الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يوسع كتابه ليشمل عددا كبيرا من زعماء الطريقة الدرقاوية ونشاطهم.
شروح في التصوف:
رغم وفرة الشروح الفقهية والنحوية وغيرها فإن شرح الأعمال الصوفية قليل نسبيا. وتوجد لدينا أراجيز وقصائد ومتون نثرية تتناول التصوف، عمد بعض الجزائريين إلى شرحها، وهذا يشمل الأصول التي كتبها جزائريون أيضا أو كتبها غيرهم. وأهم عمل اطلعنا عليه في هذا الميدان شرح (عقد الجمان النفيس) وشرح (قصيدة حزب العارفين).
لقد شغلت القصيدة السينية المعروفة بسينية ابن باديس أو (النفحات القدسية) لأبي الحسن علي بن باديس كثيرا من الشراح والمعلقين، وموضوعها هو الإشادة بعبد القادر الجيلاني، ومطلعها (1).
ألا صل إلى بغداد فهي منى النفس
…
وحدث بها عمن ثوى باطن الرمس
وما دام الأمر يتعلق بشخصية يجلها الصوفيون ويتبركون بها فإن أحمد بن محمد الحاج البجائي التلمساني قد عمد إلى شرح القصيدة المذكورة في عمل سماه (أنس الجليس في جلو الحناديس عن سينية ابن باديس). وقد كان ابن الحاج من قضاة بجاية وله مؤلفات أخرى في السيرة النبوية تتمثل في شرحه للقصيدة الشقراطسية (2). ولاحظ ابن الحاج أنه لا يعرف أحدا قبله وضع شرحا على القصيدة. وقد جمع في شرحه بين التحليل الأدبي والصوفي. واعتذر بقوله: (اعلم أن هذه القصيدة ليست لي فيها رواية، ولا شاركت فيها من له بها دراية، ولا وقفت على نسخة منها عتيقة، تكون النفس بصحبتها وثيقة، ولا عثرت على شرح لها أمامي، أجعله إمامي، ولكني أتحرا (كذا) من ألفاظ نسخها ما أراه يليق بمقصدها، ومن معانيها ما
(1) انظر الفصل الأول من الجزء الأول.
(2)
توجد نسخة من شرحه في المكتبة الوطنية - الجزائر، رقم 2104، وأخرى في الخزانة العامة بالرباط، رقم 2100 د انظر ترجمة أحمد بن الحاج في (دوحة الناشر 219 - 221، ونسخة الرباط موضوعة في باب (المناقب والتراجم). ولم يذكر ابن عسكر تاريخ وفاته وإنما حدده باوائل القرن العاشر.
يغلب على ظني أنه مراد مقصدها
…
) (1) ومن جهة أخرى عرف القرن العاشر أيضا شرح محمد الصباغ القلعي لقصيدة إبراهيم التازي في التصوف. وقد سمي القلعي شرحه، كما عرفنا، (شفاء الغليل).
وحوالي القرن الحادي عشر ألف عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد التجاني رسالة في صلحاء ناحية غريس قرب معسكر سماها (عقد الجمان النفيس في ذكر الأعيان من أشراف غريس)(2). وقد تناول هذه الرسالة بالشرح عدد من المعاصرين لها والمتأخرين، منهم أبو راس الناصر، الذي عاش في نفس المنطقة. واطلعنا على شرح لهذه الرسالة قام به محمد الجوزي بن محمد الراشدي المزيلي سماه (فتح الرحمن في شرح عقد الجمان). وقد أخبر المزيلي أنه لقي مؤلف العقد فسلمه نسخة منه وكلفه بشرحه بعد تردد. ويبدو أن العلاقة بين الرجلين كانت علاقة الشيخ بتلميذه، فقد جرت العادة أن لا يشرح الند لنده، إلا إذا كانا متفاوتين سنا، ومع ذلك فإن المزيلي لم يخبر أنه كان تلميذا للتجاني ولا يذكره بألفاظ توحي بذلك، وإنما أخبر أن (عقد الجمان) قد أعجبه وشعر بأهميته فتاقت نفسه إلى شرحه.
ومهما كان الأمر فإن محمد المزيلي قد أوضح خطته في شرحه منذ البداية فقال إنه وشحه بأحاديث رائقة، وقصص لائقة، وأخبار فائقة، وختمه بتكميل ذكر فيه الخلفاء الأبرار، والملوك والثوار، في كل النواحي والأقطار. وهذه الخطة تعني أنه لم يقسم عمله إلى فصول أو أبواب، ولم يقتصر فيه على (أعيان غريس) كما جاء في الرسالة المشروحة بل جمح به القلم والفكر إلى عوالم أخرى، فراح يطوف هنا وهناك، وكاد يتخلى تماما عن موضوعه
(1) أخذنا هذه المعلومات من نسخة عند السيد ماضوي. وتبلغ 65 ورقة، وهي كاملة وخطها جيد، لعله خط المؤلف نفسه، وفيها العنوان (أنيس الجليس) وليس (أنس الجليس)، وفيها اختلاف في المطلع.
(2)
ترجم هذا العمل إلى الفرنسية السيد قان، ونشره في (المجلة الإفريقية)، 1891، 241 - 280.
الأصلي. لذلك جاء الكتاب مليئا بالحشو والاستطرادات التي لا تمت بأية صلة إلى الموضوع. فكأن المزيلي كان يستعرض معلوماته ليبرهن على سعة اطلاعه ومعارفه في التاريخ واللغة والأدب والأخبار، وقد وقع في هذا أيضا غيره من الشراح الذين كانوا يعمدون إلى التخفيف عن القارئ، في نظرهم، من السآمة والملل. لذلك تضخم الكتاب (أي فتح الرحمن) حتى كاد يصل إلى ألف ورقة (1). ومع ذلك فإن فيه، بالإضافة إلى الموضع الأصلي، أخبارا هامة عن المجتمع مبثوثة هنا وهناك، من ذلك أنه أخبر عن حالة غريس في وقته (وقد كانت تحت السلطة العثمانية وقريبة من عاصمة الإقليم) وهي حالة لا تسر. فقد قال إن في غريس (عصابة من ذوي الضلال، شأنهم سفك الدماء وهتك الحرام وأخذ الأموال). كما شكا حاله وحال الناس هناك من الظلم والتعدي والحاجة. ومما يذكر أنه ألف الكتاب في غريس نفسها.
وقد اشتهر محمد بن أحمد الشريف الجزائري بشروحه الكثيرة على أعمال غيره وعلى بعض الأحاديث النبوية. من ذلك شرحه لقصيدة الدمياطي (شمس الدين محمد الدروطي الدمياطي) اللامية في التصوف.
وقد سمي الجزائري شرحه عليها (القول المتواطي في شرح قصيدة الدمياطي)(2). أما الورتلاني صاحب الرحلة فقد خص بالشرح قصيدة نادرة لعبد الرحمن الأخصري في التصوف تعرف بـ (القدسية)، وهي قصيدة في آداب السلوك ونكران البدع لا يعرف أن الأخضري قد شرحها، رغم شهرته بشرح منظوماته بنفسه. وقد اطلعت على نسخة من شرح الورتلاني الذي سماه (الكواكب العرفانية والشوارق الأنسية في شرح ألفاظ القدسية) وبرر الورتلاني قيامه بهذا العمل كون بعضهم قد ألح عليه في شرح هذه القصيدة
لعدم وجود شرح عليها، وهو ينقل كثيرا عن غيره مثل القشيري وأحمد
(1) اطلعنا منه على نسخة في مكتبة زاوية طولقة، وهي غير مرقمة، وخطها جيد.
(2)
نسخة منها في المكتبة الوطنية - الجزائر، رقم 2152. انظر أيضا تيمور 462 مجاميع، و (هدية العارفين) 2/ 319. وتوفي الدمياطي سنة 921/ 1515.
زروق، معترفا بأنه قد اعتمد في عمله على (نقول ذوي التحقيق)(1) ولا غرابة في ذلك فقد عرفنا أن الورتلاني كان من أقطاب التصوف في القرن الثاني عشر.
ومن أهم الأعمال الصوفية التي اطلعنا عليها شرح محمد بن سليمان بن الصائم، المسمى (كعبة الطائفين وبهجة العاكفين في الكلام على قصيدة حزب العارفين). وقصيدة (حزب العارفين) نظمها موسى بن علي اللالتي التلمساني، واشتهرت في وقتها (القرن الحادي عشر) وتناولها أكثر من واحد بالشرح والتعليق والتبرك. وهي قصيدة في أهل التصوف وفي أحوال العصر، ومكتوبة باللغة العامية الواضحة. وكان الناظم شيخا للشارح وهو الذي طلب من تلميذه شرح القصيدة وأوصاه أن لا يشرح بعض أجزائها في حياته، وهي الأجزاء التي تتناول أهل الطلاح. والشرح الذي اطلعنا عليه ضخم جدا بلغ أكثر من مائة وست وأربعين ورقة بالخط الرقيق، ومع ذلك فالنسخة غير كاملة. وجال محمد بن سليمان في (كعبة الطائفين) جولات واسعة وأطلق عنان القلم ليكرع من جميع الأنهار. وكثيرا ما كان يستمد معلوماته من العصر وأهله وأحوال بلاده في القديم والحاضر. وقد درسنا النسخة التي اطلعنا عليها دراسة مستفيضة واستخرجنا منها ما يتعلق بالحياة الاجتماعية والسياسية وبحياة العلماء ورجال التصوف في القرن الحادي عشر. أما الجزء الخاص بالتصوف المحض، وهو أساس الكتاب فقد اكتفينا بالإشارة إليه والتنويه بأهميته.
