والسريانية

ص: 54

فقال:

ولشهور القبط* حقق تفز بالقسط* توت وبابه وهتور* على التوالي بالشهور* كيهك طوب يات* امشير برهمات* برمودة* بشنس* بؤونة لالبس*ثم أبيب مسرى* له فقدر قدرا.

ثم قال:

ومن أغشت الابتدا* حكي على طول المدى* ثمت بالسريانيه* خذ عدها علانيه* أولها تشرين* كالثاني إذ يبين* وبعد كانون ظهر* وما يلي به اشتهر* سباط مع آذارا* نيسان مع أيارا* ثم حزيران أتى* تموز أيضا ثبتا* آب وأيلول ورد* وهو الأخير في العدد* والبدء من اكتوبرا* فحققن الخبرا.

وتوت بمثناتين من فوق أولادهما مضمومة وبينهما واو ساكنة وبابه بموحدتين بينهما ألف وآخره هاء، وهتور بفتح الهاء وضم المثناة الفوقية، وكيهك بكاف وتحتية مفتوحة وهاء وفي نسخة بتقديم الهاء على الياء وطوب بضم الطاء المهملة وامشير بفتح الهمزة وسكون الميم وشين معجمة مكسورة بعدها ياء ساكنة وراء وبرهمات بفتح الموحدة وسكون الراء وبرمودة بفتح الموحدة وسكون الراء وميم بعدها واو ساكنة فدال مهملة فهاء وبشنس بموحدة مفتوحة وشين معجمة ونون ساكنة فسين مهملة وبؤونة بهمز بين الموحدة والواو وأبيب بفتح الهمزة وكسر الباء فباء ساكنة وموحدة ومسرى بضم الميم وسكون السين المهملة وقوله تشرين كالثاني أي تشرين الأول وتشرين الأخير بشين معجمة ساكنة وراء مهملة مكسورة بعدها ياء ساكنة فنون وكانون الأول وكانون الأخير على وزن فاعول وسباط بضم وإذار بقصر الهمزة ومد الذال وإيار بتشديد المثناة التحتية وحزيران بحاء مهملة مفتوحة فزاي فراء بينهما ياء ساكنة فألف فنون وتموز بفتح التاء وضم الميم مشددة بعدها واو ساكنة، وآب بمد الهمزة، وأيلول بفتح الهمزة وسكون التحتية اهـ. من شرح المقنع لمؤلفه وفي البناني يرهمات بياء تحتية وهو مخالف لما مر عن السوسي أنه بالموحدة وفيه

ص: 55

بؤونة على وزن شؤونة اهـ.

وفي قاموس أن إذار بذال معجمة وأن تشرين بكسر أوله وفيه حزيران إسم شهر بالرومية. قال في التاج يفتح فكسر والمشهور على الألسنة بضم ففتح اهـ. وقال قبل هذه ان سعيدا افترى ضبطه بالتصغير اهـ. واكتوبر بفتح الهمزة وسكون الكاف والواو الساكنة بعد التاء المضمومة قاله السوسي.

(في عام) متعلق بمولد (جفظ من سني الأسكندري) قوله جفظ قال الشريف مولاي إبراهيم في شرحه هو بالجيم والفاء المروسة والظاء المشالة لأن الذى بين ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاة الأسكندري الرومي ثلاث وثمانون وثمانمائة سنة على ما حكاه في جامع الأصول وقيل اثنتان وثمانون على ما صدر به، قال ولا تعارض بينهما إذ لعله لم يعتبر الكسر في القول الأول واعتبره في الثاني، قال والجاري على الألسنة من قراءة حفظ بالحاء المهملة لا أصل له وجلب على ذلك كلام جامع الأصول. والمراد به ذو القرنين الأصغر وهو الذى قتل دارا وسلب ملكه وتزوج بابنته اهـ. منه.

واقتصر اليوسي في شرح المقنع علي أنه صلى الله عليه وسلم ولد سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة سنة لتاريخ ذي القرنين والله أعلم.

