الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة الناشر
بعدَ حمدِ الله تعالى، والصلاةِ والسلامِ على خيرِ خلقِه سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبِه، تشرُف دارُ توقيعات للنشر، بأن تقدم للعالم الإسلامي الطبعة السلطانية لصحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وهي التي أمر بطباعتها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وانتهت المطبعة الأميرية ببولاق في مصر من طباعتها سنة 1313، وخرجت في تسعة أجزاء بحرف جميل، وتنضيد أنيق، وحلة قشيبة.
وبما أن صحيح البخاري هو أصحُّ كتابٍ للمسلمين بعد القرآن الكريم، فقد وجَّه السلطانُ عبد الحميد الثاني رحمه الله كلَّ اهتمامه لإخراج طبعةٍ صحيحةٍ مُتقَنةٍ منه.، تكون مرجعًا للأمة الإسلامية، وأصدر الأمر بالبدء بطباعته على نفقته الخاصة. وأرسل إلى مصر من خزانته المُلوكية النسخةَ اليونينية الخطية الأصلية النادرة، لمقابلة الطبعة وتصحيحها.
وبعد انتهاء الطبع قام شيخ الأزهر الشيخ حسونةُ النواوي، وستةَ عشرَ من العلماء الأعلام بتصحيحها ومقابلتها كلمةً كلمةً. على النسخة اليونينية التي أرسلها السلطان.، وأعدُّوا جداول بالخطأ والصواب، أُرفقت مع كل جزء من أجزائها التسعة. ثم قام شيخ الإسلام محمد جمال الدين أفندي، ولجنةٌ أخرى من كبار علماء الدولة العثمانية في إستنبول، بمراجعة الطبعة ثانيةً وإجازتها. إنها مأثَرةٌ من مآثر السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، زادها حُسنًا بأنه جعل تلك الطبعة وقفًا عامًّا للمسلمين.
لقد مرت مائةٌ وسبع وعشرون سنةً منذ صدور تلك الطبعة، ولا تزال هي أفضل طبعة لصحيح البخاري على الإطلاق، تتحدى بدقتها، وحسن إخراجها أحدثَ أساليب الطباعة والتحقيق. ولم تستطع آلات الطبع الحديثة، ولا الحروف الجديدة المخترعة، ولا المجامعُ العلمية التي تأسست خلال هذه المدة أن تُخرج طبعةً أفضل منها، لا في صحة النص ودقة الضبط، ولا في جمال الإخراج وأناقة التنضيد.
لقد أبدع الإمامُ شرفُ الدِّينِ عليُّ بنُ مُحمَّدٍ اليُونِينيُّ (-701) في تصحيح نسخته ومقابلتها على أصحِّ الأصول الخطية، وتَتَبَّعَ كل اختلاف بين هذه الأصول فأثبته، من خلال نظام دقيق لتحقيق النص وإثبات الفروق، جعل فيه لكل نسخة من النسخ التي اعتمد عليها رمزًا، فكان بذلك مبدعًا في ميدان التوثيق، ورائدًا في مجال التحقيق.
وصرف الإمام اليونيني عمره في دراسة صحيح البخاري وتدريسه ومقابلته، حتى قابله في سنة واحدة إحدى عشرةَ مرةً. وجمع سنة 667 هـ أبرز علماء دمشق، وعقد لهم مجالس لقراءة صحيح البخاري وتصحيحه.، حضرها إمام النحاة الشهير محمد ابن مالك (-672) صاحب الألفية، وتمت القراءة والمقابلة والتصحيح في واحدٍ وسبعين مجلسًا، نتج عنها أصح نسخة من صحيح البخاري تُسَمَّى: النسخة اليونينة.
لقد أخرجت الطبعة السلطانية كنوز تلك النسخة اليونينية بإتقان، ونقلت رموزها بدقة بالغة، وهو أمرٌ لم تتمكن من القيام به أي طبعة أخرى حتى الآن.
