الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأثبتوا للعالم أن الحياة الحقيقية لا ترتكز إلّا على حرية تلك الأقلام، وإفساح ميادين العمل أمامها1.
1 من كلمة للأستاذ أمين الرافعي، تعليقًا على الكلمة التي اقتبسها من "جول سيمون".
الفرق بين الرأي والسخط والعام والاتجاه العام
…
"3"
الفرق بين الرأي العام، والسخط العام، والاتجاه العام:
تقع أزمة من الأزمات في أمة من الأمم، فإذا بالقادة والزعماء في هذه الأمة يبسطون آراءهم في أسباب الأزمة، ويقترح كل منهم علاجًا لها، ويروّج كل حزب في صحفه لما يراه من رأي.
وباحتكاك الآراء المختلفة، ووجهات النظر المتباينة، تستطيع الأمة أن تتبين وجه الصواب في الأزمة أو المشكلة التي تواجهها، وبتبلور هذه الآراء والأفكار في خطةٍ واحدةٍ تكاد تجمع عليها الأمة، يتألف ما يسمى:"بالرأي العام" في لغة العصر الحديث، أو "حكم الجماعة" في لغة العصور السابقة.
ولكن هل تصلح الجماعة كلها لإبداء الرأي؟ وهل تصلح كلها لمناقشة هذا الرأي؟
هنا ينبغي للباحث أن يفرق تفرقةً واضحةً بين طبقتين على الأقل من طبقات المجتمع، طبقة المستنيرين أو المثقفين الذين يستطيعون أن يدرسوا الأمور، وطبقة السوقة أو الدهماء أو المنقادين، الذين ينقادون انقيادًا أعمًى لرأي من الآراء، أو فكرةٍ من الأفكار؛ لأنهم عاجزون تمامًا عن مناقشتها؛ لمعرفة مقدار الخطأ أو الصواب فيها. ومن هنا كان تصرف الطبقة المستنيرة في المسائل العامة مخالفًا كل المخالفة لتصرف الدهماء أو السوقة في هذه المسائل.
أما الطبقة الأولى فهي التي تسمع وتقرأ، وتناقش وتفهم، وتكَوّن لنفسها رأيًا ما في نهاية الأمر، وأما الطبقة الأخيرة فلا عمل لها إلّا السير وراء الزعماء والقادة، منساقةً لهم، متأثرةً بهم وبآرائهم.
ومن ثَمَّ تجد أفراد هذه الطبقة الأخيرة يتبعون أول ناعقٍ، ويستحييون لأول صيحةٍ، ويسلكون سبيل الهياج أو الثورة، ولا يملكون لأنفسهم القدرة على مناقشة المسائل التي ثاروا من أجلها، والمشكلات التي أبدوا سخطهم عليها، وعلى ذلك تنبغي التفرقة دائمًا بين:
1-
الرأي العام: وهو ما يصل إليه المجتمع الواعي بعد تقليب وجهات النظر المختلفة، والآراء المتعارضة.
2-
والسخط العام: وهو ما تصل إليه الجماهير بمجرد الإثارة والانفعال برجل واحد فقط، أو فكرة واحدة فقط، أو زاوية واحدة فقط، لا تكاد تسمح لغيرها من زوايا النظر الأخرى أن تظهر إلى جانبها.
3-
والاتجاه العام: وهو ما يكون نتيجةً لاتفاق الجماهير على شيءٍ معينٍ يرون فيه صيانة لتقاليدهم، أو دفاعًا عن دينهم، أو محافظةً على تراثهم، ونحو ذلك.
أجل، تنبغي التفرقة الواضحة بين هذه الكلمات الثلاث:
فالرأي العام هو -كما قلنا- نتيجة البحث والدرس والتجربة والفحص، وهو من هذه الناحية يعتبر قوة خالقة، وإن كان في بعض الأحيان -وإلى حدٍّ ما - يعتمد على ماضي الأمة، وعاداتها، وتقاليدها، وعلى ما يسمى بالنزعات أو الاتجاهات العامة فيها.
ومن ثَمَّ كان الوعي القوميّ في بلد من البلاد، إنما يقاس بالرأي العام في كل بلد، ولا يقاس مطلقًا بالسخط العام في هذا البلد، اللهم إلّا نادرًا