المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الربع الأول من الحزب الرابع والأربعينفي المصحف الكريم (ت) - التيسير في أحاديث التفسير - جـ ٥

[محمد المكي الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الخامس

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الروم

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة لقمان

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة السجدة

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأحزاب

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة سبأ

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة فاطر

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الرابع والأربعينمن المصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الرابع والأربعينمن المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الرابع والأربعينمن المصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الرابع والأربعينمن المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة يس

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌لربع الأول من الحزب الخامس والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الصافات

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة ص

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الزمر

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والأربعينفي الصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة غافر

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والأربعينفي الصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة فصلت

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الشورى

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الزخرف

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الدخان

- ‌الربع الثاني من الحزب الخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجاثية

- ‌الربع الثالث من الحزب الخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخمسينفي المصحف الكريم (ت)

الفصل: ‌الربع الأول من الحزب الرابع والأربعينفي المصحف الكريم (ت)

‌الربع الأول من الحزب الرابع والأربعين

في المصحف الكريم (ت)

عباد الله

في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب الرابع والأربعين، في المصحف الكريم ابتداء من قوله تعالى:{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} إلى قوله تعالى: {فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} .

ــ

في الآيات الأخيرة من الربع الماضي وجه كتاب الله الخطاب إلى نبيه، آمرا له أن يتحدى المشركين، ويطلب منهم دعوة شركائهم الذين يتمسكون بعبادتهم، ويعلقون الأمل على شفاعتهم، مسجلا على أولئك الشركاء العجزة المفاليس، فقرهم المدقع وعجزهم التام، إذ قال تعالى فيما سبق:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ} .

وفي بداية هذا الربع وجه كتاب الله الخطاب إلى نبيه، آمرا له أن يواصل تحديه للمشركين، ويوجه إليهم سؤالا ملحا عمن يرزقهم، وهل أولئك الشركاء الذين يعبدونهم هم الذين يرزقونهم، مع أنهم لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وحيث أنه كان من المنتظر أن يتلعثموا ولا يجيبوا، فقد

ص: 189

أذن الله لنبيه أن يتولى هو بنفسه الجواب نيابة عنهم، بمقتضى لسان الحال، الذي هو أفصح من لسان المقال، وذلك قوله تعالى في السِؤال:{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، فكان الجواب، {قُلِ اللَّهُ} .

قال جار الله الزمخشري محللا السر في توجيه السؤال وتلقي الجواب من مصدر واحد، وهو نفس النبي عليه السلام:" أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله: {قُلِ اللَّهُ}، وذلك للإشعار بأنهم مُقرُّون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق، مع علمهم بصحته، ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ}، (31: 10) إلى أن قال: {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ}، ثم قال {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} (32: 10)، فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة كانوا يتلعثمون عنادا وإصرار، وحذرا من التزام الحجة ".

ورغما عن وضوح الحجة وسلامة البرهان، على أن الله الذي يرزق عباده هو الذي يستحق عبادتهم وطاعتهم، ومن عبده هو الذي يكون على هدى، وأن من لا تأثير له في خلق ولا رزق، ولا شرك له في السماوات والأرض، ينبغي أن يهمل ويسقط من الحساب، ومن عبده هو الضال المضل، قال تعالى

ص: 190

مستدرجا للكافرين المشركين، وإن كان الحق كله مع المؤمنين الموحدين، {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .

ونظرا إلى أن اختلاف البشر في معتقداتهم لا سبيل إلى القضاء عليه في الحياة الدنيا ما داموا موكولين إلى اختيارهم، فإن فصل القضاء بينهم لا يتم إلا عند حشرهم ووقوفهم جميعا بين يدي الله يوم القيامة، وذلك قوله تعالى:{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} ، أي: القاضي بالحق، العليم بأحوال الخلق.

ولتبكيت المشركين وتسفيه معتقداتهم من جهة، والمزيد من التنازل، أملا في إقناعهم بالرجوع الى الحق من جهة أخرى، أمر الله تعالى نبيه أن يقترح عليهم عقد مقارنة وموازنة بين خصال الشركاء الذين ألحقوهم بالله، وبين كمالات الله الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء، وبديهي أنه لا مجال للمقارنة بين صفات الخالق وصفات المخلوق، وبين الحي القيوم، والجماد الشبيه بالمعدوم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا} ، أي: ليس له شركاء، {بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، أي ذو العزة الذي قهر بعزته كل شيء، الحكيم في تصرفاته وكلماته، وشرعه وقدره.

ووجه كتاب الله الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله، ممتنا عليه، ومؤكدا للناس أجمعين أن الرسالة التي جاء بها رسالة عامة إلى كافة البشر، ولا يفل من حدها ولا ينقص من شأنها كون

ص: 191

الجاهلين والمعاندين أصروا على تجاهل أمرها، وعدم الإقرار بها، فستفرض نفسها بحجتها البالغة عليهم جميعا، وذلك قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ، ومن لوازم عموم الرسالة أن يتوجه الرسول إلى الإنسانية جمعاء بالتبليغ والتبشير والإنذار، وأن يكفهم عن الضلال ويرشدهم إلى الهدى على ممر الأجيال والأعصار، وبنفس المعنى سبق قوله تعالى في سورة الأعراف (158):{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} ، وقوله تعالى في سورة الفرقان (1):{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ، و (البشارة) لمن أسلم وجهه لله بإحسان، و (النذارة) لمن أسلم وجهه للهوى والشيطان.

وأورد كتاب الله سؤالا عن موعد قيام الساعة، وهو أحد الأسئلة الغريبة التي يوجهها المتعنتون والمعاندون في كل مناسبة، لا بقصد الاسترشاد، ولكن بقصد التحدي والعناد، فقال تعالى حكاية عنهم:{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ولقن رسوله الجواب المناسب لهذا السؤال: {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} ، و (الميعاد) ظرف الوعد من مكان أو زمان، وهو هنا للزمان، ولم يخف كتاب الله وجود طائفة من الكافرين بلغ بها الجحود والعناد، والغلو في الكفر والإلحاد، ليس فقط إلى عدم الاعتراف بالقرآن، وإنكار ما تضمنه من العقائد الثابتة بالحجة والبرهان، بل إلى إنكار جميع الكتب السماوية والعقائد التي جاءت بها الأديان، وذلك قوله

ص: 192

تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} .

ثم بين كتاب الله لرسوله الأعظم ما سيكون عليه يوم القيامة حال الأتباع والمتبوعين، والرؤساء والمرءوسين، الضالين منهم والمضلين، وهم يتبادلون الاتهام والملام، ويتراشقون بلاذع القول وقارص الكلام، وذلك قوله تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ، أي: محبوسون في موقف الحساب بين يدي الله، {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} ، أي: لو رأيت تحاورهم وتناكرهم وتراجعهم في القول لرأيت مشهدا مريعا، وموقفا فظيعا:{يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} ، وهم الأتباع، {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} ، وهم القادة، {لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} ، وهم القادة، {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} ، وهم الأتباع:{أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} أي: الأتباع، {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} ، أي: القادة، ردا عليهم، {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} ، أي: أن الإجرام لم يكن من جهتنا، بل من جهة مكركم وخداعكم لنا، واحتيالكم علينا، وبث معتقداتكم الباطلة بيننا باستمرار، في الليل والنهار.

ولما رأوا العذاب رؤساء ومرؤوسين، استولى عليهم الذعر الندم، من الرأس إلى أخمص القدم، فبرزت آثاره على أسارير وجوههم، وأحاطت الأغلال بأعناقهم. أما القادة والرؤساء فمن

ص: 193

أجل ضلالهم في أنفسهم وإضلالهم لغيرهم، وأما الأتباع والمرؤوسون فمن أجل تسليم مقادتهم لهم والانقياد لأوامرهم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} : للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع عذاب بحسبهم، وبدلا من سلاسل الخداع والتضليل، التي كانوا يوثقون بها أعناق الجيل بعد الجيل، هاهي أعناقهم موثقة بسلاسل من أغلال الحديد الثقيل.

