الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لابنه: يا بني لأن تتعلم بابًا من الأدب أحبُّ إليَّ من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم. وقد سمعنا العلامة الوالد الشيخ إبراهيم اليعقوبي رحمه الله يقول: درهم علمٍ مع قنطار أدب أنفع للمرء من قنطار علمٍ مع درهم أدب. وفي معناه عن عبد الله بن المبارك: قال لي مخلد بن الحسين (1)(-196): نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث. وعن أبي زكريا يحيى بن محمد العنبري (-344): علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كروح بلا جسم.
آداب طلب العلم:
ومن الأوصاف الجامعة للعلم المتضمنة لما يُطلب فيه من الأخلاق والآداب ما رواه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع عن سيدنا علي رضي اللّاه عنه أنه قال: "يا طالبَ العلمِ، إِن العلم ذو فضائلَ كثيرةٍ: فرأسُه التواضع، وعينه البَراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحِفظه الفحص، وقلبه حسنُ النية.، وعقله معرفة الأشياء والأمور الواجبة، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقرُّه النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لينُ الكلمة، وسيفه الرضى، وقوسه المداراة، وجيشه مجاورة العلماء، ومالُه الأدب، وذخيرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف وماؤه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه صحبة الأخيار".
وألف العلماء في آداب طلب العلم مصنفات جليلة، ولنا كتاب في أصول طلب العلم وقواعده سميناه: نحت العلم، وكتاب: الجامع لآداب طلب العلم.
ولا شك أن آداب طلب العلم تتأكد في مجالس الحديث الشريف. فقد كان السلف رضي الله تعالى عنهم يعظمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخصونه بمزيد من الأدب.
وأصل ذلك كله الكتاب والسنة. فمما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [سورة الحجرات: 1 - 2] وقوله جل جلاله: {لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [سورة الفتح: 9]. ومما ورد في السنة في حديث جبريل عليه السلام.: «فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه» . والأمثلة من أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصى.
وممن عرف من السلف بزيادة تعظيم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ثم أيوب السختياني ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والإمام البخاري. وأدركنا من مشايخنا ممن لهم تأكيد على آداب طلب العلم، واعتناء بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والدنا علامة الشام الشيخ إبراهيم اليعقوبي عليه رحمة الله تعالى والعلامة الشيخ محمدًا أبا اليسر عابدين والسيد محمد المكي الكتاني، وقبله والده محدث الدنيا السيد محمد بن جعفر الكتاني والمحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني. ثم اندرس كثير من هذه الآداب لما صار العلم الشرعي الشريف بأيدي جماعات من الأحداث يتخذونه ذريعة إلى الدنيا، وتحولت الحلقات الدينية إلى صفوف دراسية، والإجازات العلمية إلى شهادات جامعية.
فما أحوجنا اليوم إلى إحياء هذه الآداب وقد رأينا من كان يعمل بها ونشأنا على التمسك بها، فما أخذناها من بطون الكتب، وإنما تلقيناها من أفواه الرجال أمرًا ونهيًا ونحن صبية صغار نجلس في حلق العلامة الوالد رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة