المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الجملة واستعمال السجع الثقيل ورتابة الإضافات، ومن جهة آخرى فإن - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ٢

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌تنبيهات

- ‌الفصل الأولالعلوم الشرعية

- ‌حول التقليد والتجديد

- ‌ التفسير

- ‌القراءات

- ‌الحديث

- ‌ الأثبات

- ‌الإجازات

- ‌عيسى الثعالبي

- ‌أحمد البوني

- ‌ الفقه

- ‌الأثار الفقهية:

- ‌عبد العزيز الثميني:

- ‌خليفة بن حسن القماري:

- ‌النوازل والفتاوى والفرائض

- ‌الفصل الثانيعلم الكلام - التصوف - المنطق

- ‌ علم الكلام

- ‌ يحيى الشاوي

- ‌ التصوف

- ‌المناقب الصوفية:

- ‌شروح في التصوف:

- ‌المواعظ والردود:

- ‌المنطق

- ‌الفصل الثالثعلوم اللغة - النثر الفني

- ‌علوم اللغة ونحوها

- ‌البيان والمعاني (البلاغة) والعروض

- ‌فنون النثر

- ‌الشروح الأدبية:

- ‌التقاريظ والإجازات والعقود:

- ‌الرسائل:

- ‌الوصف:

- ‌الخطابة:

- ‌القصص والمقامات:

- ‌ أحمد المقري

- ‌أحمد بن عمار

- ‌الفصل الرابعالشعر

- ‌مدخل

- ‌الشعر الديني

- ‌الشعر السياسي

- ‌الشعر الاجتماعي

- ‌المجون والمزاح:

- ‌المدح والفخر:

- ‌الرثاء:

- ‌وصف المنشآت العمرانية:

- ‌الألغاز:

- ‌الشعر الذاتي

- ‌الشعر والمرأة:

- ‌الوصف:

- ‌الحنين والشكوى:

- ‌ ابن علي)

- ‌الشعر الشعبي

- ‌الفصل الخامسالتاريخ - التراجم - الرحلات

- ‌ مفهوم التاريخ

- ‌في السيرة النبوية

- ‌تواريخ عامة وتواريخ محلية

- ‌تراجم عامة

- ‌تراجم خاصة

- ‌ابن المفتي وتقييده

- ‌أبو راس الناصر

- ‌الرحلات

- ‌الورتلاني ورحلته

- ‌الفصل السادسالعلوم - الفنون

- ‌مقدمة

- ‌الحساب والفلك

- ‌الطب والجراحة والصيدلة

- ‌عبد الرزاق بن حمادوش

- ‌كتابه كشف الرموز:

- ‌كتابه تعديل المزاج:

- ‌الفنون

- ‌رأي العلماء والمتصوفة في الموسيقى:

- ‌ممارسة الموسيقى والغناء:

- ‌العمارة والخط والرسم:

- ‌المحتوى

الفصل: الجملة واستعمال السجع الثقيل ورتابة الإضافات، ومن جهة آخرى فإن

الجملة واستعمال السجع الثقيل ورتابة الإضافات، ومن جهة آخرى فإن تقليده من قبل الموثقين الآخرين يدل على العجز أكثر مما يدل على الإعجاب به، فقد طغى الأسلوب الفقهي عندهم، فبدا لهم هذا العقد وكأنه شيء عجب، ولعل شمول هذا العقد لنواحي الالتزام ودقته كانت من بين الأسباب التى جعلته نموذجا عند المقلدين والذي نخلص إليه هو أن التقاريظ

والإجازات والعقود كانت ميدانا خصبا لإظهار تفوق الكتاب والقضاة وبيان مقدرتهم الأدبية بالنثر المسجع والمرسل.

‌الرسائل:

احتلت الرسائل في كل عصر حيزا كبيرا من اهتمام الأدباء والموظفين والأصدقاء والأحباء، ومن العادة أن تقسم الرسائل إلى رسمية (ديوانية) وإخوانيه، وقبل الخوض في كل نوع نود أن نذكر بأن بعض الجزائريين كانوا مكثرين في كتابه الرسائل وبعضهم كانوا مقلين، وهذا بالطبع يعود إلى مزاج كل أديب ومدى علاقاته الإنسانية والاجتماعية، فعبد الكريم الفكون مثلا كانت له علاقات كثيرة ومراسلات تبعا لذلك، وكذلك كان الأمر مع أحمد المقري وسعيد قدورة وأحمد بن عمار، ومن حسن الحظ أن الوثائق تحفظ لنا نماذج من هذه الرسائل الإخوانية، ويبدو أن بعضهم كان متميزا في عصره بكتابة الرسائل الجيدة كما كان غيره متميزا بنظم الشعر الجيد.