(بطالع الجدي) والظاهر ان الباء للمصاحبة والجدي هو أحد البروج ومنازله سعد الذابح وسعد بلع وثلث سعد السعود ومراده والله تعالى أعلم أنه صلى الله عليه وسلم ولد مصحوبا بطالع الجدي ويصح أنه أراد بعض طوالعه وهو سعد السعود ولم يرد أنه ولد بذلك البرج لما سيأتي وإنما مراده أن مولده صلى الله عليه وسلم طلع به نجم كل سعد على البرايا لأنه هو الواسطة في نيل كل نعمة في الدارين ويصح أنه أراد جميع طوالع الجدي لأنه صلى الله عليه وسلم طلع به سعد الذبح والبلع على من كذبه وأشرك بالله وطلع به سعد السعود على من آمن به قال الإمام السنوسي وقد حجر الله تعالى نعمه أن يصل منها إلى مخلوق شيء إلا بواسطته صلى الله عليه وسلم اهـ.

ص: 56

(ما ارسل الرحمن أو يرسل

من رحمة تصعد أو تنزل)

(في ملكوت الله أو ملكه

من كل ما يختص أو يشمل)

(إلا وطه المصطفى عبده

نبيه مختاره المرسل)

(واسطة فيها واصل لها

يعلم هذا كل من يعقل)

وإنما لم أحمله على ظاهره لأن مولده صلى الله عليه وسلم في فصل الربيع في النيسان وهو إبريل كما هو معلوم وقد قال الناظم: موافق النيسان، والجدي من بروج فصل الشتاء كما سنبينه إن شاء الله وقد قيل إنه عليه السلام ولد عند طلوع الغفرة وهو من منازل الميزان وهو أول بروج فصل الخريف. وفي القسطلاني: وقيل انه ولد عند طلوع الغفرة وهو مولد الأنبياء ثم قال وقيل انه ولد ليلا، قال الزرقاني في شرحه أي من غير تعيين لكونه عند طلوع الغفرة اهـ. واقتصر السوسي في شرح المقنع على أنه صلى الله عليه وسلم ولد عند طلوع الغفرة في شهر إبريل ولفظه وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم ولد ليلة الإثنين عند طلوع الغفرة في شهر إبريل والشمس في الحمل اهـ. وكذا في المواهب وشرحها أنه ولد في برج الحمل، أي ولد والشمس في برج الحمل كما هو لفظ السوسي وبرج الحمل منازله النطح والبطين وثلث الثريا، وكونه عليه السلام ولد والشمس في برج الحمل هو الذى يلائم أنه ولد في إبريل ويلائم كونه عند طلوع الغفرة في إبريل أي طلوعها ليلا في إبريل وإن كان مولده ليلا فيه خلاف وبيان ذلك أن تكون الشمس في برج الحمل وتكون الغفرة إذ ذاك في ابريل من مطالع الليل. وأما حمل الكلام المؤلف على ظاهره فلم يظهر لى أنه يلائم كون ولادته عليه السلام في النيسان كما ذكر المؤلف وغيره هذا مع أني أعلم قوة كون المولد عند طلوع الفجر لكن لم اهتد أيضا لالتئامه مع القول بأنه ولد عند الغفرة هذا معنى البيت عندي وقلته ارتجالا والله تعالى أعلم بالصواب. وقولي الجدي واحد البروج وهي اثنى عشر برجا أولها الحمل بالتحريك ثم الثور فالجوزاء، فالسرطان، فالاسد فالسنبلة ثم الميزان، فالعقرب، فالقوس، فالجدي وهو عاشرها، فالدلو فالحوت وقد

ص: 57

أشار بعضهم لها على الترتيب فقال:

(حمل الثور جوزة السرطان

ورعى الليث سنبل الميزان)

(ورمى عقرب بقوس لجدي

نزح الدلو بركة الحيتان)

