الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر الْمَسَاجِد الْمَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة
فَمِنْهَا: مَسْجِد قبَاء. قَالَ الله تَعَالَى: " لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم " أَي بنيت جدره وَرفعت قَوَاعِده. عَن ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالْحسن: هُوَ مَسْجِد قبَاء، وتعلقوا بقوله تَعَالَى:" من أول يَوْم " وَهُوَ قَول بَرِيرَة وَابْن زيد وَعُرْوَة، وَدَلِيل الظّرْف يَقْتَضِي الرِّجَال المتطهرين فَهُوَ مَسْجِد قبَاء. وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء: " فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ". فِيهِ أَي من حاضريه، قيل: كَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء وَالْحجر. مَسْجِد قبَاء فِي بني عَمْرو بن عَوْف كَانَ مربداً لكلثوم بن الْهدم فَأعْطَاهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فبناه مَسْجِدا وأسسه وَصلى فِيهِ قبل أَن يدْخل الْمَدِينَة حِين قدومه من مَكَّة، كَمَا تقدم. وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فضل قبَاء وَالصَّلَاة فِيهِ. وروى نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم صلى إِلَى الاسطوان الثَّالِث فِي مَسْجِد قبَاء الَّتِي فِي الرحبة. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَلم يزل مَسْجِد قبَاء على مَا بناه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى أَن بناه عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بنى مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ووسعه، ونقشه بالفسيفساء وسقفه بالساج وَعمل لَهُ مَنَارَة، وَجعل لَهُ أروقة وَفِي وَسطه رحبة، فتهدم حَتَّى جدده جمال الدّين الْأَصْبَهَانِيّ وَزِير بني زنكي فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة، قَالَ: وذرعته فَكَانَ طوله ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ ذِرَاعا راجحاً قَلِيلا، وَعرضه كَذَلِك، وارتفاعه فِي السَّمَاء عشرُون ذِرَاعا، وَطول منارته فِي سطحه اثْنَان وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وعَلى رَأسهَا قبَّة نَحْو الْعشْرَة أَذْرع، وَفِي الْمَسْجِد تسع وَثَلَاثُونَ إسطوانة، بَين كل اسطوانتين سَبْعَة أَذْرع راجحة، وَفِي جدرانه طاقات فِي كل جَانب ثَمَان إِلَّا الْجَانِب الشَّامي فَإِن الثَّانِيَة سدت
بالمنارة، ومنارة مربعة وَهِي على يَمِين الْمصلى. وَمِنْهَا مَسْجِد الْفَتْح: عَن جَابر رضي الله عنه، أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم دَعَا فِي مَسْجِد الْفَتْح يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الثُّلَاثَاء ويم الْأَرْبَعَاء، فاستجيب لَهُ يَوْم الْأَرْبَعَاء بَين الصَّلَاتَيْنِ، فَعرف الْبشر فِي وَجهه. وَقد تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل. وَعَن هَارُون بن كثير عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم دَعَا يَوْم الخَنْدَق على الْأَحْزَاب فِي مَوضِع الإسطوانة الْوُسْطَى من مَسْجِد الْفَتْح الَّذِي على الْجَبَل. قَالَ الشَّيْخ جمال: مَسْجِد الْفَتْح على قِطْعَة من جبل سلع من جِهَة الْمغرب، وغربيه وَادي بطحان، وَتَحْته فِي الْوَادي عين تجْرِي، وَيعرف الْموضع بالسيح بِالسِّين الْمُهْملَة يصعد إِلَى الْمَسْجِد من دَرَجَتَيْنِ شمالية وشرقية، وَكَانَت فِيهِ ثَلَاث اسطوانات قبل هَذَا الْبناء الَّذِي هُوَ الْيَوْم عَلَيْهِ من بِنَاء عمر بن عبد الْعَزِيز فتهدم، ثمَّ جدده الْأَمِير سيف الدّين الْحُسَيْن بن أبي الهيجا أحد وزراء العبيديين بِمصْر فِي سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة، وَكَذَلِكَ جدد المسجدين اللَّذين تَحْتَهُ من جِهَة الْقبْلَة، يعرف الأول القبلي بِمَسْجِد عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه، وَالثَّانِي يَلِي الشمَال يعرف بِمَسْجِد سلمَان الْفَارِسِي رضي الله عنه جددهما فِي سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة. وَذكر الْحَافِظ محب الدّين: أَنه كَانَ مَعَهُمَا مَسْجِد ثَالِث فَذَلِك لم يبْق لَهُ أثر. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وروى عَن معَاذ بن سعد أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صلى فِي مَسْجِد الْفَتْح الَّذِي على الْجَبَل، وَفِي الْمَسَاجِد الَّتِي حوله، وَفِي المسجدين القبليين. وَمِنْهَا: مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ. عَن عُثْمَان بن مُحَمَّد الأخنسي، أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم زار امْرَأَة من بني سَلمَة يُقَال لَهَا أم بشر فِي بني سَلمَة فصنعت لَهُ طَعَاما، فحانت الظّهْر فصلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِأَصْحَابِهِ فِي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ الظّهْر، فَلَمَّا صلى رَكْعَتَيْنِ أَمر أَن يتَوَجَّه إِلَى الْكَعْبَة فَاسْتَدَارَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْكَعْبَة. فَسُمي ذَلِك مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ،
وَكَانَت الظّهْر يَوْمئِذٍ أَربع رَكْعَات، مِنْهَا اثْنَان إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَاثْنَانِ إِلَى الْكَعْبَة، وصرفت الْقبْلَة يَوْم الثُّلَاثَاء النّصْف من شعْبَان فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وَقيل: بل صرفت الْقبْلَة فِي مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاة الْعَصْر يَوْم الِاثْنَيْنِ النّصْف من رَجَب على رَأس سَبْعَة عشر شهرا من الْهِجْرَة. وَقَالَ ابْن الْمسيب: صرفت قبل بدر بشهرين. وَالْأول أصح. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد بعيد من الْمَدِينَة قريب من بِئْر رومة وَقد تقدم، وَلم يبْق إِلَّا آثاره، وَمَوْضِع الْمَسْجِد يعرف بالقاع، والقاع الْمَكَان المستوي. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَبِهَذَا الْوَادي سَار رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمن مَعَه بِالْخَيْلِ وَالْإِبِل على ظهر المَاء لما أَن غزا خَيْبَر قَالَ رضي الله عنه: وجدنَا السُّيُول بالقاع فقدرنا المَاء فَإِذا هُوَ أَرْبَعَة عشر قامة فَنزل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسجدَ ودعا ثمَّ قَالَ: " سِيرُوا على اسْم الله "، فسرنا على المَاء. وَكَانَ ذَلِك نَظِير فلق الْبَحْر لمُوسَى عليه السلام. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ بعيد عَن مَسْجِد الْفَتْح من جِهَة الغرب على رابية على شَفير وَادي العقيق، وَحَوله خراب عَتيق على الْحرَّة، وَحَوله آبار ومزارع تعرف بِالْعرضِ، فِي قبله مزارع الجرف الْمَعْرُوف بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُور فِي قَرْيَة بني سَلمَة، وَيُقَال لَهَا خرباة، ثمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا الْمَسْجِد وَهُوَ مَسْجِد بني حزَام من بني سَلمَة رأى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النخامة فحكها بعرجون كَانَ فِي يَده، ثمَّ دَعَا بخلوق