الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الأول من الحزب الثالث والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأول من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء عن قوله تعالى:{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} ، إلى قوله تعالى:{وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} .
ــ
واصل كتاب الله في الآيات الأولى من هذا الربع خطابه لأزواج الرسول عليه السلام، مبينا أولا أن صيانة الحرمات توجب مضاعفة الثواب، كما أن هتك الحرمات يوجب مضاعفة العقاب، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى مخاطبا لنساء النبي:{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} و (القنوت) الطاعة، و (الرزق الكريم) هو ما أعده الله لهن في دار النعيم، وإنما ضوعف أجرهن لطلبهن رضا الله بالطاعة والعمل الصالح، وطلبهن رضا الرسول بحسن
الخلق، وطيب المعاشرة، والقناعة بما هن عليه من العيش دون إلحاح ولا إزعاج.
ثم قال تعالى وهو يخاطب أزواج النبي: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} ، مؤكدا بذلك شرف منزلتهن، وفضل درجتهن، وعظيم مسؤوليتهن، منبها إلى أن (تقوى الله) هو الأساس الذي تبنى عليه كل المزايا والفضائل، وأن من لم يتق الله لا يستحق إلا أسفل الدرجات وأحط المنازل.
وإمعانا في تهذيب أزواج الرسول عليه السلام، وتمكينهن من تسنم أعلى المقامات في التربية والسلوك، حتى يكن خير قدوة للمؤمنين والمؤمنات، لقنهن كتاب الله جملة من الآداب النافعة، والوصايا الجامعة، التي تخلع عليهن مزيدا من الجلال والوقار، وتجعلهن في منأى عن كل الشبهات والأوزار. والخطاب وإن كان موجها إليهن بالأصالة فهو موجه بالتبع إلى جميع نساء المسلمين.
الوصية الأولى: أن يكون كلامهن جزلا، وقولهن فصلا، دون ترقيق مصطنع، قد يبعث الغريب على الطمع، وذلك قوله تعالى:{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} ، أي: في قلبه ريبة، {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} ، أي: قولا حسنا، لا لينا ولا خشنا.
الوصية الثانية: أن يصرفن عنايتهن الخاصة واهتمامهن الزائد إلى تدبير بيوتهن، إذ لا تتحقق سعادة البيت والأسرة على
الوجه الأكمل إلا بالاستقرار، والتعاون والوقار، وعدم التعرض لمخالطة الأشرار، وذلك قوله تعالى:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} .
الوصية الثالثة: أن يترفعن، عند الحاجة للخروج من البيت، عن التلبس بمظاهر الجاهلية الجهلاء، ويبتعدن كل الابتعاد عن (التبرج) الذي هو أخطر وسيلة للإغراء والإغواء، وذلك قوله تعالى:{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} ، أي: لا تحدثن في الإسلام جاهلية أخرى، على غرار الجاهلية الأولى قبل الإسلام، فإنها محرمة من باب أولى وأحرى، وسبق قوله تعالى في سورة النور (60):{غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، وقالت عائشة رضي الله عنها:(يا معشر النساء: قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرما).
الوصية الرابعة: أن يقمن الصلاة التي هي عماد الدين، والحق الأول من حقوق الله، ويؤتين الزكاة التي هي عماد التكافل بين المؤمنين، والحق الأول من حقوق عباد الله، وذلك قوله تعالى:{وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ} .
الوصية الخامسة: أن يُطعن الله ورسوله طاعة عامة مصحوبة بالرضى والتسليم، وطبقا لما في كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وذلك قوله تعالى:{وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} .
وبعدما انتهى كتاب الله من عرض الآداب والوصايا التي وجه الخطاب بها إلى أزواج الرسول وأمهات المؤمنين بين الحكمة
الإلهية من وراء ذلك، ألا وهي أن المستوى الأخلاقي العالي الذي يريده لأزواج الرسول عليه السلام، وأهل بيته الكرام، في سلوكهم الخاص والعام، إنما يطالبهم به لتظل منزلتهم الخاصة في القلوب بمنأى عن كل نقد أو تجريح، لا بطريق التصريح ولا بطريق التلويح، فبتساميهم في السلوك والتزامه عادة وديدنا، لا يجد من قلبه مرض مغمزا ولا مطعنا، وذلك قوله تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، وإنما قال: {لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
…
وَيُطَهِّرَكُمْ}، نظرا لاشتمال بيت النبوة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الحسن والحسين، بالإضافة إلى أزواج الرسول وبنته، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر.