قال بعض شروح المقنع: البروج عند المنجمين عبارة عن أجزاء قسم الفلك عليها بحسب سير الشمس وكثها في كل جزء منها شهرا فتقطع الفلك كله في إثنى عشر شهرا وقسموا الفلك لأجل ذلك على اثنى عشر جزءا وسميت تلك الأجزاء بروجا أولها الحمل إلى آخرها ثم لما كانت تقيم في كل برج ثلاثين يوما قسموا كل برج ثلاثين جزءا ثم قسموا تلك الأجزاء دقائق مفردها دقيقة والبروج عند العرب عبارة عن جماعة من النجوم على صورة حيوان أو صورة آلة في رؤية العين فسميت كل جماعة باسم تلك الصورة التى هي عليها والفرق بين قسمة العرب وقسمة المنجمين مع ان كلا منهما على اثنى عشر برجا ان قسمة العرب محسوسة مدركة بالرؤية غير متساوية وقسمة المنجمين معقولة غير محسوسة مدركة بالذهن مستوية فأخذ المنجمون تسمية العرب لأجزائهم المرئية ووضعوها على أجزائهم الذهنية. وأما المنازل فهي عند العرب ثمانية وعشرون وعند المنجمين عبارة عن ثمانية وعشرين جزءا مستوية قسم الفلك عليها قسمة متوهمة معقولة ومقدار كل منزلة ثلاث عشرة درجة تنقص سبع درجة فلذلك كانت الشمس تقيم في كل واحد ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة فأربعة عشر فتقطعها جميعا في عام واحد اهـ. منه. وقوله ثم قسموا كل برج ثلاثين جزءا هي الدرجات والدرجات هي المقسومة إلى الدقائق وقال محمد بن سعيد في شرحه الكبير وكذلك تقسم البروج على الفصول الربعة فلكل فصل ثلاثة بروج فلفصل الربيع الحمل والثور والجوزاء والسرطان والسد والسنبلة لفصل الصيف والميزان والعقرب والقوس للخريف والجديي والدلو والحوت للشتاء وكل برج له منزلتان وثلث، فللحمل النطح والبطين وثلث الثؤيا وللثور ثلثا الثريا والدبران وثلثا الهقعة وللجوزاء ثلثا الهقعة والهنعة والذراعان إلى أن قال وللميزان غفرة

ص: 58

وزوبانيان وثلث اكليل والميزان أول بروج الخريف وللجدي سعد الذابح وبلع وثلث سعد السعود فالجدي أول بروج الشتاء فلو ولد عليه السلام في طالعه لكانت الولادة في الشتاء وحينئذ فلا تكون في إبريل لأنه من شهور الربيع لكنه ولد في الربيع فليست ولادته صلى الله عليه وسلم في طالع الجدي قاله كاتبه وفقه الله لما يرضاه وأحسن بمحض فضله عقباه.

(وكان المشتري* مع زحل في وسط السماء) مراده والله أعلم أن هذين الدريين وهما المشتري ويقال له البرجس والقاضي وزحل بوزن عمر معدول عن زاحل ويقال له الشيخ والكيوان والمقاتل كانا في وقت مجتمعين في وسط السماء (تقارنا) اصطحبا الظاهر انها حال مؤكدة (بالعقرب) أي برج العقرب أحد بروج الخريف (الغراء) أي الشهيرة ومحل زحل في الفلك السابع والمشتري في السادس والله أعلم.

وإذا كانت الشمس مع البطين في برج الحمل كانت العقرب في وسط السماء في الليل والله تعالى اعلم. والفلك مر قول العلماء فيه عند قول الناظم:

ما دار نجم في فلك

وأن الأفلاك هي السماوات السبع والكرسي والعرش وقال المنجمون حقيقة الفلك جسم لطيف مستدير الشكل كفلكة المغزل وبعضها على بعض كقشور البصلة ونحن في وسطها أقربها إلينا الذى في سماء الدنيا وهو أصغرها والثاني أكبر منه وكذا كل فلك أكبر من الذى تحته وأصغر من الذى فوقه وانظر يا أخي إلى عظيم قدرته حين جعلنا نرى الكواكب في السموات السبع وما فوقها مع بعد المسافة وغلظ الحجاب فإنما بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل واحدة كذلك وقيل ان الفلك السابع والثامن بينهما مسيرة ألف عام ثم حجب عنا ما هو ادنى وأدنى من ذلك كالثوب يغطي الإنسان لا ندري ما تحته هل بياض أو سواد مع قرب المسافة ورقة الحجاب، إن ربك فعال لما يريد لا إله إلا هو اهـ من شرح المقنع لمؤلفه.

ص: 59