الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد في وجوب العمل بخبر الواحد
لقد أوجب الله تعالى علينا طاعة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وتعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [سورة آل عمران: 132]. وجعل طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة له فقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [سورة النساء.: 80]. وأمر باتباع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.، وجعل ذلك شرطًا لنيل محبته ومغفرته فقال عز وجل:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة آل عمران: 31] .. وألزم الناس بقبول حكمه، والانقياد له، واتباع ما أمر به، وحذرهم من معصيته ومخالفته فقال عزَّ من قائل:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [سورة الأحزاب: 36]. وأخبر بعصمته فيما يبلغ عن ربه فقال جل جلاله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [سورة النجم: 1 - 4]. وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [سورة الحشر: 7].
فلا شك ولا ريب أن السنة حجة مع القرآن الكريم، وأن الكتاب والسنة لا يفترقان، فالسنة هي المبيِّنة للكتاب قال اللهُ تعالى:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [سورة النحل: 44].
وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم درجاتٌ في قوة الثبوت فأقواها: ما رواه جمع من الصحابة كبير ثم رواه عنهم جمعٌ آخر وهكذا إلى عصر تدوين الحديث، وهي التي تُسمَّى الأحاديث المتواترة. يليها ما رواه واحد أو اثنان من الصحابة ثم أخذه عنهما جمعٌ كبير بعد
ذلك.، وهي الأحاديث المشهورة، وقد اعتدَّ بها الحنفية. والدرجة الثالثة: ما رواه واحدٌ من الصحابة ثم أخذه عنه واحدٌ من التابعين وهكذا إلى عصر تدوين الحديث .. وهذه الأحاديث هي التي تسمَّى أخبار الآحاد، وهي معظم ما في كتب السنة المطهرة. ولا بد من التنبيه هنا إلى أنه رغم اختلاف هذه المراتب الثلاث في درجة الثبوت، فإن الثلاثة لا اختلاف بين العلماء في وجوب العمل بها.
ومسألة وجوب العمل بخبر الواحد في ثبوت الأحكام هي مما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم في كل عصر. قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر النمري القرطبي (368 - 463): "أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل.، وإيجابِ العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع".
وقال الإمام محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (-671): "وهو - أي وجوب العمل بخبر الواحد العدل - مُجْمَعٌ عليه من السلف، معلومٌ بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاتَه ورسلَه آحادًا للآفاق ليعلِّموا الناس دينَهم، فيبلغوهم سنةَ رسولهم صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي".
ولا شك أن هذا الواحد الذي يجب العمل بما يرويه ويخبر به له شروط وأوصاف يجب أن تتحقق فيه لكي تقبل روايته، ويُعمل بخبره، هذا أمرٌ بدهي، ولذلك قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [سورة الحجرات: 6]، وفي قراءة حمزةَ بن حبيبٍ (80 - 156) وعلي بن حمزةَ الكسائي (119 - 189):{فَتَثَبَّتُوا} فمفهوم الآية أنه إذا جاء النبأُ عن صالحٍ ثقةٍ يُقبل ولا حاجة إلى التثبت معه، وإنما يجب التثبت مع الفاسق.
ولذلك قال الإمام الشافعي في الرسالة: "فقال لي قائلٌ: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجةُ على أهل العلم حتى يثبتَ عليهم خبرُ الخاصة، فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى يُنتهَى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو من انتُهِيَ بِه إليه دونه. ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا، منها: أن يكون من حدث به ثقةً في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث، عالمًا بما يُحيل معانيَ الحديث من اللفظ. وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يُحيل معناه لم يدر لعله يُحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يَبق وجهٌ يُخاف فيه إحالتُه الحديثَ. حافظًا إن حدث به من حفظه.، حافظًا لكتابه إن حدث به من كتابه
…
إلخ".
ومن أمثلة ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما في مسألة تحويل القبلة أنه قال: "بينما الناس بقُباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة". فقد عمل أهل قباء بخبر الواحد الثقة العدل الذي جاءهم، فاستداروا وهم في الصلاة، ولم يشكُّوا في خبره، ولم يطلبوا التثبُّتَ منه.، بل عملوا به فور سماعهم إياه وهم في الصلاة، وهي أعظم العبادات وأهم أركان الإسلام. ومثل ذلك ما أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنه قال:"كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة وأبيَّ بن كعب شرابًا من فَضيخٍ، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حُرِّمَتْ، فقال أبو طلحة: قم يا أنسُ إلى هذه الجِرار فاكسرها". وهنا نرى مسارعةَ الصحابة إلى تصديق خبر الواحد الذي كان عندهم ثقةً.، والعمل به، ووصلوا إلى حدِّ إتلاف الأموال طاعةً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
من أجل هذا كان الطعن في صحيح البخاري ورواته ممتنعًا، لأن الكتاب قد بلغ أعلى درجات الثقة والقبول عند علماء الحديث، لأن الإمام البخاريَّ كان أكثر المحدثين تشدُّدًا في قبول رواية الراوي من حيث العدالة والثقة والحفظ والإتقان لما يرويه. فاحتمال الخطأ في جميعه غير ممكن عادةً، وغيرُ حاصلٍ في حقيقة الأمر، وإذا حصل الخطأ فإنه قد يحصل لحديث أو اثنين مما حصره العلماء وعرفوه ودرسوه وأجابوا عنه وبينوا أنه ليس بخطأ إلا لمن توهَّمه.