ونبه جار الله الزمخشري إلى أن كتاب الله استعار كلمة (الرجس) للذنوب، وكلمة (الطهر) للتقوى، لأن عرض المقترف للسيآت والقبائح يتلوث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس والخبائث، بينما عرض الذي يمارس الحسنات ويتشبث بالمحاسن يظل نقيا مصونا، كنقاء الثوب الطاهر النظيف.
وليؤكد كتاب الله نفس التوجيهات السامية، ويعمق معناها ومغزاها في قلوب أمهات المؤمنين وعقولهن، وجه إليهن أمرا جديدا بأن يتذكرن على الدوام ما يتلقاه الرسول عليه السلام من الوحي، فيتلوه عليهن غضا طريا، ويستمعن إليه بكرة وعشيا، وبقدر الأسبقية والأولوية في المزية، تتضاعف المسؤولية، وذلك
ما يشير إليه قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} .
والأمر بذكر ما يتلى في بيوتهن يصدق بامتنان الله عليهن بهذه النعمة ووجوب شكره عليها، إذ أكرمهن فجعلهن أزواجا لرسول كريم يتلقى الوحي من ربه، ويصدق بوجوب تدبره والتفكر فيه والعمل به، ويصدق بوجوب حفظه وقراءته وتبليغه إلى الناس، كما يصدق بهذه المعاني جميعا، إذ لا تناقض بينها ولا تعارض، بل يكمل بعضها بعضا.
وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد (بآيات الله) هنا آيات القران، و " بالحكمة " سنة الرسول التي هي بيان وتطبيق للقرآن، وذهب جار الله الزمخشري عند تفسير هذه الآية إلى أن {آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} شيء واحد، حيث إن كتاب الله كتاب جامع بين أمرين فهو (آيات بينات) تدل على صدق النبوة، لأنه معجز بنظمه، وهو " حكمة " وعلوم وشرائع، وأحسن القاضي أبو بكر (ابن العربي) وأجاد وأفاد، عندما قال:(آيات الله حكمته، وسنة رسوله حكمته، والحلال والحرام حكمته، والشرع كله حكمة).
ويؤخذ من قوله تعالى في نفس السياق: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} ، أن لطف الله بنساء النبي، وعلمه بما في قلوبهن من خير، هو الذي أهلهن لنيل هذه المنقبة، حتى حزن بين نساء العالمين أعلى مرتبة.
ومن الحديث عن أزواج الرسول عليه السلام وأهل بيته، الذي استغرق سبع آيات: ثلاث آيات في نهاية الربع الماضي وأربع آيات في هذا الربع، ابتداء من قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} ، إلى قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} ، انتقل كتاب الله إلى الحديث عن أعضاء المجتمع الإسلامي عموما، رجالا ونساء، وحدد الصفات البارزة التي يجب أن يتميز بها أعضاء هذا المجتمع المثالي المهذب، فقال تعالى:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} . وطبقا لهذه الآية الكريمة يكون على كل عضو من أعضاء المجتمع الإسلامي أن يستوفي عشر صفات:
الصفة الأولى: صفة الإسلام، وهذه الصفة تقتضي الانقياد التام للتوجيه الإلهي، والعيش في ظله وتحت رعايته، في سلام وانسجام
الصفة الثانية: صفة الإيمان، وهذه الصفة تقتضي التصديق بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، بكل ما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين عن رب العالمين، تصديقا جازما عن علم ويقين.
الصفة الثالثة: صفة القنوت، وهذه الصفة تقتضي القيام
بالطاعة في حالة اطمئنان وسكون، والمداومة عليها إلى جانب غيرها من الشؤون.
الصفة الرابعة: صفة الصدق، وهذه الصفة تقتضي التحري في قول الحق، والإخلاص في النية والعمل، والوفاء بالعهود والعقود، وعدم تعدي الحدود.
الصفة الخامسة: صفة الصبر، وهي تقتضي الصبر عن المعاصي والخصال الذميمة، وذلك بالابتعاد عنها وعدم تناولها، والصبر على الطاعات والخصال الحميدة، وذلك بالتمسك بها وعدم إهمالها، والصبر عند مفاجآت الأقدار، وذلك بعدم السخط من أجلها، وعدم الاعتراض على الله فيها.