(1) النسخة التي اطلعنا عليها من الشرح توجد في مكتبة زاوية طولقة، وتوجد نسخة من القصيدة (القدسية) في المكتبة السليمانية بإسطانبول، انظر محمد بن عبد الكريم (مخطوطات) 59 وقد سلمني نسخة منها الشيخ محمد الطاهر التليلي القماري، أما شرحها للورتلاني فقد أخبرني الأستاذ محمد الطاهر فضلاء أنه يملك نسخة منه. كما توجد نسخة منه في الخزانة العامة بالرباط، ك 1165 مجموع. ومن الذين نوهوا بالقدسية واقتبسوا منها، أحمد بن طوير الجنة الوداني (موريتانيا). انظر مخطوط كتابه (فيض المنان)، المكتبة الملكية بالرباط، رقم 406. وتنسب إلى الأخضري أرجوزة في طبيعة النفس كتبها سنة 944، وهي توجد في المتحف البريطاني ومكتبة ميونخ.
وتبعا للناظم تحدث محمد بن سليمان عن عدد من رجال التصوف الجزائريين والمسلمين عموما. والقائمة تشمل تقريبا كل الأسماء التي تعرضنا إليها حتى الآن (التازي، السنوسي، الثعالبي، الهواري
…
) والقصيدة وشرحها من هذه الزاوية يعتبران من أعمال المناقب. وقد شكا كل من الناظم والشارح من أحوال العصر ومن ظلم الحكام والفوضى ومن اللامبالاة تجاه العلماء ورجال الصلاح. وها هو محمد بن سليمان يلخص ذلك في قوله (لم نجد نحن في هذا الأخير من القرن الحادي عشر. إلا العقارب واللفاع، والشقاق والنزاع، وظهور الهمج الرعاع، المؤثرين سبل الشر والابتدع، وما لنا عن دفع ما نزل بنا من قدرة ولا حول، ولا قوة لنا على التحول عن أهل هذا الحال ولا طول ..)(1) أما علماء التصوف من المسلمين فقد ذكر منهم الغزالي وابن الفارض والجيلاني. وحسبنا الآن من هذا الكتاب التنويه بأهميته في التصوف في عصر المؤلف، سيما في غرب البلاد، فهو يعتبر استمرارا لعمل ابن مريم وعيسى البطيوي، كما يعتبر مكملا لعمل عبد الكريم الفكون عن التصوف في شرق البلاد. أما الذي يرغب في معرفة تفاصيل أكثر عنه فعليه بالرجوع إلى دراستنا المشار إليها (2).
وقبل أن نختم هذه النقطة نشير إلى أن عبد القادر المشرفي قد وضع نظما سماه (عقد الجمان الملتقط من قعر قاموس الحقيقة الوسط)، وهو في
(1) دراستنا لهذا الكتاب ظهرت في (المجلة التاريخية المغربية) تونس، عدد 7 و 8 (يناير 1977) 61 - 68 وقد اعتمدنا على نسخة القاهرة، دار الكتب المصرية 15 مجاميع، وبعد ذلك اطلعنا على نسخة منه بباريس في ثلاثة أجزاء، وهي كاملة، رقم 460، بروكلمان 2/ 1009، كما توجد منه نسخة بالخزانة العامة بالرباط، رقم د 1921 مجموع من 1 - 447 ولم نطلع عليها.
(2)
ظهرت هذه الدراسة أيضا في كتابنا (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر)، الجزائر 1978 ط. 3، 1990، وقد استفدنا من نسخة باريس، أن الشارح هو محمد بن سليمان بن الصائم التلمساني المعروف بالجزولي، وأنه كان يشغل وظيفة إمام أحد المساجد في تلمسان، وأنه بعد أن انتهى من (كعبة الطائفين) بحوالي عشر سنوات ألف كتابا آخر في التصوف سماه (حياة القلوب) وهو في الأوراد، ألفه سنة 1066.