الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الرابع والأربعين
من المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الرابع والأربعين من المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة فاطر المكية:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} ، إلى قوله تعالى:{يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}
ــ
بعدما دعا كتاب الله في الربع الماضي الناس كافة، البر منهم والفاجر، والمؤمن والكافر، إلى أن يتذكروا نعمة الله عليهم، ومدده الواصل دون انقطاع إليهم، إذ قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} ، وبعدما أعلن للجميع أن الله تعالى هو وحده مالك الملك، لا يشاركه في ملكه أحد، إذ قال تعالى:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ} ، عقب على ذلك في بداية هذا الربع بتقرير حقيقة كونية وبشرية لا مفر لكل إنسان من الاعتراف بها، ولو حاول أن يتجاهلها ويتغافل عنها، ألا وهي أن النوع
الإنساني وإن بلغ ما بلغ من العتو والاستكبار، والادعاء العريض للسعة والغنى والتحكم في مجاري الأقدار، كان ولا يزال وسيظل يتعثر في أذيال الفقر والاحتياج باستمرار، وذلك قوله تعالى هنا يخاطب الناس جميعا، حتى يخففوا من غلوائهم، ويتراجعوا عن غرورهم وادعائهم:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} ، فقراء إلى توجيهه وهدايته، فقراء إلى توفيقه ورعايته، فقراء إلى رزقه ورحمته، فقراء إلى عفوه ومغفرته، وأنتم من بين جميع الخلائق أشد الخلائق افتقارا إليه، واضطرارا إلى الاعتماد عليه، لتنوع حاجاتكم، وكثرة رغباتكم، وما أنتم عليه من إغراق في الخيال، وتعلق شديد بالأماني والآمال، وعناد وإلحاح ودلال، {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (28: 4)، فالفقر هو صفة الإنسان الطبيعية، وغناه الطارئ إنما هو مجرد عارية، والغنى الحقيقي والمطلق والدائم هو صفة الذات العلية {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ} ، وكل ما تتقلبون فيه من النعم الظاهرة والباطنة إنما هو من صنع الله، وهبة مهداة إليكم من الله، وقوله تعالى:{الْحَمِيدُ} بعد وصفه (بالغني) إشارة إلى أن الحق سبحانه وتعالى وإن انفرد بوصف الغنى الحقيقي دون عباده الفقراء، فإنه لا يبخل عليهم بالإمداد المتواصل والعطاء، وإذن فليس في وصف الله لهم بالفقر أي تحقير أو ازدراء، وإنما هو نوع من الإثارة والتنبيه والإغراء، والذين يقدرون نعم الله عليهم حق قدرها، لابد أن يحمدوا المنعم بها ويؤدوا واجب شكرها، فهو (غني) يسد فقرهم، (حميد) يستحق شكرهم، {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (7: 39).
ويكفي أن يتذكر الإنسان ما يصيبه من حيرة وذهول، عندما يفاجأ بما لم يكن في الحسبان، فتختل موازين حياته العادية، ويشعر بأنه قد نزلت بساحته أكبر داهية، وبذلك يظهر الفقر الطبيعي للإنسان، ويتجلى عجزه البالغ للعيان، ولا تعود حياته سيرتها الأولى إلا إذا حفته الألطاف الخفية، فمن الله عليه، وأمده من جديد بما يحتاج إليه، وصدق الله العظيم إذ قال في فاتحة هذه السورة:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
وتنبيها للغافلين السادرين في غفلتهم، وتحذيرا للعصاة المصرين على عصيانهم، المتمردين على طاعة الله، والمتعدين حدود الله، سواء كانوا أفرادا أو جماعات، شعوبا أو دولا أو حكومات، خاطبهم الحق سبحانه وتعالى منذرا ومحذرا، فقال تعالى:{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} .