وقد جمع محمد بن محمد القالي بين النثر والشعر، وعبر بكليهما ليصل إلى قلب محمد بكداش باشا ويشكو إليه حاله، ومدح الباشا بأنه من كبار السلاطين كما مدح في شخصه حكم الترك وأشاد بأصلهم ونوه بفضلهم على الدين والقطر الجزائري أيضا، ولعل هذا الموقف هو الذي جعل الباشا يخصص له خراجا من أوقاف سبل الخيرات (1) العثمانية بالجزائر (ليعالج به داء النكبات.) كما قال ابن ميمون، وقد جاء في رسالة القالي لبكداش: (جل

(1) عن (سبل الخيرات) انظر الفصل الثالث من الجزء الأول، وهي مؤسسة وقف حنفية.

ص: 188

الله تعالى مالك الملك، ومقيم قسطاس العدل بما أراده من إعزاز السادات الترك .. جمع سبحانه وتعالى بهم كلمة الدين الحنيف، وآثرهم بهذا الملك الكبير وهذا العز المنيف، وشرفهم بما وهبهم من الرتب العالية، وهم أصل للرفعة والتشريف، وخصهم بمكارم الأخلاق ونزاهة الأقدار، وجعلهم بهذا القطر رحمة للعباد، وأخمد بشوكتهم نار الفتنة والعناد، فسلكت بهم السبل وأمنت بهم البلاد، لطفا منه سبحانه بهذه الأقطار، نسأل الله .. أن يبقى جنابهم السعيد عاليا على كل جناب، وأن يخلد الملك فيهم على مرور الدهور وانقضاء الأعمار ..).

وبعد هذه المقدمة العامة التي تخص الترك وحكمهم انتقل القالي إلى موضوعه الرئيسي وهو مدح الباشا نثرا أيضا والدعاء له ولدولته بالنصر والتمكين، وأخيرا تخلص إلى غرضه وهو طلب الإعانة والعطايا، وهذه عباراته في هذا الصدد (.. وبعد، فإن الله تعالى من على المسلمين بسيدنا ومولانا سلطان الملوك والأكابر، المخصوص بأفضل الشمائل والمأثر، الإمام العادل، السلطان الفاضل، العالم العامل، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، الذي أطلعه الله في سماء الجلالة بدرا، ورفع له في درجات الأمراء قدرا، وأجرى له على ألسنة الخلق ثناء جميلا وذكرا، فأصبح الدين مبتهجا بكريم دولته، وجناب الكفر مهتظما بعظيم صولته، مولانا وسيدنا محمد خوجا الدولاتلي (1)، أبقى الله تعالى أيامه، وأصحب النصر والتمكين ألويته وأعلامه، وهو نصره الله، أجل من استعين به فكان خير معين، وأعطى مفاتيح فتلقاها باليمين، وأفضل من امتثل قوله صلى الله عليه وسلم: من فرج على أخيه المؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عليه كربة من كرب

الآخرة، إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، حسبما أحاط به

(1) هذا هو لقب الباشوات في الجزائر منذ العهد المعروف بعهد الباشوات، أي منذ سنة 1075، والعبارة تعني أنه باشا وداي في نفس الوقت، أي أنه ممثل للسلطان وحاكم الجزائر، وأول من تسمى كذلك، حسب رواية ابن حمادوش، هو القبطان الحاج محمد التريكي.

ص: 189

علم مولانا، نصره الله، من مروي ومنقول. .) (1).

ورغم غلبة السجع، فإن عبارة القالي سهلة واضحة، ويظهر على أسلوبه التأثير السياسي والديني، فإذا نظرنا إلى الألقاب وأوصاف الملك نجد القالي متأثرا بالجو السياسي للعصر، رغم أن الباشا لم يكن سلطانا هكذا وإنما السلطان هو خليفة المسلمين في إسطانبول، ولعل ذلك منه كان بقصد المبالغة لا الجهل، أما التأثر الديني فيظهر من عبارات الأدعية والتضمين التي وردت في نص الرسالة، ومن الغريب أن محمد بكداش الذي حرك مشاعر القالي وأطمعه في ماله وإحسانه، كما حرك وأطمع غيره من الكتاب والشعراء، لم يحكم الجزائر أكثر من ثلاث سنوات لم تكن كلها استقرارا وأمنا، ولا ندري ماذا سيكون عليه حاله عند الكتاب والشعراء لو ظل في الحكم مدة أطول.

ونصل الآن إلى ما أسميناه بالرسائل الرسمية أو الديوانية، والواقع أن سيطرة اللغة التركية على الإدارة في الجزائر قد جعلت الرسائل العربية لا تظهر إلا في النادر، وهي إذ تظهر لا يراعي فيها الإجادة بقدر ما كان يراعي فيها التوصيل والفائدة، وكانت أحيانا تأتي متكلفة ركيكة لأن أصحابها كانوا يحاولون ما ليس من شأنهم بطريقة تذكر المرء بما كان يفعله باللغة العربية بعض المستعربين الفرنسيين أو المتفرنسين الجزائريين أثناء العهد الفرنسي، حقا إن بعض الباشوات قد اتخذوا لهم كتابا عربا يحذقون اللغة، كما فعل يوسف باشا ومحمد بكداش باشا، وحقا أيضا أن بعض البايات قد وظفوا بعض الأدباء والمؤرخين العرب، كما فعل محمد الكبير في معسكر والحاج أحمد في قسنطينة، ولكن الغالب على الإدارة العثمانية في الجزائر اتخاذ التركية في المعاملات والوقائع الرسمية، وبذلك أضرت باللغة العربية إضرارا شديدا وحرمتها من ميدان هي به أولى، ولذلك لا نجد من الرسائل الديوانية العربية إلا القليل.

(1) ابن ميمون (التحفة المرضية) مخطوط باريس، 74 - 78.

ص: 190

ومن هذا القليل ما تبادله يوسف باشا مع محمد ساسي البوني. ففي ذي الحجة من سنة 1050 أرسل الباشا رسالة منمقة إلى العالم المرابط محمد ساسي (1) بعنابة حدثه فيها عن عدوله عن حرب الإسبان بوهران والتوجه بدلا من ذلك، إلى قسنطينة وبسكرة لمحاربة المتمردين (ثورة ابن الصخري)، وطلب الباشا من المرابط العمل على جلب طاعة الناس والقيام بدور العلماء في مثل هذه الأحوال باعتباره عالم تلك المدينة والنواحي المجاورة لها، ويبدو من الرسالة أن كاتبها أديب بارع متمكن من صناعة الإنشاء والأسايب البديعية، وهي في ثلاث صفحات، وقد رد محمد ساسي برسالة من عنده طالبا من الباشا العفو على أهالي عنابة ونواحيها، بعد أن تأكد أن الباشا قادم إليها لمعاقبة الثوار والمشايعين لهم، وأخبره بأنه يدعو الله أن يغير من أحوال السوء التي نزلت بالباشا وأبدى له الأسف عما وقع ضده، وناشده الصبر وعدم تصديق ما نقله الناس إليه، كما أخبره أنه لن ينسى وده. ورغم أن رسالة محمد ساسي ليست ديوانية بالمعنى المصطلح عليه فإنها متصلة بهذا المعنى اتصالا مباشرا.

أما الرسالة الثانية الديوانية الصادرة عن الباشا والموجهة إلى محمد ساسي أيضا فهي بتاريخ أوائل صفر سنة 1051، ردا على رسالة المرابط السابقة، فقد مدح الباشا فيها محمد ساسي بالولاية والصلاح وأخبره أن الرسالة في طلب العفو لأهل عنابة قد وصلته، ونازعه في القول القائل إن العامة لا تعرف المصالح العليا، مذكرا له بأنهم قد استوجبوا النقمة على أنفسهم ما داموا قد ثاروا أو شايعوا الثورة، ولكنه، مع ذلك، سيعفو عنهم استجابة لطلب الشيخ، بشرط أن يقوم هو (محمد ساسي) من جهته بواجبه في تعريف الناس بما يجب عليهم نحو الحاكم ونحو السلطان (2).

وضمن هذه المجموعة من الرسائل الديوانية توجد رسالة من محمد

(1) انظر عنه الفصل السادس من الجزء الأول.

(2)

نفس الرسائل الثلاث في المكتبة الوطنية. باريس، رقم 6724، وقد درسنا هذه الرسائل ونشرناها في (الثقافة) عدد 51، 1979.

ص: 191

بكداش إلى أحمد البوني (1)، حفيد محمد ساسي المذكور، وتاريخ هذه الرسالة هو جمادي الآخرة سنة 1115، ولم يكن بكدارش عندئذ قد تولى الباشوية بل كان ما يزال مسؤولا فقط على خبز العسكر، وقد بدأ رسالته بمدح وإطراء الشيخ والاعتراف له بالعلم والولاية، ثم السؤال عنه وعن أهله وعشيرته، وكان الباشا في الواقع يرد على رسالة وصلته من الشيخ ذكرته، كما قال، بأيام خوال وذكريات عطرات، وفي هذا إشارة إلى أن بكداش كان قد زار الشيخ قبل توليه الحكم، وأخبره أيضا أنه أطلع علماء مدينة الجزائر على تأليفه وتقاييده فتأثروا لذلك (2). وتكاد هذه الرسالة تكون من الرسائل الإخوانية، رغم أنها صادرة عن جهة رسمية.

ومهما كان الأمر فإن هذه الرسائل جميعا تعتمد النثر المسجوع وتضمن النص آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأخبارا تاريخية وأحيانا بعض الأبيات الشعرية إما من نظم الكاتب أو من محفوظاته الخاصة، كما أنها تهتم بالمحسنات البديعية بكثرة، واستعمال التلغيز والتلميح والتورية، وتسير على طول المقدمة أو الديباجة والتفنن فيها بصفة خاصة، والدعاء للمرسل إليه، ونحو ذلك من الأساليب الإنشائية التي لم تكن بدعا في حد ذاتها.

وقد عثرنا على رسالة ديوانية تعود إلى سنة 1064 فوجدناها رسالة أدبية قوية، رغم أنها مغرقة في التكلف والصنعة، وكاتب الرسالة هو المحجوب الحضري (3) على لسان الباشا عثمان (4) إلى سلطان المغرب

(1) انظر عنه الفصل الأول من هذا الجزء.

(2)

توجد هذه الرسالة أيضا في المكتبة الوطنية - باريس، رقم 6724. انظر أيضا (الثقافة) عدد 51، 1979.

(3)

لم نستطع أن نجد له أثرا آخر غير هذه الرسالة، ولم نجد من ترجم له أو تحدث عنه، ولعله كان من مدينة الجزائر مثل قريبه الذي ورد اسمه في الرسالة، وهو الحاج محمد بن علي الحضري المزغنائي، أي من مزغنة (مدينة الجزائر).

(4)

ليس في قائمة ابن حمادوش عن باشوات الجزائر اسم هذا الباشا الذي ينطق بالتركية عصمان.

ص: 192

عندئذ، وهو محمد بن الشريف صاحب سجلماسة، وموضوعها هو العتاب الشديد لمحمد بن الشريف على إثارته أهل تلمسان وندرومة والأغواط وغيرهم ضد العثمانيين، وجاء في الرد المغربي التعريض (بالأعلاج) وهم الترك. والذي يهمنا هنا ليس موضوع الرسالة، لأن ذلك في الواقع يهم المؤرخين بالدرجة الأولى، ولكن يهمنا منها الأسلوب الذي كتبت به. انظر إلى هذا التصنع في العبارات وطول الجمل وكثرة الإضافات وتصيد الألفاط الناشزة (سلام عليكم ما رصع الجفان سموت البحور، ولمح الجواهر الحسان على أزهار رياض النحور، ورحمة الله تعالى وببركاته، ما أساغت محضر الجلال ذكاته، فقد كاتبنا كم من مغنى غنيمة الظاعن والمقيم والزائر، رباط الجريد، مدينة الجزائر، صان الله من البر والبحر عرضها، وأقر من زعازع العواصف أرضها، إلماعا لكم، معادن الرياسة، وفرسان الغابة والعيافة والفراسة، فضلا عن سماء صحا من الغيم والقتام جوه، وضحى نشرت عليه الوديقة وشيها ففشا ضوه. . إن شؤون المملكة التي يتوارى عن مكنونهم أمرها).

