الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد عرفنا أن معظم مؤلفات البوني في الفقه كانت نظما أو مختصرة.
وبينما كان زملاؤه العلماء يحاولون شرح مختصر خليل وتوضيحه عمد البوني إلى نظم مسائل خليل. ولا شك أنه بذلك قد سهل حفظه على التلاميذ ولكنه لم يساعدهم على فهمه واستيعابه. ومن الذين نظموا مختصر خليل أيضا خليفة بن حسن القماري الآتي ذكره. وهناك رجز في الفقه نظمه أحمد الطيب الرحموني أحد أتباع الطريقة الرحمانية. وقد قيل إن هذا الرجز كان مستعملا بين قضاة جرجرة. وكان الرحموني مدرسا في الزاوية الرحمانية بآيت إسماعيل، وقد نظم رجزه سنة 1212 (1).
عبد العزيز الثميني:
والمؤلف الذي يمكن أن يقاس عمله في الفقه الإباضي بعمل أحمد الونشريسي في الفقه المالكي، هو عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني. ولا تظهر حياة الثميني الأولى أي شيء غير عادي فيه. فقد ولد في بني يزقن بميزاب سنة 1130 وتعلم، كما يتعلم أمثاله في ذلك الوقت، فحفظ القرآن الكريم وأخذ مبادئ العلوم، وحين بلغ سن النضج دخل التجارة على عادة الميزابيين عموما. وسيكون لهذه المهنة أثرها على آرائه واهتماماته في الفقه، فهو من الفقهاء العمليين. وقد عرفنا أن بعض العلماء كانوا يمارسون التجارة في غير ميزاب أيضا. وهناك عاملان وجها حياة الثميني وجهة جديدة، الأول ما رآه في مجتمعه من الفساد والعصبية وانتشار بعض البدع الضارة فحز كل هذا في نفسه وعزم على تغييره بجميع الوسائل. والثاني ورود الشيخ يحيى بن صالح الأفضلي من جزيرة جربة بعد أن مكث فيها طويلا. وقد تصدر الأفضلي للتدريس وتخريج التلاميذ الذين يحملون رسالته في الإصلاح. وهنا التقت إرادة الشيخ (يحيى بن صالح) وإرادة التلميذ (عبد العزيز الثميني) في وجوب العمل على إصلاح المجتمع في تلك النواحي. وقد وجد الشيخ في تلميذه الرغبة الملحة والذكاء الوقاد والغيرة على الإصلاح فاحتضنه وساعده
(1) ديلفان (المجلة الإفريقية)، 1874، 420، ويملك ديلفان نسخة من هذا الرجز.
على شق طريقه. وصعد الثميني في مجتمعه إلى أن اعترف له بالإمامة العلمية ومشيخة المسجد وأصح رئيسا للمجلس الذي كان يعتبر السلطة العليا في ميزاب كلها.
غير أنه لم يصل إلى هذه الدرجة إلا بعد عناء وجهد وبعد أن ألف. عمله الكبير الذي نحن بصدده وهو كتاب (النيل وشفاء العليل). فقد قيل إنه اعتكف على التأليف في بيته مدة ثمانية عشر عاما. فماذا ألف غير الكتاب المذكور؟ الواقع أنه رغم شهرته بكتاب (النيل) فإنه قد أثرى المكتبة الإسلامية والدراسات الفقهية على الخصوص بمادة غزيرة. فمن مؤلفاته (التكميل لما أخل به كتاب النيل) الذي سنتعرض له في مكان آخر، و (الورد البسام في رياض الأحكام) وهو أيضا في الفقه ومتمم للكتاب الأول. وله مؤلفات أخرى في التوحيد والاجتماع والحديث والمنطق، كما أن له مجموعة من الفتاوى. ويلاحظ على مؤلفاته الأخيرة أنه اتبع فيها طريقة علماء عصره وهي شرح كلام الغير أو التحشية عليه أو اختصاره أو نحو ذلك. فكتابه (التاج) مثلا، الذي قيل إنه في عشرة مجلدات، قد اختصر فيه كتابا. لخميس العماني المسمى (منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين). ولكن يلاحظ على مؤلفات الثميني أنها تعالج موضوعات عملية مباشرة مع استقلال في الرأي وحسن اختيار للموضوع. من ذلك معالجته لقضايا المجتمع التي ذكرناها في كتابه (التاج في حقوق الأزواج). ويبدو أن روح التصوف لم تطغ على الشيخ الثميني كما طغت على بعض فقهاء عصره. فتناوله لعلم الكلام في كتابه (النور) وأهمية الصلاة في كتابه (الأسرار النورانية) كان على ما يبدو تناولا علميا لا صوفيا (1).
