الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقسم صحيح البخاري إلى أجزاء يخرجها في يوم المولد النبوي الشريف، وتوزع على الحاضرين بعد الانتهاء من ختمات القرآن الكريم، فيقرأ كلٌّ قسطًا، ثم يختم الشيخ. وممن كان يفعل ذلك كل سنة السيد محمد بن جعفر الكتاني.
قراءة الجامع الصحيح عند الخطوب:
عادة قراءة صحيح البخاري بنية تفريج الكروب قديمة، وقد اشتغل العلماء بقراءته عند الخطوب المُلِمَّة والشدائد المُدْلَهِمَّة، كأوقات الوباء، وعند هجوم الأعداء، وعند القحط. قال الإمام عبد الله ابن أبي جمرة (-675):"إنَّ صحيح البخاريَّ ما قُرئ في شدَّةٍ إلَّا فُرِجت، ولا رُكِبَ في مركبٍ فغرق. وكان [البخاري] مجابَ الدعوة، وقد دعا لقارئه. وقال العلامة الإمام عبد الحق ابن سيف الدين الدهلوي (959 - 1052) فيما نقله عنه السيد صديق حسن خان (-1307).: "قرأ كثيرٌ من المشايخ والعلماء والثقات صحيح البخاري لحصول المرادات، وكفاية المهمات.، وقضاء الحاجات، ودفع البليات، وكشف الكربات، وصحة الأمراض، وشفاء المرضى، عند المضايق والشدائد، فحصل مرادهم.، وفازوا بمقاصدهم، ووجدوه كالترياق مجربًا .. وقد بلغ هذا المعنى عند علماء الحديث مرتبة الشهرة والاستفاضة".
ولعل أصل ذلك ما روي أن قحطًا أصاب سمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى الناس مرارًا، فلم يُسقوا. فعرض رجل صالح على قاضي سمرقند أن يخرج مع الناس إلى قبر الإمام البخاري بخرتنك، فيستسقون عنده، فخرج القاضي، واستسقى، وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله السماء بماء غزير، اضطروا من أجله للإقامة بخرتنك عدة أيام.
ومن هذا الباب ما روي أن أبا القاسم عبد العزيز بن موسى العبدوسيَّ الفاسيَّ
(-837): قرأ صحيح البخاري في يوم واحد وقت حصار فاسٍ، ونسخَ من صحيح البخاري ثمانيَ نسخٍ. ومن أسباب النصر على البرتغال في معركة وادي المخازن الشهيرة في المغرب سنة 986 للهجرة أن الناس اجتمعوا في جامع المنصور بمراكش وقرأوا مائة ختمة من القرآن الكريم وقرأوا صحيح البخاري.
وروي عن الشيخ أصيل الدين عبد الله بن أحمد الحسيني الإيجي القادري (845 - 904) قوله: "قرأت صحيح البخاري نحو مائة وعشرين مرة، في الوقائع والمهمات لنفسي وللناس الآخرين، فبأي نية قرأته حصل المراد وكفى المطلوب".
وحكى المؤرخ عبد الرحمن الجَبَرتيُّ (1267 - 1237) أنه لما دخل الفرنسيون مصر كان علماء الأزهر يجتمعون كل يوم يقرأون صحيح البخاري.
ومن القصص التي حدثت في مصر ورواها الشيخ محمد سليمان نائب المحكمة الشرعية بمصر في كتابه (من أخلاق العلماء) شفاهًا أنه لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة في زمن الخديوي إسماعيل، وتوالت الهزائم على مصر، لوقوع الخلاف بين قواد جيوشها، ضاق صدر الخديوي بذلك، فركب يومًا مع شريف باشا وهو مُحْرَجٌ، فأراد أن يفرِّج عن نفسه، فقال لشريف باشا:
- ماذا تصنع حينما تُلِمُّ بك مُلِمَّةٌ تريد أن تدفعها؟ فقال:
- يا أفندينا، إن الله عوَّدني إذا حاق بي شيءٌ من هذا أن ألجأ إلى صحيح البخاري يقرؤه لي علماءُ أطهارُ الأنفاس فيفرِّجُ الله عني.
قال فكلم شيخَ الأزهر، وكان الشيخ مصطفى العَروسي الذي تولى المنصب بين سنتي (1281 - 1287)، فجمع له من صلحاء العلماء جمعًا، أخذوا يتلون صحيح البخاري أمام القبلة القديمة في الأزهر.
ومع ذلك ظلت أخبار الهزائم ظلت تتوالى، فذهب الخديوي ومعه شريف باشا إلى العلماء وقال لهم:
- إما أن هذا الذي تقرأونه ليس بصحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئًا .. فوجم العلماء لذلك، فابتدره عالم من آخر الصف وقال له:
- منك يا إسماعيل، فإنا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو ليُسَلِّطَنَّ اللهُ عليكم شرارَكم فيدعو خيارُكم فلا يُستجاب لهم» . فزاد وجوم المشايخ، وانصرف الخديوي ومعه شريف باشا، ولم ينبسا بكلمة. وأخذ بعض العلماء يلومون القائل ويؤنبونه.
فبينما هم كذلك، إذا بشريف باشا قد عاد يسأل: أين الشيخ القائل للخديوي ما قال؟ فقال: أنا. فأخذه وقام. وانقلب العلماء بعد أن كانوا يلومون الشيخ يودعونه وداع من لا يأمُلون أن يرجع. وسار شريف باشا بالشيخ إلى أن دخلا على الخديوي في قصره.، فإذا به قاعد في البهو، وأمامه كرسيٌّ أجلسَ عليه الشيخَ، وقال له: أعد يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر، فأعاد الشيخ كلمته، وردد الحديث وشرحه. فقال له الخديوي: وماذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء؟ فقال له: يا أفندينا، أليست المحاكم المختلطة قد فُتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا برخصة؟ أليس الخمر مباحًا؟ أليس أليس، وعدد له منكراتٍ تجري بلا إنكار، وقال: فكيف تنتظر النصر من السماء؟ فقال الخديوي: وماذا نصنع وقد عاشرنا الأجانب، وهذه مدنيتهم.؟ قال: إذن، فما ذنب البخاري وما حيلة العلماء! ففكر الخديوي مليًّا، وأطرق طويلًا ثم قال: صدقت، صدقت، وأمر فرُتبت له في الرزنامجة ثلاثون جنيهًا.