ذلك أن الله تعالى لم يستخلف الإنسان في الأرض ليفسد فيها ويسفك الدماء، ويمارس المنكر والفحشاء، وإنما استخلفه ليقيم فوق سطحها دولة الفضيلة والصلاح والعدل والإخاء، وهو سبحانه وتعالى قادر على أن يعاقب الإنسان بالسلب بعد العطاء، متى أخل برسالة الخلافة وأهملها، ولم يتعظ بعاقبة السوء التي أصابت كل من تنكر لها وعطلها، وصدق الله العظيم إذ قال (133: 6): {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} ، وإذ قال (133: 4: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} .
وليؤكد كتاب الله إمكان هذا التأديب الإلهي الصارم، قال تعالى:{وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} ، أي: ليس ذلك على قدرة الله وحكمته بمتعذر ولا ممتنع، بل هو أمر واقع، ليس له من دافع، فكم من أجيال فاسدة لقيت مصرعها ودخلت في خبر كان، فحلت محلها أجيال صالحة، لأن كفتها أصبحت في كف القدر وميزان الحق راجحة.
على أن قوله تعالى هنا في سورة فاطر المكية: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} ، إنما هو تأكيد جديد لنفي الإنذار الإلهي الذي سبق في سورة إبراهيم المكية أيضا، في مثل هذا السياق، وبنفس اللفظ والمعنى، حيث قال تعالى (20):{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} ، وسيجدد كتاب الله التذكير بهذه الحقائق مرة أخرى في سورة (محمد) عند قوله تعالى (38):{وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} .
ونظرا لأن الدنيا دار ازدواج وامتزاج يوجد فيها الصالح والطالح، والعاصي والمطيع، ومن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، فإن كتاب الله اعتبر كل شخص مسؤولا عن عمله الخاص من صلاح أو فساد، وطاعة أو معصية، ولم يعتبره مسؤولا شخصيا عن
عمل غيره من الناس، وإن كانت عاقبة فساد المفسدين قد تعم الجميع في الحياة الدنيا، فتهلك الحرث والنسل، وتحرق الأخضر واليابس، على حد قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل:(أنهلك وفينا الصالحون؟) قال: (نعم، إذا كثر الخبث).
وهذا المبدأ، مبدأ المسؤولية الفردية، المتعلقة بكل شخص بمفرده، يوم الجزاء، وأمام القضاء، قرره كتاب الله وأكده في غير ما سورة وغير ما آية. وورد بنفس اللفظ والمعنى في سورة الأنعام:(164)، وسورة الإسراء:(15)، وسورة الزمر (7)، وسورة النجم:(38)، وهنا في سورة فاطر، حيث قال تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وهذه السورة كلها مكية، مما يدل على أن مبدأ مسؤولية كل فرد عن عمله الخاص، وعدم مؤاخذته بعمل غيره، ولا مؤاخذة الغير بعمله، يكون جزءا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، وأصلا أساسيا من أصول التشريع الإسلامي، ومن بين الآيات التي قررت وأكدت هذا المبدأ العادل قوله تعالى (21: 52): {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} ، وقوله تعالى (39: 53): {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} ، وذلك على خلاف المعمول به في عرف الطغاة المستبدين، قديما وحديثا، من مؤاخذة الفرد بعمل غيره، وإن كان لا دخل له فيه من قريب ولا من بعيد.
وليوضح كتاب الله ثقل المسؤولية الشخصية، الملقاة على عاتق كل فرد، صور لنا الشخص وهو يمشي مثقلا بأوزاره، يلتمس من رفاقه في القافلة إعانته والتخفيف عنه، فلا يستجيب له
أحد، ولو كان من أقرب الأقربين، لأن كل واحد منهم ينوء بحمله الخاص، ولسان حاله يقول:(نفسي نفسي)، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز:{وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} ، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (37: 80) {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} .
وقوله تعالى خطابا لنبيه: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} ، إشارة إلى أن الموعظة الحسنة إنما تحدث أثرها، وتؤتي أكلها على الوجه الأكمل، عندما يكون المستمع إليها والمنتفع بها ممن يؤمن بالله، ويؤدي حقوق الله، ومن فعل ذلك وأقبل على ممارسة العمل الصالح عادت بركته عليه، وانجر نفعه إليه، فعاش عيشة طيبة طاهر القلب، طاهر العرض، زكي النفس:{وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} ، أما الله تعالى فهو غني عن عباده غنى مطلقا، بحيث لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} ، أي: إليه سبحانه مرجع الخلق أجمعين، العصاة منهم والطائعين، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (49: 18).