الصفة السادسة: صفة الخشوع، وهذه الصفة تقتضي انكسارا في النفس، وسكينة في القلب، وسكونا في الجوارح.
الصفة السابعة: صفة التصدق، وهذه الصفة تقتضي الإحسان إلى القادر على الكسب، متى كان في وقت معين لا كسب له، والإحسان إلى العاجز عن الكسب، ما دام لا كاسب له، وتشمل الصدقة بالفرض والنفل، وتتسع أحيانا فتشمل الصدقة بالنفس، علاوة على الصدقة بالمال.
الصفة الثامنة: صفة الصيام، وهذه الصفة تتحقق بصيام الفرض كرمضان، وصيام النفل كصيام عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، وتتسع أحيانا فتشمل الإمساك عن كل ما هو مرذول شرعا من الأقوال والأفعال.
الصفة التاسعة: صفة العفة في العلاقات الجنسية، وهذه الصفة تقتضي التحرز من الوقوع في المآثم والمحارم التي تشوه هذه العلاقات، مما لا يقبله الشرع الحكيم، ولا يرضى عنه العقل السليم، وتستلزم الاقتصار على ما هو موافق للشرع، وملائم للطبع.
الصفة العاشرة: صفة الذكر، وهذه الصفة لا تقتصر على ذكر الله باللسان، بل تقتضي ذكره وحضوره في الذهن والقلب والخاطر باستمرار، وبذلك تكون مراقبة العبد لربه في تصرفاته متصلة دون انقطاع، لا في الليل ولا في النهار. ومن ذكر الله قراءة القرآن، والاشتغال بالعلم النافع لبني الإنسان.
فمن استوفى مجموع هذه الصفات، التي يعود نفعها على الغير كما يعود نفعها على الذات، كان أهلا لأن ينال مغفرة الله وثوابه، وأمن في الآخرة عذابه، ومن استوفى بعضها دون بعض كان له من الثواب بقدر ما استوفاه، وآخذه الله بما أهمله واتبع فيه هواه.
ويلاحظ أن كتاب الله عندما عرض هذه الصفات لم يذكر في الثمانية الأول متعلق أي صفة، بينما ذكر المتعلق في الصفتين الأخيرتين، إذ قال تعالى:{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} ، ففي ذكر متعلق {وَالْحَافِظِينَ} ، تنبيه إلى أخطار الشهوة الغالبة، ومكانها الذي يجب الحرص على صونه وحفظه من طرف الرجال والنساء، تجنبا للوقوع في الحرام، وبعدا عن العدوان والاعتداء، وفي ذكر متعلق
{وَالذَّاكِرِينَ} ، تنبيه إلى أن الذكر ينبغي أن يكون بالاسم الأعظم وهو " الله " إذ هو الاسم العلم المحتوي على جميع صفات الحق سبحانه وتعالى، فمن ذكره بهذا الاسم كان كمن ذكره بجميع صفات الكمال، واستحضر في ذكره صفات الجلال وصفات الجمال.
وقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ} ، عاد الضمير فيه على المسلمين والمسلمات، وما عطف عليهما، طبقا للتغليب المتبع في الأسلوب العربي عند اجتماع الذكور والإناث.