فَجعله على رَأس العرجون، ثمَّ جعله على مَوضِع النخامة، فَكَانَ أول مَسْجِد خلق فِي الْإِسْلَام. وَمِنْهَا مَسْجِد الفضيخ. روى هِشَام بن عُرْوَة والْحَارث بن فُضَيْل أَنَّهُمَا قَالَا: صلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي مَسْجِد الفضيح. وَعَن جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني النَّضِير ضرب قُبَّته فِي مَوضِع مَسْجِد الفضيح وَأقَام بهَا سِتا، قَالَ: وَجَاء تَحْرِيم الْخمر فِي السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة، وَقيل: فِي السّنة الرَّابِعَة، وَأَبُو أَيُّوب فِي نفر من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي مَوْضِعه مَعَهم رِوَايَة خمر من فضيخ، فَأمر أَبُو
أَيُّوب رضي الله عنه بعزلا المزادة ففتحت فَسَالَ الفضيخ فِيهِ فَسُمي مَسْجِد الفضيخ، والفضيخ: نوع من الْخمر. وَهُوَ مَا افتضخ من الْبُسْر من غير أَن تمسه النَّار، وَيُقَال لَهُ: الفضوخ وَهُوَ من أَسمَاء الْخمر. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَمَسْجِد الفضيخ قريب من قبَاء من شرقيه وَيعرف بِمَسْجِد الشَّمْس. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهُوَ على شَفير الْوَادي على نشز من الأَرْض، مرضوم بحجارة سود وَهُوَ صَغِير جدا. وَمِنْهَا: مَسْجِد بني قُرَيْظَة. عَن مُحَمَّد بن عتبَة بن أبي مَالك قَالَ: قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي بَيت امْرَأَة من الْحَضَر فِي بني قُرَيْظَة، فَأدْخل الْوَلِيد بن عبد الْملك ذَلِك الْبَيْت فِي الْمَسْجِد حِين بناه. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: روى عَن عليّ بن رِفَاعَة عَن اشياخ من قومه، أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم صلى فِي بَيت امْرَأَة من بني قُرَيْظَة، فَأدْخل ذَلِك الْمَكَان فِي مَسْجِد بني قُرَيْظَة، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ببني قُرَيْظَة، وَقيل: إِنَّمَا أَدخل الْبَيْت فِي الْمَسْجِد عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بِنَاء مَسْجِد قبَاء. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد بَاقٍ بالعوالي طوله نَحْو الْعشْرين ذِرَاعا، وَعرضه كَذَلِك، وَفِيه نَحْو السِّتَّة عشر اسطوانات، فتهدم وَوَقعت منارته وَأخذت أحجاره، وَقد كَانَ مَبْنِيا على شكل بِنَاء مَسْجِد قبَاء وَحَوله بساتين ومزارع. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: هَذَا الْمَسْجِد شَرْقي مَسْجِد الشَّمْس بَعيدا عَنهُ بِالْقربِ من الْحرَّة الشرقية على بَاب حديقة، يعرف الْآن بحاجوم وقف على الْفُقَرَاء بَين أَبْيَات خراب، هِيَ بعض دور بني قُرَيْظَة، وَهِي شمَالي بَاب الحديقة، وَطوله نَحْو من خَمْسَة وَأَرْبَعين ذِرَاعا، وَعرضه كَذَلِك، وَبَقِي أَثَره إِلَى الْعشْر الأول بعد السبعمائة، فجدد وَبنى عَلَيْهِ حضير مِقْدَار نصف قامة، وَكَانَ قد نسي فَمن ذَلِك التَّارِيخ عرف. وَمِنْهَا: مَسْجِد الْجُمُعَة. وَهُوَ الَّذِي أدْرك فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صَلَاة الْجُمُعَة بعد أَن أسس مَسْجِد قبَاء وَهُوَ قادم إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد على يَمِين السالك إِلَى مَسْجِد قبَاء شماليه أَطَم خراب، وَيُقَال لَهُ: الْمزْدَلِفَة، أَطَم عتْبَان من بني مَالك وَهُوَ فِي بطن الْوَادي، وَهُوَ مَسْجِد صَغِير مَبْنِيّ بحجارة قدر نصف الْقَامَة، وَهُوَ الَّذِي كَانَ