وتصويرا للبون الشاسع بين المؤمن وغير المؤمن، حتى إن الفرق بينهما يماثل الفرق بين الأعمى والبصير، قال تعالى:{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} ، ومثل كتاب الله أوهام الشرك وضلالات الكفر (بالظلمات)، وحقيقة الإيمان والتوحيد (بالنور)، فقال تعالى:{وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ} ، أي: لا تستوي الظلمات والنور أبدا، وحيث أن مغالطات الشرك ووجوه الكفر
متعددة لا تحصى جاءت كلمة (الظلمات) المعبرة عنها بصيغة الجمع، على خلاف حقيقة الإيمان والتوحيد، التي هي حقيقة واحدة لا تقبل التعدد، فجاء لفظ (النور) المعبر عنها بصيغة المفرد.
ثم قال تعالى: {وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} ، إشارة الى ما يكرم الله به المؤمنين من عباده في الجنة من الظل الظليل والنعيم المقيم، وما يسلطه على المشركين والكفرة في حر جهنم من العذاب الأليم، وذلك علاوة على ما تنعم به قلوب المؤمنين في الحياة الدنيا من سكينة وطمأنينة، وما تكون عليه قلوب غيرهم من قلق وبلبلة واضطراب، وتعرض لانهيار الأعصاب، لأتفه الأسباب.
وقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} ، إشارة إلى أن التفاوت بين المؤمن وغير المؤمن قد تتسع شقته، فيتجاوز درجة الفرق بين الأعمى والبصير، ليصل إلى درجة الفرق بين الحي والميت، نظرا لرسوخ الكفر في قلب الكافر، وتبلد حسه الباطن والظاهر، وسبق في سورة الأنعام قوله تعالى (122):{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} .
ثم قال تعالى مكتفيا من رسوله الأمين بما قام به من تبليغ وإنذار، في حق من أصر على كفره بالغ الإصرار:{إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} .
وتذكيرا لرسوله الأمين، بما أصاب الرسل السالفين، وما تعرضت له رسالاتهم من طرف المكذبين، رغما عما رافقها وأيدها من المعجزات التي تثبت أنهم كانوا صادقين، وتعريفا للناس أجمعين، بما لحق أعداء الرسالات السابقة من العذاب المهين، قال تعالى:{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} ، أي: أن عقاب الله لهم كان فوق الوصف، فليحذر اللاحقون أن يعاقبوا بمثل ما عوقب به السابقون.
وبعد ما وصف كتاب الله جملة من أحوال المكذبين الضالين، وما يتعرضون له من شقاء في الدنيا وعذاب يوم الدين، استأنف كتاب الله دعوته المثلى، بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فوجه الخطاب إلى كل إنسان عنده بصر وبصيرة، ليتفكر ويتدبر في ظواهر الكون الفسيح المحيط به، حتى يتكون عنده شيء من العلم بتلك الظواهر، فيسخرها وينتفع بها، وينطلق منها إلى الإيمان بوجود خالقها ووحدانيته، والاعتراف بقدرة مبدعها وحكمته، والاقرار بوجوب طاعته وعبادته، وذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}، ففي هذه الآيات الكريمة دعوة من الله للإنسان، أيا كان، إلى أن يستعمل حواسه وعقله، في تتبع واستقراء كل ما يراه حوله، عسى أن يستخلص النتائج والعبر من ذلك الاستقراء، للارتفاع إلى مصاف العلماء.
وقد أبرز كتاب الله في هذه الآيات بالخصوص ظاهرة اختلاف الألوان، في الحيوان والإنسان، والجماد والنبات:
فبالنسبة لألوان النبات نجد قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا} .
وبالنسبة لألوان الجماد نجد قوله تعالى: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} .