جمع الثميني مادة كتابه (الذيل) من مصادر الفقه الإباضي الأخرى وجعله مختصرا لمسائلها وأقرب منها إلى فهم المعاصرين. ولذلك انتقد
(1) انظر عنه مقدمة كتاب (النيل)، الجزائر 1967. وبروكلمان 2/ 697، وقد توفي الثميني سنة 1223.
عبارة السلف وقال إن عبارة الخلف أوضح من عبارتهم (فإن عبارة الخلف وإن قصر ذراعها أوضح من عبارة السلف وإن طال باعها). وقد أوضح في المقدمة كيف كان يدور في خلده عمل اختصار في الفقه الإباضي يحتوي على فتاوي مشاهير المذهب، (لا مخلا ولا مملا ولا مانعا). كما روى الظروف الصعبة التي كانت تحيط به في شكوى تذكرنا بشكوى أبي راس، المعاصر له، من الزمان فقال:(اختلست لجمعه من أثناء الأيام فرصا، مع ما أكابد وأتجرع من الزمان غصصا .. في أيام دهش وتموج فتن، على عجل وتتابع محن). وقد سمى كتابه (النيل)(رجاء من الله سبحانه وتعالى أن ينفع به .. كما نفع بالنيل)(1). وبعد الانتهاء منه عرضه على شيخه يحيى بن صالح وصححه عليه.
يقع كتاب (النيل) في ثلاثة أجزاء ويشتمل كل جزء على عدة كتب. ومجموع الكتب في الأجزاء الثلاثة اثنان وعشرون كتابا. وكل كتاب يحمل أحد عناوين أبواب الفقه المعهودة. فهناك كتب الطهارة، والصلاة، والإيجارات، والرهن، والهبة، والشفعة، والنفقات الخ. وكل كتاب يحتوي على خاتمة. و (النيل)، رغم أن مؤلفه رغب في أن يكون عمله غير مخل، قد وجده بعض المختصين معقدا لإيجازه الشديد أحيانا. ولعل ذلك راجع إلى كون الثميني نفسه قد نقحه واختصره مرتين بعد أن أتمه. ومهما كان الأمر فقد عكف بعض علماء الإباضية على شرح كتاب (النيل) أيضا. ومن ذلك الشرح الذي وضعه عليه محمد بن يوسف أطفيش والذي بلغ فيه عشر مجلدات طبعت كلها (2)، كما تناوله آخرون بالحاشية أو بالنظم. فهو رغم اختصاره، أصبح مصدرا لا غنى عنه في الفقه الإباضي، وقد اعتبره بعض
(1) يبدو أن الناشرين هم الذين أطلقوا عليه اسم (النيل وشفاه العليل). أما المؤلف فقد اكتفى بكلمة (النيل)، وقد طبع الكتاب أول مرة في مصر سنة 1305. انظر عنه شرح محمد بن يوسف أطفيش عليه في الأجزاء اللاحقة من الكتاب.
(2)
طبعت الأجزاء السبعة الأولى سنة 1306 والثلاثة الباقية سنة 1343، وكلها بمصر. انظر لاحقا.