يحول السَّيْل بَينه وَبَين عتْبَان إِذا سَالَ، والآن منَازِل بني سَالم بن عَوْف كَانَت غربي هَذَا الْوَادي على طرف الْحرَّة وآثارهم بَاقِيَة هُنَاكَ، فَسَأَلَ عتْبَان رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يُصَلِّي لَهُ فِي بَيته يَتَّخِذهُ مصلى فَفعل صلى الله عليه وسلم. وَمِنْهَا: مَسْجِد بني ظفر من الْأَوْس. عَن إِدْرِيس بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن أنيس بن فضَالة الصفرى عَن جده، أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جلس على الْحجر الَّذِي فِي مَسْجِد بني ظفر، وَأَن زِيَاد بن عبيد الله أَمر بقلعه حَتَّى جَاءَتْهُ مشيخة بني ظفر فأعلموه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جلس عَلَيْهِ فَرده، قَالَ: فَقل امْرَأَة يصعب حملهَا تجْلِس عَلَيْهِ إِلَّا حملت، وَعِنْده أثر فِي الْحجر يُقَال: إِنَّه أثر حافر بغلة النَّبِي صلى الله عليه وسلم من جِهَة الْقبْلَة، وَفِي غربيه حجر عَلَيْهِ أثر كَأَنَّهُ أثر مرفق، وعَلى حجر آخر أثر أَصَابِع وَالنَّاس يتبركون بهَا. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد شَرْقي البقيع مَعَ طرف الْحرَّة الشرقية وَيعرف الْيَوْم بِمَسْجِد البغلة. وَمِنْهَا: مَسْجِد بني مُعَاوِيَة بن مَالك بن النجار بن الْخَزْرَج. عَن عتِيك بن الْحَارِث أَنه قَالَ: جَاءَنَا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فِي بني مُعَاوِيَة وَهِي قَرْيَة من قرى الْأَنْصَار، فَقَالَ: هَل تَدْرُونَ أَيْن صلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي مَسْجِدكُمْ هَذَا؟ قلت: نعم وأشرت إِلَى نَاحيَة مِنْهُ، فَقَالَ: هَل تَدْرِي مَا الثَّلَاث الَّتِي دَعَا بهَا؟ قلت: نعم قَالَ: فَأَخْبرنِي بِهن، قلت: دَعَا أَن لَا يظْهر عَلَيْهِم عَدو من غَيرهم فأعطيها، وَأَن لَا يُهْلِكهُمْ بِالسِّنِينَ فأعطيها، وَأَن لَا يَجْعَل بأسهم بَينهم فَمنعهَا، قَالَ عبد الله بن عمر: صدقت، فَلَنْ يزَال الهراج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين وَيعرف هَذَا الْمَسْجِد الْيَوْم بِمَسْجِد الْإِجَابَة، وَهُوَ شمَالي البقيع على يسَار طَرِيق السالك إِلَى العريض وسط تلول، وَهِي أثر قَرْيَة بني مُعَاوِيَة وَهِي الْيَوْم خراب. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: فَيجب زِيَارَة هَذِه الْمَوَاضِع وَإِن لم تعرف أسماؤها؛ لِأَن الْوَلِيد بن عبد الْملك كتب إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز: مهما صَحَّ عنْدك من الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَابْن عَلَيْهَا مَسْجِدا، فالآثار كلهَا أثر بِنَاء عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه. وَأما مشربَة أم إِبْرَاهِيم بن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. فروى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن ثَابت، أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم صلى فِي مشربَة أم إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ
السَّلَام. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: هَذَا الْموضع بالعوالي بَين النخيل، وَهُوَ أكمة قد حوط حولهَا بِلَبن، والمشربة الْبُسْتَان، وَأَظنهُ قد كَانَ بستاناً لمارية الْقبْطِيَّة أم إِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي صلى الله عليه وسلم. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: الْمشْربَة شمَالي مَسْجِد بني قُرَيْظَة قَرِيبا من الْحرَّة الشرقية، فِي مَوضِع يعرف بالدشت بَين نخل يعرف بالأشراف القواسم من بني قَاسم بن إِدْرِيس بن جَعْفَر أَخ الْحُسَيْن العسكري؛ لِأَن آل شُعَيْب بن جماز مِنْهُم، وصهيب بِالْقربِ من دَار بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج الَّتِي كَانَ أَبُو بكر رضي الله عنه نازلاً فِيهَا بِزَوْجَتِهِ حَبِيبَة بنت خَارِجَة وَقيل: مليكَة أُخْت ابْن خَارِجَة. وَمِنْهَا: مصلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْعِيد. عَن هِشَام بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن أبي أُميَّة وَعَن شيخ من أهل السن، أَن أول عيد صلاه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صلاه فِي حارة الدوس عِنْد بَين أبي الْجنُوب، ثمَّ صلى الْعِيد الثَّانِي بِفنَاء دَار حَكِيم بن العداء عِنْد دَار حُفْرَة دَاخِلا فِي الْبَيْت الَّذِي بِفنَاء الْمَسْجِد، ثمَّ صلى الْعِيد الثَّالِث عِنْد دَار عبد الله بن درة الْمَازِني دَاخِلا بَين الدَّاريْنِ دَار مُعَاوِيَة وَدَار كثير بن الصَّلْت، ثمَّ صلى الْعِيد الرَّابِع عِنْد أَحْجَار عِنْد الحناطين بالمصلى، ثمَّ صلى دَاخِلا فِي منزل مُحَمَّد بن عبد الله بن كثير بن الصَّلْت، ثمَّ صلى حَيْثُ صلى النَّاس الْيَوْم. وروى عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن أول فطر أَو أضحى جمع فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِفنَاء دَار حَكِيم بن العداء عِنْد أَصْحَاب المحامل. وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يسْلك إِلَى الْمصلى من الطَّرِيق الْعُظْمَى على أَصْحَاب الفساطيط، وَيرجع من الطَّرِيق الْأُخْرَى على دَار عمار بن يَاسر رضي الله عنه. وروى عَن عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيهَا رضي الله عنه، أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:" مَا بَين مَسْجِدي إِلَى الْمصلى رَوْضَة من رياض الْجنَّة ". وروى عَن حَمْزَة عَن عَائِشَة رضي الله عنها أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ يذبح أضحيته بِيَدِهِ إِذا انْصَرف من الْمصلى على نَاحيَة الطَّرِيق الَّتِي كَانَ ينْصَرف مِنْهَا، وَتلك الطَّرِيق وَالْمَكَان الَّذِي كَانَ يذبح فِيهِ صلى الله عليه وسلم مُقَابل الْمغرب مِمَّا يَلِي طَرِيق بني زُرَيْق. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَأما الطَّرِيق الْعُظْمَى فَهِيَ طَرِيق النَّاس الْيَوْم من بَاب الْمَدِينَة إِلَى الْمصلى، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ثمَّ صلى حَيْثُ صلى النَّاس الْيَوْم، وَلَا يعرف من الْمَسَاجِد الَّتِي ذكرت لصَلَاة الْعِيد إِلَّا هَذَا الَّذِي يصلى فِيهِ الْعِيد الْيَوْم. قَالَ: وشماليه مَسْجِد وسط
الحديقة الْمَعْرُوفَة بالعريص الْمُتَّصِلَة بقبة عين الْأَزْرَق، وَيعرف الْيَوْم بِمَسْجِد أبي بكر الصّديق رضي الله عنه وَلَعَلَّه صلى فِيهِ فِي خِلَافَته، وشمالي الحديقة أَيْضا مَسْجِد كَبِير مُتَّصِل يُسمى مَسْجِد عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه، وَلم يرد أَنه صلى بِالْمَدِينَةِ عيداً فِي خِلَافَته. فَتكون هَذِه الْمَسَاجِد الْمَوْجُودَة الْيَوْم من الْأَمَاكِن الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم سنة، إِذْ لَا يخْتَص أَبُو بكر وَعلي رضي الله عنهما بمسجدين لأنفسهما ويتركان الْمَسْجِد الَّذِي صلى فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة مَسْجِد يعرف غير مَا ذكر إِلَّا مَسْجِد على ثنية الْوَادي على يسَار الدَّاخِل إِلَى الْمَدِينَة من طَرِيق الشَّام، وَمَسْجِد آخر صَغِير على طَرِيق السافلة، وَهِي الطَّرِيق الْيُمْنَى الشرقية إِلَى