وعقب كتاب الله على ما شرعه الإسلام في هذه السورة من التشريعات والأحكام، للقضاء على مخلفات الجاهلية، التي كانت بعض رواسبها لا تزال سارية، فقرر قاعدة عامة يجب أن يلتزمها كل مؤمن ومؤمنة، ألا وهي أنه إذا حكم الله ورسوله في شيء من الأشياء، خاص أو عام، بحكم من الأحكام، فلا تسوغ معارضته ولا الوقوف في وجهه بأي حال، وإنما يلزم قبوله وتنفيذه بمنتهى التسليم والامتثال، سواء كان الحكم لصالح المحكوم له، أو كان عليه، وذلك قوله تعالى هنا:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (64: 4): {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، ثم بين كتاب الله أن من يعترض على حكم الله ورسوله ويتعرض له إنما يسلك مسالك الضلال، فقال تعالى هنا في نفس السياق: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَالًا مُبِينًا}، كما توعد في آية أخرى من يخالف أمر الله ورسوله بالفتنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى (63: 24): {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وبمقتضي ما خولته هذه القاعدة القرآنية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مجال التشريع والحكم، ورغبة منه في إهدار الفوارق الاجتماعية في الزواج، التي كانت متعارفة في الجاهلية، أعلن لأمته أن مجرد الاشتراك في العقيدة والدين، شرط كاف في (الكفاءة) بين الزوجين، وأنه من الخير للإسلام والمسلمين أن يفتح باب الزواج والمصاهرة بين من هم متفاوتون اجتماعيا إذا كانوا متساوين دينيا، وبديهي أن قريشا كانت مدعوة في الطليعة لأن تطبق هذا المبدأ الإسلامي، فتفتح باب الزواج بينهما وبين (الموالي) على مصراعيه، ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقدم بنفسه ليضرب المثل لغيره، فيرسل إلى زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته أممية بنت عبد المطلب، يخطبها لمولاه زيد بن حارثة، الذي عاش في كفالة الرسول وخدمته، منذ وهبته له زوجته خديجة، عند زواجه بها قبل النبوة، فأعتقه وتبناه، وقد كان ابن أخ زوجته خديجة، حكيم ابن حزام بن خويلد هو الذي وهبه لها، حيث آل إليه بالشراء من سبي من الشام سبته خيل من تهامة، وعندما علمت زينب بنت عمة الرسول أنه لم يخطبها لنفسه وإنما خطبها لمولاه زيد بن حارثة استنكفت من زيد وقالت: أنا خير منه حسبا، اعتبارا لنسبها في صميم قريش، الذي يعد عند العرب نسبا رفيعا، بينما
نسب زيد لا يزال يعد في نظرهم نسبا وضيعا، إذ هذه أول سابقة من نوعها أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفتح بها الباب، ليزيل ما كان بين العرب ومواليهم من الفوارق والحجاب، لكن بعدما استمعت بنت عمته إلى كتاب الله وهو يقول:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ، لم يسعها إلا النزول على أمر الرسول، والرضى بزيد بن حارثة زوجا لها والقبول، فدخل بها ومكثت عنده ما يقرب من سنة أو يزيد قليلا، غير أن العشرة بينهما لم تكن مريحة ولا مطمئنة، فالاعتبارات الاجتماعية التي توارثها العرب لا تزال رواسبها حية في النفوس، ومن الصعب أن تمحي بسرعة وسهولة، ولا سيما في هذه المرحلة الأولى، ولذلك ما لبث زيد بن حارثة أن أخذ يحس بالهوة التي تفرق بينه وبين زوجته زينب، وابتدأ يتردد على رسول الله، شاكيا إليه بنت عمته التي زوجه بها، وكان يشكو منها على الخصوص غلظة قول، وعصيان أمر، وتعظما بالحسب والنسب، ويعرب في كل مناسبة عن نفرته منها، ورغبته في فراقها، فتأكد لدى الرسول عليه السلام أن العشرة بينهما لن تأخذ طريقها السوي، وأن زواجهما لا بد آئل إلى الفراق، لكنه بالرغم من ذلك لم يزل يوصي زيدا بإمساكها، حيث أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (216: 2)، ولم يغب عن علمه صلى الله عليه وسلم ما سوف تتعرض له بنت عمته من الضياع إذا لم يقبل على الزواج بها من يماثلها أو يقاربها حسبا ونسبا بعد فراق زيد لها، ولاسيما والرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي خطبها وأشرف على زواجه بها، ولولا
تدخله المباشر لما قبلت الزواج بزيد مولاه، وبالرغم من هذه الخواطر التي كانت تشغل بال الرسول عليه الصلاة والسلام فيما بينه وبين نفسه، والعواقب التي كان يتوقعها من فراق زيد لبنت عمته ومصيرها بعد فراقه، لم يشأ أن يبت في هذه المشكلة بمجرد الاستنتاج والاجتهاد، وكان عليه أن ينتظر، حتى ينزل في شأنها وحي إلهي صريح، فقد كان يخشى على الناس أن يقعوا في الفتنة من جراء قصة زيد التي لها طابع خاص من جهة، لما احتف بها من الظروف والملابسات، وطابع عام من جهة أخرى، لأنها أول سابقة من نوعها في حياة العرب ينطبق عليها حكم الإسلام الصارم، بعد ما ألفوا (التبني) ورتبوا عليه آثاره الباطلة قرونا طوالا، لا سيما والمرجفون من المنافقين مندسون بين أظهرهم، يتحينون الفرص للدس والإرجاف وبث البلبلة، فجاء كتاب الله بحل هذه المشكلة النفسية والاجتماعية، معلنا بالنسبة لزيد وزينب إذنه لرسول الله الزواج من بنت عمته، بعدما أصر على فراقها زيد مولاه، وفارقها من تلقاء نفسه، وبذلك يتحدد مصير بنت عمته، فلا تبقى أيما دون زوج، ولا تذوق ألم الإهمال والغربة، مع ما يتبعهما من غم وكربة، ويكافئها الله على طاعتها لرسوله بقبول الزواج من مولاه - لفتح الباب في وجه المصاهرة بين العرب والموالي- في البداية، فتصبح من بين أزواجه أمهات المؤمنين في النهاية:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} ، ومعلنا في نفس الوقت أن النهاية التي آلت إليها قصة زيد إنما هي نموذج خاص للحكم العام الشامل، الذي تندرج تحته كل مشكلة من هذا النوع، بالنسبة للسلف والخلف: {لِكَيْلَا يَكُونَ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا}.