وانتقل كتاب الله إلى كشف الغطاء عن الخطة العدائية التي جرى عليها الطغاة المترفون كلما بعث إلى الناس نبي أو رسول، وما تواطئوا عليه من غلط كبير، ووهم خطير، إذ يظنون أن سعة أموالهم، وكثرة أولادهم هي من دلائل حظوتهم عند الله، فيأمنون مكر الله، جاهلين أن الله تعالى إنما يمهل الظالمين، وأن كيده متين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} ، فسعة الرزق عند الغنى لا تدل على مقامه الكريم عند الله، وضيق ذات اليد عند الفقير لا يفيد هوانه على الله، ووجود الترف، لا يدل على الشرف، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

ثم قرر كتاب الله حقيقة دينية ثابتة قام عليها الإسلام، ألا وهي أن قيمة الإنسان عند ربه تقدر بخلقه القويم، وسلوكه المستقيم، بشكل متواصل ومستديم، ولا دخل للغنى والفقر في

ص: 194

هذا التقويم، وذلك ما يؤكده قوله تعالى:{وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} ، أي: ليست الأموال والأولاد دليلا على حظوتكم عندنا وقربكم منا، إذا لم يزينها الإيمان والعمل الصالح:{إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} ، فمن أدى في أمواله حق الله، وأنفق أمواله في سبيل الله، وعلم أولاده الخير وفقههم في الدين، ورباهم على طاعة الله، كانت له الأموال والأولاد نعم الزلفى إلى الله:{فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا} ، أي: لهم الجزاء المضعف (الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف)، (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}، أي: آمنون من العذاب والأسقام والأحزان.

أما الذين حادوا الله ورسوله كبرا وعنادا، فستتلقاهم الزبانية يوم القيامة من سبعة أبواب، وسيساقون أذلاء مستسلمين إلى ساحة العذاب، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا} ، أي: يسعون في إبطال أدلتنا، وتكذيب ما أنزلناه في كتابنا، {مُعَاجِزِينَ} ، أي: معاندين لنا، محاولين تعجيزنا، {أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} ، أي: يساقون مرغمين على الحضور، جزاء ما أصروا من كفر وفجور.

وأكد كتاب الله مرة أخرى أن مقدار الرزق الذي يناله الإنسان لا يدل على مقامه عند الله، فكثرة الرزق لا تدل على التكريم، وقلته لا تدل على الهوان، لكن (نعم المال الصالح للرجل الصالح) كما جاء في الحديث الشريف، وذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ

ص: 195

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}، أي: يخلفه عليكم ويعطيكم بدله، إذا كانت النفقة في طاعة الله، وذلك إما بمثله، وإما بالثواب عليه وادخاره للآخرة:{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} (30: 3)، وإما بالقناعة وغنى القلب، (والقناعة كنز لا ينفذ)، على أن كل ما عند العبد إنما هو من خلق الله ورزقه، {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ، إذ هو سبحانه خالق الرزق، وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق، وخزائن رزقه لا تتناهى ولا تفنى {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (7: 63)، قال مجاهد:(لا يتأولن أحدكم هذه الآية: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}، من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد فيه، فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل، ولا ينفق جميع ما في يده، ثم يبقى طول عمره في فقر).

وكما استنكر كتاب الله في الربع الماضي (عبادة الجن) وقضى على رواسبها المتخلفة من عهد الجاهلية، عندما قال في شأنهم:{وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} وعندما قال: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} ، استنكر كتاب الله في هذا الربع عبادة فريق من الناس للملائكة، وجاء هذا الاستنكار، في صيغة سؤال واستفسار، وذلك قوله تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} ، أي: يحشر الكافرين والمشركين في عرض شامل جامع: {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} ، أي: هل أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، وكنتم راضين عن عبادتهم فيتبرأ الملائكة منهم

ص: 196

بالمرة، ويبدؤون جوابهم بتنزيه الله عن كل سوء:{قَالُوا سُبْحَانَكَ} ، أي: تعاليت وتقدست عن أن يعبد أحد سواك، {أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ} ، أي: أنت ربنا الذي نتولاه وحده بالعبادة، ونخلص له الطاعة، لا نتولى غيرك ولا نعبد سواك.