وبالنسبة لألوان الإنسان والحيوان نجد قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} .
وسبق في سورة (الروم) قوله تعالى (21): {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} .
وواضح أن من استعرض في صعيد واحد نماذج من جميع أصناف الإنسان والحيوان، المنتشرة في أطراف العالم، أو استعرض نماذج من جميع أنواع النبات وأصناف الثمرات، التي تزخر بها الطبيعة، ولاحظ ما بينها من تفاوت في الألوان والسمات، وتفاوت في نفس اللون الواحد الذي تختلف فيه الدرجات، لرأى العجب العجاب، مما تحار فيه الألباب، وكذلك
الأمر عندما يستعرض الإنسان أنواع الأحجار والصخور والجبال، وما هي عليه من ألوان تبهر الخيال، وتمثل الجمال والجلال، فيرى إلى أي حد تتصرف قدرة الله الكبير المتعال.
ولفظ (الجدد) في قوله تعالى هنا: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ} ، جمع (جدة)، وتطلق على الجزء من الشيء الواحد، إذا كان لونه يخالف لون الباقي، وواضح أن شعاب الجبال وثناياها يختلف لون بعضها عن بعض، فتزداد تنوعا وتألقا، يقال:(طريق مجدود) أي طريق مسلوك، و (الجادة) وسط الطريق.
ولفظ (الغرابيب) في قوله تعالى هنا: {غَرَابِيبُ سُودٌ} ، جمع (غربيب)، أي شديد السواد، تشبيها بلون الغراب الأسود.
ولفظ {الْعُلَمَاءُ} ، في قوله تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، لا يقتصر على أهل الفقه والأثر، الذين ورثوا (العلم النبوي الشريف) فكانوا أمناء على تبليغه ونشره، بل يشملهم ويشمل كل من نال حظا من العلم- ولاسيما العلم بأسرار الكون وحقائق الطبيعة - فسخره لخير الإنسان، وجعله معراجا للدخول في حظيرة الإيمان، والتحق بركب الصالحين من (عباد الرحمن)، والمراد (بالخشية) هنا تلك الحالة النفسية والروحية التي تهز كيان المؤمن، فتجعله يقبل على الله من كل قلبه، ويتهيب الإقدام على معصية ربه، ولا ينبغي أن يفهم من قوله تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، أن الخشية لا تكون إلا من عالم منتصب لنشر العلم، إذ كثير من المؤمنين، غير العلماء المنتصبين، يخشون الله، لأن عندهم حظا من العلم بالله،
وإنما المراد أن الخشية على وجهها الصحيح الكامل لا يتصف بها إلا العالم الكامل، قال ابن كثير:(كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر) وقال القشيري: (من فقد العلم بالله فلا خشية له من الله)، وقال الربيع بن أنس:(من لم يخش الله تعالى فليس بعالم).
وقوله تعالى تعقيبا على ذلك: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} ، إشارة إلى أنه بوصفه (عزيزا)، سيعامل المسيء بمقتضى (العزة)، وبوصفه (غفورا) سيعامل المحسن بمقتضى (المغفرة).
وانتقل كتاب الله إلى وصف حالة المؤمن المثالي، التي ينبغي أن يطمح إليها كل مؤمن. ويستخلص من الآيات الواردة في هذا الوصف أن المؤمن (المثالي) هو الذي يتخذ من كتاب الله دليله ورفيقه في حياته اليومية، وهو الذي يؤدي حقوق الله وحقوق العباد عن رغبة وطواعية، وهو الذي لا يختلف حاله في السر عن حاله في العلانية، وأضاف كتاب الله إلى هذا الوصف ما يكون عليه المؤمن (المثالي) من تفاؤل ورجاء، في حسن العاقبة وحسن الجزاء، فقال تعالى في وصف هذا الصنف من المؤمنين:{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} ، ثم قال تعالى:{إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} ، إشارة إلى أنه تعالى يتولاهم بعفوه ومغفرته، ويثيبهم أجزل ثواب بمحض كرمه وإرادته.