وقد زادت الطبعة السلطانية دقةً وتحريرًا بمقابلتها على نسخة أخرى فائقة الأهمية، هي النسخة البصرية، وهي فرعٌ عن النسخة اليونينية، نسخها بخط يده العلامة الشيخ عبد الله بن سالمٍ البصري (-1134)، وهو عالم شهير، أقرأ صحيح البخاري في جوف الكعبة عدة مراتٍ، وألَّف شرحًا له. واعتنى بنسخته من صحيح البخاري،
وأمضى نحو عشرين سنةً في مقابلتها وتصحيحها. وقام المصححون في مطبعة بولاق بالاستفادة من جواهر نسخته، ومراجعة الطبعة السلطانية عليها.
وبعد انتهاء التصحيح والمقابلة أعيدت النسخة اليونينية من مصر إلى إستنبول، ولكنها فُقدت بعد ذلك، ولم يُعثَر لها إلى هذا اليوم على أي أثر، كما أن مصير النسخة البصرية التي كانت مِلكًا للشيخ طاهر سنبل في المدينة المنورة لا يزال سرًّا غامضًا.
هذه الأحداث جعلت من الطبعة السلطانية طبعةً فريدةً في دقتها العلمية، نادرةً في قيمتها التاريخية، لأنها تمثل خلاصة الجهود التي بذلها العلماء لتصحيح صحيح البخاري خلال سبعمائة سنة. وزاد في ندرتها أنه لم يطبع منها غيرُ ألف نسخة، فأصبحت بذلك تحفةً أثريةً لا تقدر بثمن.
وقد أحببنا في دار توقيعات أن نعيد إصدارها لسببين: الأول: أنها أصحُّ الطبعات على الإطلاق، فينبغي أن تكون في متناوَل العلماء، وبين أيدي القراء. الثاني: لإحياء ذكرى السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى، والتذكير بمآثره في خدمة الإسلام.، ومنها طبع صحيح البخاري.
واعتمدنا في إعادة الطباعة على نسخة أصلية من الطبعة السلطانية في مكتبة الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي حفظه الله تعالى، ذات جلد أصلي مذهَّبٍ تُحَلِّيه طُغَراءُ السلطان، وشعار الدولة العثمانية، تعرف باسم (بخاري سَراي) أي نسخة القصر.
لقد جرت عدةُ محاولات في العقود السابقة لإعادة إصدار الطبعة السلطانية مع إضافات عديدة، وتحسينات مفيدة، اجتهد الناشرون في اختيارها لتحسين الطبعة وتيسير المراجعة فيها.
ولكن ما يميز طبعتنا هذه هو أنها نسخةٌ طبقُ الأصل عن الطبعة السلطانية، طُبعت بطريقة الفاكسيميل محاكاةً للأصل. واختير لذلك ورقٌ فاخرٌ مُقَهَّرٌ.، وتمَّ الاعتناء بالتسفير والتذهيب، كما جرت العادة في النسخ التي تُقدَّم إلى خزائن الملوك. واستُعمل لونُ الذهب بدل اللون الأسود في الخطوط العريضة للعناوين وبدايات الأحاديث، وحُذفت عبارة:(وقف لله تعالى لا يباع ولا يشرى) من أعلى الصفحات، ووُضعت طُغَراءُ السلطان عبد الحميد، وشعارُ الدولة العثمانية في عهده على طرفي الجلد.، كما كان في النسخ الفاخرة من الطبعة الأصلية.
وأرفقنا مع هذه الطبعة السلطانية كتاب المَدْخَل إِلى صَحِيحِ البُخَارِيِّ تأليف الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي، وهو كتاب يُعَدُّ سَفَطَ جوهرٍ يشتمل على لآلئَ ودررٍ من الأبحاث التي لا يستغني عنها قارئُ صحيح البخاري.
وإننا في دار توقيعات للنشر إذ نضع هذه الطبعة السلطانية، والتحفة النفسية الخزائنية من صحيح البخاري بين أيدي المحبين للنبي عليه الصلاة والسلام من كافة طبقات المجتمع، وهي أول كتاب نصدره، لنشكر كل من أعاننا على إخراج هذه التحفة الثمينة في هذه الحلة القَشيبة، سائلين الله تعالى أن يتقبل منا جميعًا صالح الأعمال، إنه سميع قريب مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
غرة شهر شوال سنة 1440
دار توقيعات للنشر - لندن