وسبق في كتاب الله سؤال من هذا النوع، موجه إلى عيسى عليه السلام مع جواب مماثل (116: 5)، {أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} ، ثم واصل الملائكة جوابهم قائلين:{بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} ، أي أن شياطين الجن هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان، وخيلوا إليهم أن تلك الأوثان هي على صور الملائكة، فصدقوهم وآمنوا بهم، {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} (100: 6)، {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} (158: 37)، قال جار الله الزمخشري (قد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين برءاء مما وجه إليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير، والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا، فيكون تقريع من عبدوهم أشد، وتعييرهم أبلغ، وخجلهم أعظم).

ثم بين كتاب الله أن الآمال التي كان يعلقها عبدة الأوثان والجن والملائكة على معبوداتهم آمال ضائعة، وأن رجاءهم في نفعهم عند نزول الشدائد مآله الخيبة والخسران، فقال تعالى مخاطبا لهم جميعا: {فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا

ص: 197

تُكَذِّبُونَ}، إذ الآخرة دار حساب وجزاء، لا دار تكليف وابتلاء.

وعاد كتاب الله إلى الحديث عن مزاعم أعداء الرسالة والرسول، وما يحدثونه من البلبلة في النفوس والعقول، وذلك قوله تعالى في وصفهم ووصف مزاعمهم الباطلة:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ} ، والإشارة هنا إلى الرسول عليه السلام، {وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى} ، والإشارة هنا إلى القرآن، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} ، والإشارة هنا إلى الحق.

وهكذا انحصرت مزاعمهم ضد الرسالة والرسول في وجوب التقليد الأعمى لمعتقدات الجاهلية والتمسك بها، ورمي الرسالة بكونها مجرد كذب وسحر، دون الدخول في مناقشة محتوياتها، ومحاولة التصدي لإبطالها بالدليل والبرهان، علما منهم بأن رسالة القرآن وحدها هي التي تأخذ قصب السبق وتفوز في الرهان، لأن حجتها فيها، ودليلها منها، إذ لا كتاب أبين من كتاب الله، ولذلك وصف كتاب الله الآيات بأنها (بينات)، والحق أن موقف الذين تمسكوا بالشرك والكفر من العرب كان موقفا غريبا، فبعدما ظلوا قرونا طوالا منذ عهد إسماعيل يتطلعون إلى أن يبعث إليهم رسول، وينزل على رسولهم كتاب، مثل الأقوام الآخرين، {وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} ، إذا بهم عندما أكرمهم الله بخاتم رسله، وأنزل عليه خاتم كتبه، يتنكرون له، ويكفرون به، ويعلنون الحرب عليه، وكان من

ص: 198

المعقول والمنتظر أن يتلقفوا رسالته ويتلقوها بكلتا اليدين، لأنها رسالة حق وصدق لا شك فيها ولا مين.

وخُتم هذا الربع بالإشارة إلى أن وجود روافض مكذبين يتبجحون بتكذيب الرسل ورفض الرسالات الإلهية ليس بدعا في تاريخ البشر، لاختلاف الاستعدادات الطبيعية، واختلاف المستويات الفكرية، واختلاف الأهواء والاختيارات الشخصية، واختلاف البيئات الاجتماعية، لكن عاقبة الرفض والتكذيب كانت دائما هي إنزال العقاب بالمكذبين، وكان عقابهم من الله بالتدمير والتعذيب، وذلك هو (النكير) العظيم، الذي يشير إليه قوله تعالى:{وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} .

ص: 199