وهنا يظهر أحد الفروق بين القرآن الكريم وغيره من كتب أهل العلم، فإن كثيرًا من كتب أهل العلم قد سلمت من الخطأ وليس فيها ما يُنتقد، رغم أن أصحابها ليسوا بمعصومين، ولم يقل أحدٌ إنها تساوي كتاب الله تعالى في العصمة من الخطأ، وذلك للفرق بين الإمكان العقلي والإمكان العادي. فإن الخبير المتقن لأمر إذا حفظه ومارسه سنين طوالًا يقطع حكمُ العادةِ بعدم إمكان وقوعه في الخطأ، وإن كان العقل يجيز ذلك.، وبين الإمكان العقلي والإمكان العادي فرقٌ كبير تُعلم به درجة كتاب الله تعالى في العصمة والحفظ، فإن الخطأ في كتاب الله تعالى مستحيل عقلًا وشرعًا وعادة لم يقع في الماضي، ولا يمكن أن يقع في المستقبل.
وبهذا الفرق بين الإمكان العقلي والعادي يُعرف فضل المصنفات التي بذل أصحابها أوسع الجهد في تحريرها وتهذيبها لتَسلمَ من الخطأ. وعلى رأس هذه المصنفات صحيح البخاري الذي قيل فيه.: صحيح البخاري أصح الكتب بعد القرآن الكريم.
ومن معجزات النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن جماعة من الناس يقبلون القرآن ويردُّون الحديث، وهو ما حدث في عصور متفرقة منذ زمان الإمام الشافعي رحمه الله، وتجدَّد في عصرنا هذا، فهو من باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالمغيَّبات.
أخرج أبو داود في باب لزوم السنة عن المقدام بن مَعْدي كَرِبَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إني أوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه. ألا يوشكُ رجلٌ شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه. ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهليُّ إلخ الحديث» .
ومعناه فيما ذكره الإمام أبو سليمانَ الخَطَّابي (319 - 388) يحتمل وجهين من التأويل:
"أحدهما: أن يكون معناه أنه أُوتي من الوحي الباطن غيرِ المَتْلُوِّ مثلَ ما أُعطي من الظاهر المتلوِّ. ويحتمل أن يكون معناه أنه أُوتي الكتاب وحيًا يُتلى، وأُوتي من البيان.، أي أُذن له أن يُبَيِّنَ ما في الكتاب، ويَعُمَّ ويَخُصَّ، وأن يزيد عليه فيُشرِّعَ ما ليس له في الكتاب ذِكر، فيكونُ ذلك في وجوب الحكم، ولزومِ العمل به كالظاهر المتلوِّ من القرآن".
ثم قال: "وفي الحديث دليلٌ على أنه لا حاجة بالحديث أن يُعرَضَ على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجةً بنفسه. فأما ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكمُ الحديثُ فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فخذوه وإن خالفه فدعوه"، فإنه حديثٌ باطل لا أصل له. وقد حكى زكريا بن يحيى الساجيُّ (-307) عن يحيى بن مَعينٍ (-233) أنه قال: "هذا حديثٌ وضعته الزنادقة".
وزُبدة الكلام أننا على مذهب أهل السنة والجماعة، من الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، ومن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، نعتقد جازمين بصحة ما أخرجه البخاري في هذا الكتاب من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. ونعتقد أن ما في صحيح البخاري من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة يجب قبوله والعمل به عند المجتهد بالشروط المعروفة، كأن لا يكون منسوخًا، وإن كان عدد من رواه لا يزيد
على واحدٍ أو اثنين.، لأن رواة صحيح البخاريِّ الذي خرَّجَ لهم في الأصول ثقاتٌ عدولٌ في أعلى درجات الضبط والإتقان.
فالطعن والتشكيك في صحيح البخاري إجمالًا ممتنعٌ، وردُّ الصحيح بالكلية ردٌّ للسُّنَّة، وهَدْمُ السنة هَدْمٌ للدين، وردُّها ردٌّ للقرآن، والاستخفاف بالأحاديث التي في صحيح البخاري حرامٌ، والتشكيك في صحيح البخاري يقود إلى التشكيك في البدهيات من أركان الإسلام.
من أجل ذلك فإن العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحِجوي (-1376) - وهو شيخ عدد من شيوخنا - سمَّى رسالته التي ألفها في الرد على من شكك في بعض أحاديث الصحيحين: (الدفاعُ عن الصحيحين دفاعٌ عن الإسلام)، وقال فيها:"إذا ساء ظنُّ المسلمين بالصحابة ورجال البخاري ومسلم وأئمة الدين نَقَلَةِ الشرع المطهر، واتهموهم، وكذَّبوا الكتبَ الصحيحة التي وقع الإجماع على قبولها، وهي الحجة التي بين أيدينا وأيدي المسلمين في عموم الأرض، أو دخلهم التشكيكُ فيها، صارت ديانتنا إلى ما صارت إليه ديانة اليهود والنصارى المطعونِ في كتبهم، وصرنا نطعن ديننا بيدنا".