الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإباضيين في مكانة مختصر خليل في المذهب المالكي.
خليفة بن حسن القماري:
ومن أشهر من نظم خليل واعتنى بالفقه المالكي عناية خاصة خليفة بن حسن القماري. وقد ولد هذا الشيخ بقمار إحدى بلدات وادى سوف، وعاش حياته العلمية متنقلا بين مسقط رأسه وبين بسكرة وسيدي عقبة وخنقة سيدي ناجي. ولا ندري إن كان قد رحل إلى تونس وغيرها لطلب العلم أيضا والحج. ورغم عزلته فقد ظل ينهل من مصادر تونس وقسنطينة. وهناك مصادر أخرى لغذائه الروحي وهو ركب الحج المغربي الذي كان يسلك طريق الصحراء في ذهابه وعودته. ودليلنا على ذلك تلك المراسلات التي دارت بين خليفة بن حسن وبين علماء الخنقة وبسكرة من جهة، وملاقاته لبعض علماء المغرب أثناء مرورهم بالزيبان وإجازتهم له. ومن هؤلاء عبد القادر بن أحمد بن شقرون القاسي الذي لقي خليفة بن حسن في بسكرة أثناء توجه الفاسي إلى الحج. فقد سماه (الفقيه الفاضل، الجامع لأشتات الفضائل، المشارك المتقن، والبارع المتفنن، ذا الخلق الحسن، سيدي خليفة بن حسن). وقال الفاسي عن نظم الشيخ خليفة العبارات الآتية التي كتبها على نسخة المؤلف، وهي (وقد أطلعني على نظمه الجليل، لمختصر أبي الدنيا خليل، المكتوب هذا على أول ورقمة منه. فطالعت منه البدء والختام، ومواضع منه أنبأتني على أنه مقدام، من فرسان البراعة وأئمة اليراعة، إذ هو نظم عذب الموارد مهذب المقاصد سلس العبارة رائق الإشارة .. وقد طلب مني .. أن أوقع عليه ما تيسر. فأسعدته إسعاد محب صادق، فرقمت له هذه الحريفات ..). وكان ذلك سنة 1193 بمدينة بسكرة (1)، ويدلنا هذا النص على شيئين الأول قيمة هذا النظم في نظر أحد فقهاء المغرب المعروفين، والثاني الصلة العلمية التي كانت تربط علماء المغرب والجزائر.
وقد كان من عادة علماء القرى والمناطق النائية الخروج لركب الحاج
(1)(إتحاف القاري) تأليف محمد الطاهر التليلي القماري، وهو مخطوط.
المغربي وملاقاة العلماء الذين يرافقونه والأخذ عنهم وربط الصلات العلمية معهم. وقد ذكر العياشي أنه تراسل مع بعض علماء الجزائر أثناء مروره بهذه النواحي أيضا. ويبدو أن سمعة خليفة بن حسن كانت ذائعة في عصره. فهذا الناصري الدرعي صاحب الرحلة الكبرى قد سجل انطباعه أيضا عن ملاقاته بالشيخ خليفة. وقال إنه كان قد سمع به ولم يلقه أثناء ذهاب الركب إلى الحج لأن خليفة بن حسن عندئذ كان في بلاده. أما عند عودة الركب فقد خرج الشيخ خليفة إلى سيدي عقبة للقاء علماء المغرب. وقد حكم الدرعي على منظومة خليفة بن حسن حكما يختلف قليلا عن حكم الفاسي. وهذا نص ما كتبه الدرعي عن هذا اللقاء في رحلته (وكان ممن اجتمعنا به في هذه البلدة المباركة (سيدي عقبة) العالم العلامة المسن البركة، سيدي خليفة بن الحسن السوفي، نسبة إلى سوف، قرى صحراوية على خمس مراحل من بسكرة، وكنا سمعنا به ولم نلقه لمغيبه ببلده (أثناء الذهاب إلى الحج)، وجاء بقصد ملاقات (كذا) الركاب النبوية على عادتهم، وأوقفني على نظمه لأبي المودة خليل، وزاد عليه بعض قيود وتنبيهات. وهو نظم سلس لا بأس به، غير أن صاحبه غير متمكن في الصناعة العروضية، وإنما للنظم عنده سجية، وهو زهاء ثمانية آلاف بيت) (1).
سمى خليفة بن حسن نظمه المذكور (جواهر الإكليل في نظم مختصر الشيخ خليل). وكان قد فرغ من نظمه سنة 1192، عندما أصبح طاعنا في السن. ولم يكن له سوى هذا النظم، الذي امتاز بسلاسته ودقته، بل ألف غير ذلك في الفقه أيضا. فله كتاب يعرف بـ (الكنش) أو الكناش، جمع فيه مسائل فقهية هامة على شاكلة النوازل والفتاوى، وقد قدره من رآه بثلاثمائة صفحة من الحجم الكبير. كما ألف شرحا على السنوسية، ونظم الأجرومية،
(1) الرحلة الكبرى للناصري، مخطوطة مصورة، الخزانة العامة بالرباط، رقم 2651 د، ص 497، أما محمد الطاهر التليلي في (إتحاف القاري) فقد قال إن عدد أبيات النظم (9817) سبعة عشر وثمانمائة وتسعة آلاف بيت. فأبيات الجزء الواحد حوالي خمسة آلاف بيت.