ثم فصلت الرسالة أحداث مستغانم وتلمسان وندرومة والأغواظ ومازونة، ووصفت بإسهاب (الإيالة العصمانية) وقوتها، وفي آخرها أشارت إلى أن الباشا عصمان قد أرسل إلى المغرب عالمين وقائدين عسكريين لفتح المفاوضات وربط العلاقات، (إننا قد شيعنا نحوكم أربع صحاب، تشرق بمجالستهم الخواطر والرحاب، الفقيه الوجيه سيدي عبد الله بن عبد الغفار النفزي والسيد الحاج الأبر محمد بن عبد الله الحضري المزغناي المغراوي، واثنين من أركان ديواننا وقواعد إيواننا، أتراك سيوط (؟)، وغاية غرضنا منكم جميل الجواب، بما هو أصفى وأصدق جواب) (1).

(1) عثرنا على هذه الرسالة في المكتبة الملكية بالرباط، رقم 4485 مجموع، وهي في ثلاث ورقات من الحجم الصغير، وبعدها مباشرة يأتي الرد المغربي، وبعد اطلاعنا عليها هناك وجدنا الناصري السلاوي في (الاستقصا) 7/ 22 - 25، قد أوردها بحذافيرها، والظاهر أنه اطلع على نسخة أخرى منها لأن نصه يختلف قليلا عن نص النسخة التي اطلعنا عليها، كما أورد السلاوي خلاصة رسالة المغرب. ولاحظ أن =

ص: 193

والذي يقارن بين رسالة الجزائر والرد المغربي عليها يلاحظ أن الرسالة المغربية أجمل أسلوبا وأسلس عبارة، مما يبرهن ربما على أن الكتابة الديوانية في الجزائر عندئذ أضعف منها في المغرب.

ومن الرسائل الديوانية أيضا الرسالة التي بعث بها حسن باي وهران، إلى حسين باشا، فقد أخبره، بأسلوب أدبي رفيع، عما غنمه الرايس علي البوزريعي من غنائم في المحيط الأطلسي حيث استولى على ثلاث سفن للنصارى واحدة محملة بالقهوة والثانية بالقماش والثالثة بالعطور، كما أسر عددا من الملاحين والركاب. ورغم أن الرسالة بدون تاريخ فإن المعروف أن حسين باشا قد تولى سنة 1233، فهي إذن من إنشاءات آخر العهد العثماني. وكذلك يقال عن رسائل الحاج أحمد باي قسنطينة إلى حسين باشا أيضا، ومنها تلك الرسالة التي فصل له فيها الهدية الخاصة التي وجهها إليه وهي: قافلة تمر وزيتون (على حسب العادة، والطريقة المعتادة)، وفرسان أحدهما أحمر والثاني أزرق، وبرنوسان جريديان وبرنوسان من حرير السوستي وقندورة مجعبة بالحرير. كما أخبره فيها بالهدية الأخرى (عوائد أرباب دولتك السعيدة)، وهذه الرسالة أدبية إدارية. وفي رسالة أخرى له أخبره بأحوال الرعية في أقليمه وانتصاراته على الثوار في الأوراس، كما استشاره في عدد من القضايا والأشخاص، ويهمنا من هاتين الرسالتين، بالإضافة إلى رسالة الباي حسن، كون الإدارة العثمانية الإقليمية كانت تستعمل اللغة العربية في مراسلاتها مع الحكومة المركزية، وأن بايات الأقاليم كانوا يوظفونالكتاب العرب في دواوينهم (1).

= السلطان محمد بن الشريف قد اقتنع بوجهة نظر الجزائر وأقلع، بعد تردد وفد الجزائر عليه، عن إثارة الفتن ضد الأتراك لأن ذلك يخالف قواعد الإسلام.