مَسْجِد حَمْزَة رضي الله عنه يُقَال: إِنَّه مَسْجِد أبي ذَر الْغِفَارِيّ رضي الله عنه وَلم يرد فيهمَا نقل يعْتَمد عَلَيْهِ. وَأما مَسْجِد الضرار: فَهُوَ الْمَسْجِد الَّذِي بناه المُنَافِقُونَ مضاهاة لمَسْجِد قبَاء، فَلَمَّا بنوه أَتَوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ متجهز إِلَى تَبُوك فأمروه أَن يُصَلِّي لَهُم فِيهِ، فَقَالَ:" إِنِّي على جنَاح سفر وَحَال شغل وَلَو قدمنَا عَن شَاءَ الله لأتيناكم فصلينا لكم فِيهِ ". فَلَمَّا نزل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِذِي أولن بلد بَينه وَبَين الْمَدِينَة سَاعَة من نَهَار مرجعه من تَبُوك أَتَاهُ خبر الْمَسْجِد، فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَالك بن الدخشم ومعن بن عدي وأخاه عَاصِمًا، وَفِي رِوَايَة وعامر بن السكن ووحشياً قَاتل حَمْزَة، فَقَالَ:" انْطَلقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ ". فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا سَالم بن عَوْف فَأخذ سَعَفًا من النّخل وأشعلاه، ثمَّ دخلا الْمَسْجِد وَفِيه أَهله فَحَرقَاهُ وَهَدَمَاهُ، وَأنزل الله تَعَالَى فِيهِ:" وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا. . " إِلَى آخر الْقِصَّة نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي عَامر الراهب؛ لِأَنَّهُ كَانَ خرج إِلَى قَيْصر وَتَنصر، وَوَعدهمْ قَيْصر أَنه سيأتيهم فبنوا مَسْجِد الضرار، وَكَانَ الَّذين بنوه اثْنَا عشر رجلا: خذام بن خَالِد وَمن بَيته أخرج الْمَسْجِد، ومعتب بن قُشَيْر، وَأَبُو حَبِيبَة بن الأزعر، وَعباد بن حنيف، وَجَارِيَة بن عَامر، وابناه مجمع، وبحزج،
ونبيل بن الْحَارِث، ويخلد بن عُثْمَان، وذريعة بن ثَابت، وثعلبة بن حَاطِب، مَذْكُور فيهم وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ شهد بَدْرًا قَالَه ابْن عبد الْبر. وكل مَسْجِد بني على ضرار أَو رِيَاء أَو سمعة فَحكمه حكم مَسْجِد الضرار لَا تجوز الصَّلَاة فِيهِ. قَالَ النقاش: فَيلْزم أَن لَا يُصَلِّي فِي كَنِيسَة وَنَحْوهَا، فَإِنَّهَا بنيت على شَرّ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ، إِنَّمَا بنوها لعبادتهم، وَقد أجمع الْعلمَاء أَن من صلى فِي كَنِيسَة أَو بيعَة على مَوضِع طَاهِر جَازَ. وَذكر أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بن الْعَاصِ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أمره أَن يَجْعَل مَسْجِد الطَّائِف حَيْثُ كَانَت طواغيتهم. وَقَوله تَعَالَى:" لَا تقم فِيهِ أبدا ". قد يعبر عَن الصَّلَاة بِالْقيامِ، وَمِنْه:" من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتساباً غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ". وَرُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يمر بِالطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْمَسْجِد، وَأمر بموضعه أَن يتَّخذ كناسَة ومزبلة. وروى سعيد بن جُبَير أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما أرسل ليهْدم رؤى الدُّخان يخرج مِنْهُ. وَقيل: كَانَ الرجل يدْخل فِيهِ سعفة فيخرجها سَوْدَاء محترقة. وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: جَهَنَّم فِي الأَرْض ثمَّ تَلا: " فانهار بِهِ فِي جَهَنَّم ". قَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف هَل ذَلِك حَقِيقَة أم مجَاز على قَوْلَيْنِ، أَحدهمَا: أَن ذَلِك حَقِيقَة وَأَنه كَانَ يحْفر ذَلِك الْموضع الَّذِي انهار بِهِ فَيخرج مِنْهُ دُخان وَقَالَ جَابر بن