وهذا الحل الذي نطق به كتاب الله في الآية السابعة والثلاثين من هذه السورة هو النتيجة المنطقية المستخلصة من قوله تعالى في الآية الرابعة منها: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} ، إذ بمقتضى هذه الآية أصبح الابن الذي ليس بابن الصلب - وهو الذي وصفه كتاب الله بوصف (الدعي) والجمع (أدعياء) - شخصا أجنبيا عن متبنيه السابق، وأصبح هذا المتبني - الذي كان يدعى (أبا) بالرغم من أنه ليس بأب - مسموحا له بالزواج من امرأة الابن الدعي، متى فارقها وأنهت عدتها، لأنها بالنسبة إليه زوجة أجنبي عنه، وليست زوجة ابنه الحقيقي، والمحرم على الآباء هو الزواج بزوجات أبنائهم الحقيقيين من الصلب، لا زوجات أدعيائهم الذين وقع تبنيهم وليسوا من أبنائهم الأصليين، مصداقا لقوله تعالى فيما سبق من سورة النساء (23):{وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} ويلحق بهم الأبناء من الرضاع، إذ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
وعن هذه النازلة الفريدة المليئة بالعبر تحدث كتاب الله مخاطبا رسوله الصادق الأمين الذي لا يكتم وحي ربه ولا يمين، مبينا ما تضمنته من حكم وأحكام، فقال تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.
والمراد (بالذي أنعم الله عليه وأنعم عليه رسوله) هو زيد بن حارثة، فقد أنعم الله عليه بالسبق إلى الإيمان، وخصه من بين الصحابة بذكر اسمه الصريح في القرآن، وأكرمه بالشهادة في سبيل الله والفوز بنعيم الرضوان، وقد أنعم عليه الرسول عليه الصلاة والسلام بالعتق والحرية، والكفالة والتربية، وبتزويجه ببنت عمته القرشية، وتنصيبه أميرا على المجاهدين في جميع السرايا التي بعثه فيها، وآخرها غزوة مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة.
ثم وجه كتاب الله الخطاب إلى كافة المؤمنين، داعيا إياهم إلى الإكثار من ذكر الله وتسبيحه بقدر المستطاع، باللسان والجنان، وعدم الغفلة عن نعمه المتوالية على بني الإنسان، مبشرا للمؤمنين بصلاة الله عليهم، ودعاء الملائكة لهم بتلقي المزيد من الهداية والرحمة والإحسان، مع وعدهم بالنعيم المقيم، والأجر الكريم، وذلك قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} .
وخُتم هذا الربع بخطاب إلهي رقيق، موجه إلى الرسول الأعظم، يبرز مبلغ منة الله عليه، ومبلغ المنة العامة التي أسداها بإرساله إلى البشرية جمعاء، ومبلغ المنة الخاصة التي خص بها المؤمنين من أمته، وذلك قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} ، وكما قال تعالى في الآية الأولى من فاتحة هذه السورة مخاطبا لرسوله:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} ، ها هو كتاب الله يجدد نفس الخطاب، ويؤكد نفس المعنى في الآية الثامنة والأربعين من نفس السورة، وذلك في ختام هذا الربع إذ يقول:{وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} ، ونظرا لما تعرض له الرسول والمؤمنون من أذى الكافرين والمنافقين في مختلف المواقف والمناسبات، مما وصفه لنا كتاب الله تصريحا أو تلويحا، فيما سبق بهذه السورة من الآيات جاء في نفس السياق الأمر بالصبر على أذاهم، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، إذ قال تعالى:{وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} .