(1)

أورد هذه الرسائل السيد بريسنييه في كتابه (فن الكتابة العربية). فأما رسالة حسن، باي وهران، التي لا تاريخ لها، فعلى صفحات 144 - 148، وأما رسالتا الحاج أحمد، باي قسطينة، فالأولى على صفحات 166 - 173، وهي بتاريخ 1243، والثانية على صفحات 179 - 85 1 وهي بتاريخ 1244.

ص: 194

وهناك العديد من الرسائل الإخوانية بعضها قد فقد نصه ولم تبق إلا الإشارات إليه في التراجم ونحوها، والبعض الآخر ما زال موجودا لحسن الحظ. وممن اشتهر بين معاصريه بكثرة المراسلات مع غيره: أحمد المقري وعبد الكريم الفكون وأحمد بن عمار من الأدباء، بالإضافة إلى علماء آخرين تغلب عليهم الفقه أكثر من الأدب، أمثال عيسى الثعالبي وعبد القادر المشرفي وسعيد قدورة وابن العنابي. فقد كان الأدباء يتبادلون الرسائل في أغراض شتى كإعراب مسألة، والإخبار بكتاب ألف، والتعزية في فقيد، والتهنئة بحادث سعيد، والاعتذار، وحل لغز أدبي، والتوصية على قريب أو صديق، ونحو ذلك من الأغراض الاجتماعية، وكانوا في العادة يضمنون رسائلهم النثرية بعض الشعر من البيت إلى الأبيات، ويتنادرون ويظهرون براعة الحفظ، وأحيانا كانوا يجاملون بعضهم البعض فيكتفون بالثناء والإطراء على النقد وإظهار الحق.

وكانت لعبد الكريم الفكون مراسلات مع عدد من علماء عصره، منهم الجزائريون وغير الجزائريين، فقد ذكر هو أنه كان يتراسل مع سيد قدورة وأحمد المقري ومحمد تاج العارفين العثماني وإبراهيم الغرياني التونسي، وغيرهم، وأورد المقري في (نفح الطيب) رسالة بعثها إليه عبد الكريم الفكون من قسنطينة سنة 1038، وهي الرسالة التي أخبره فيها الفكون أنه متجه إلى الله هروبا من نفسه الأمارة بالسوء، وقد علق المقري على ذلك بأن الفكون (مائل إلى التصوف، ونعم ما فعل). وفي رسالة الفكون ما يشير إلى تبادل الرسائل بينه وبين المقري قبل ذلك، فقد أضاف الفكون إلى رسالته المسجوعة تسعة أبيات على وزن وقافية الأبيات التي ذيل بها المقري رسالته إلى الفكون، مع الاعتذار بأنه ليس من أهل هذا الفن، كما أخبر الفكون زميله بأنه ينوي وضع شرح على منظومة (إضاءة الدجنة) للمقري في علم الكلام ووعده بأن يحمل الشرح معه عند حجة العام الموالي، وأنه مشتاق لزيارة الحرم، واعتذر له عن قلة أبيات الشعر لوفاة زوجه. أما المقري فقد سمى الفكون (عالم المغرب الأوسط

ص: 195

غير مدافع) (1)، ولكن الفكون قد انتقد المقري في كتابه (منشور الهداية) وأورد نموذجا للمراسلات التى دارت بينهما حول إعراب آية (2).

ومن رسائل الفكون أيضا ما راسل به محمد تاج العارفين العثماني حوالي سنة 1037، وتذهب رسالة الفكون إلى أن الدنيا قد كثر فيها الأشرار وكسدت فيها أسواق العلم والعلماء. وهي نغمة تذكرنا بنغمة كتابه (منشور الهداية) الذي كان عندئذ يجمع مادته، فالرسالة إذن من الأدب الوعظي، وهي طويلة تقع في ثلاث صفحات، وفيها الكثير من قدرة الفكون الأدبية واللغوية والدينية، ورغم أنها بدون تاريخ فإنها تكون قد كتبت حوالي سنة 1037، كما ذكرنا، لأن تاج العارفين قد كاتبه في هذه السنة، ويبدو أن الرجلين لم يلتقيا وجها لوجه، ذلك أن الفكون يشير في (منشور الهداية) إلى أن تاج العارفين قد جاء إلى الجزائر سنة 1037، رفقة العالم إبراهيم الغرياني القيرواني للصلح بين حكومة تونس وحكومة الجزائر بعد الحرب التي دارت بين الطرفين، فراسله العالمان التونسيان من قصر جابر، وقد أورد الفكون نص رسالة تاج العارفين، وهي منمقة متكلفة، ورسالة الغرياني وهي أيضا نثرية - شعرية، ومن حسن الحظ أننا عثرنا على رسالة الفكون إلى تاج العارفين (3).

ورغم تميز عيسى الثعالبي بالحديث والفقه فقد كان يجيد النثر الأدبي والشعر. فقد كاتبه العياشي المغربي ذات مرة بقصيدة جعل لها مقدمة نثرية، فرد عليه الثعالبي بنفس الأسلوب، وجاء في نثره ما يلي: (الحمد لله، يقول كاتب الأحرف المسمى نفسه آخرا أن صاحبنا الأديب البليغ الناظم الناثر ريحانة الآداب وواسطة الأحساب سيدي

العياشي، وصل الله إكرامه، وبلغه من محمود المقاصد مرامه، خاطب العبد الفقير بقصيدة متمكنة

(1) الرسالتان في (نفح الطيب) 3/ 238 - 240.

(2)

(منشور الهداية) - ترجمة المقري.

(3)

(كناش الطواحني) المكتبة الوطنية - تونس، رقم 18647، 41 - 43، وكان تاج العارفين قد سافر مع أحمد المقري إلى المشرق من تونس، قىصد الحج.

ص: 196

الأعجاز والصدور، مسبوقة بأسجاع متناسقة ولا تناسق القلائد في النحور على الصدور، فجرى قلم فكري الفاتر وذهني القاصر، شاكرا لفضله بهذه الأبيات المتأخرة عن مباراة الصاحب الأرضي، البائنة عن صوب معاقد البلاغة إن لم تنظر بعين المسامحة والإغضا) (1). ولا شك أن التكلف ظاهر في هذه السطور وروح الدين فيها أوضح من روح الأدب، ولكنها مع ذلك قطعة تعطي فكرة تداخل الأدب والدين في النثر.

وفي رحلة ابن حمادوش نص رسالة تعزية عزاه بها المفتي محمد بن حسين عند وفاة أحد أبنائه، وقد اعتذر المفتي عن عدم حضور الجنازة شخصيا، وضمن رسالته آيات قرآنية وأحاديث نبوية في الحث على الصبر والتحمل عند الفجائع، والرسالة مسجعة ولكنها غير ثقيلة ثقل بعض القطع النثرية عندئذ، ومما جاء فيها قول المفتي (فقد بلغنا ما أحار الأذهان وأشجاها، وأطار النور من الأجفان وأبلاها، وأضرم لواعج الأشواق، وأذكى زواعج الاحتراق، بالذي صدع أعشار القلوب، وأفاض على صحن الخد الدموع من الغروب .. حتى أدركتني محنتك وموت ولدك فأخذتني الصدمة، وهيجت لي المحنة، فلقد رمانا الدهر بسهام صروفه فأصمانا، وتعهدنا خطبه فهذ عروشا وأركانا، فاصبر له صبر الأجواد، إنما صبر الكريم على الرزيه أجمل ..)(2)، فجملة ابن حسين خفيفة وأسلوبه في الجملة جيد، وكان في رسالته يقارن بين محنته (التي لم يذكرها) ومحنة ابن حمادوش في وفاة ولده.

وقد اطلعنا على رسالة قاضي معسكر، محمد بن شهيدة، إلى ابن سحنون مؤلف (الأزهار الشقيقة) فوجدناها رسالة أدبية جيدة، ولكننا للأسف لم نأخذ منها نصا، كما اطلعنا على مخاطبة أحمد بن هطال لنفس المؤلف (3)، وإذا كنا متأكدين من أن رسالة ابن شهيدة تدخل في باب النثر

(1) رحلة العياشي 2/ 130.

(2)

رحلة ابن حمادوش، مخطوطة.

(3)

كلاهما في (الأزهار الشقيقة)، دار الكتب المصرية، 12160 ز. لأحمد بن سحنون =

ص: 197