الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر ابْتِدَاء بِنَاء مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
لما قدم النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَة نزل على أم كُلْثُوم بن الْهدم فِي بني عَمْرو بن سَالم ابْن عَوْف، فَمَكثَ عِنْدهم الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس، وَكَانَ كُلْثُوم بن الْهدم أسلم قبل قدوم النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَة وَتُوفِّي فِي السّنة الأولى، وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه: أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مكث فِي بني عَمْرو بن عَوْف بضع عشرَة لَيْلَة، وَعَن مُسلم: أَقَامَ فِيهِ أَربع عشرَة لَيْلَة، وَأخذ مربد كُلْثُوم بن الْهدم وَعَمله مَسْجِدا وأسسه وَصلى فِيهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَخرج من عِنْدهم يَوْم الْجُمُعَة عِنْد ارْتِفَاع النَّهَار فَركب نَاقَته الْقَصْوَاء، وجد الْمُسلمُونَ ولبسوا السِّلَاح عَن يَمِينه وشماله وَخَلفه وَكَانَ لَا يمر بدار من دور الْأَنْصَار إِلَّا قَالُوا: هَلُمَّ يَا رَسُول الله إِلَى الْقُوَّة والمنعة والثروة فَيَقُول لَهُم خيرا، وَيَقُول عَن نَاقَته:" إِنَّهَا مأمورة خلوا سَبِيلهَا "، فَمر ببني سَالم بن عَوْف فَأتى مَسْجِدهمْ الَّذِي فِي وَادي رَانُونَاء وأدركته صَلَاة الْجُمُعَة فصلى بهم هُنَالك وَكَانُوا مائَة رجل، وَقيل: أَرْبَعُونَ، وَكَانَت أول جُمُعَة صلاهَا بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ ركب رَاحِلَته وأرخى لَهَا زمامها وَمَا يحركها وَهِي تنظر يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى انْتَهَت بِهِ إِلَى زقاق الْحسنى من بني النجار فبركت على بَاب دَار أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، وَقيل: بَركت أَولا على بَاب مَسْجده صلى الله عليه وسلم ثمَّ ثارت وَهُوَ عَلَيْهَا فبركت على بَاب أبي أَيُّوب، ثمَّ الْتفت وثارت وبركت فِي مبركها الأول، وَأَلْقَتْ جِرَانهَا فِي الأَرْض وزرمت فَنزل عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: هَذَا الْمنزل يَا رَسُول الله فَاحْتمل
أَبُو أَيُّوب رَحْله وَأدْخلهُ بَيته، فَأَقَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي بَيت أبي أَيُّوب سَبْعَة ايام ثمَّ بنى مَسْجده، ثمَّ لم يزل فِي بَيت أبي أَيُّوب ينزل عَلَيْهِ من الْوَحْي حَتَّى ابتنى مَسْجده ومساكنه، وَكَانَ ابْتِدَاء بُنْيَانه صلى الله عليه وسلم مَسْجده فِي شهر ربيع الأول من السّنة الأولى، وَكَانَت إِقَامَته فِي دَار أبي أَيُّوب سَبْعَة أشهر. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَدَار أبي أَيُّوب مُقَابلَة لدار عُثْمَان رضي الله عنه من جِهَة الْقبْلَة وَالطَّرِيق بَينهمَا، وَهِي الْيَوْم مدرسة للمذاهب الْأَرْبَعَة اشْترى عرصتها الْملك المظفر شهَاب الدّين غَازِي بن الْملك الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر بن ايوب بن شادي وبناها، وأوقفها على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وأوقف عَلَيْهَا وَقفا بميافارقين وَهِي دَار ملكه وَلها بِدِمَشْق وقف أَيْضا، ويليها من جِهَة الْقبْلَة عَرصَة كَبِيرَة تحاذيها من الْقبْلَة كَانَت دَارا لجَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق، وفيهَا الْآن قبْلَة مَسْجده وفيهَا اثر المحاريب، وَهِي الْيَوْم ملك للأشراف المنايفة، وللمدرسة قاعتان كبرى وصغرى، وَفِي إيوَان الصُّغْرَى الغربي خزانَة صَغِيرَة مِمَّا يَلِي الْقبْلَة فِيهَا محراب يُقَال إِنَّه مبرك نَاقَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: وَاعْلَم أَن الْمَسْجِد الشريف فِي دَار بني غنم بن مَالك بن النجار وَكَانَ مربداً للتمر لسهل وَسُهيْل بني رَافع بن مَالك بن النجار وَكَانَا غلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مَسْجِدا فَقَالَا: بل نهبه لَك يَا رَسُول الله، فَأبى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يقبله مِنْهُمَا هبة حَتَّى ابتاعه مِنْهُمَا وبناه، وَقيل: لم يَأْخُذ لَهُ ثمنا، وَقيل: اشْتَرَاهُ من بني عفراء بِعشْرَة دَنَانِير دَفعهَا عَنهُ أَبُو بكر رضي الله عنه، وَكَانَت دَار بني النجار أَوسط دور الْأَنْصَار وأفضلها، وَبَنُو النجار أخوال عبد الْمطلب بن هَاشم جد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، والنجار تيم اللات بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج وهم بطُون كَثِيرَة، سمي بالنجار؛ لِأَنَّهُ اختتن بالقدوم، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ:" خير دور الْأَنْصَار دور بني النجار ". وَعَن أنس أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما أَخذ المربد من بني
النجار كَانَ فِيهِ نخل وقبور الْمُشْركين وَخرب، فَأمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بالنخيل فَقطع وبقبور الْمُشْركين فنبشت وبالخرب فسويت، قَالَ: فصفوا النّخل قبْلَة لَهُ وَجعلُوا عضادتيه حِجَارَة، وطفق رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينْقل مَعَهم اللَّبن فِي بُنْيَانه، وَبنى صلى الله عليه وسلم مَسْجده مربعًا وَجعل قبلته إِلَى بَيت الْمَسْجِد، وَطوله سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي عرض شبر أَو أَزِيد، وَجعل لَهُ ثَلَاثَة أَبْوَاب وَجعلُوا ساريتي الْمَسْجِد من الْحِجَارَة وبنوا بَاقِيه من اللَّبن، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَانَ جِدَار الْمَسْجِد مَا كَادَت الشَّاة تجوزه. وَعَن عَائِشَة رضي الله عنها: كَانَ طول جِدَار الْمَسْجِد بسطة، وَكَانَ عرض الْحَائِط لبنة لبنة، ثمَّ إِن الْمُسلمين كَثُرُوا فبنوه لبنة وَنصفا، ثمَّ قَالُوا: يَا رَسُول الله لَو أمرت بِالْمَسْجِدِ فظلل، قَالَ: نعم، فأقيم لَهُ سوار من جُذُوع النّخل شقة شقة ثمَّ طرحت عَلَيْهَا الْعَوَارِض والخصف والإذخر، وَجعل وَسطه رحبة فَأَصَابَتْهُمْ الأمطار فَجعل الْمَسْجِد يكف بهم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله لَو أمرت بِالْمَسْجِدِ فطين، فَقَالَ لَهُم:" عَرِيش كعريش مُوسَى ثمام وخشيبات يعم فَيعْمل وَالْأَمر أعجل من ذَلِك "، فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى قبض رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَيُقَال: إِن عَرِيش مُوسَى عليه السلام كَانَ إِذا قَامَ بِهِ اصاب رَأسه السّقف. قَالَ أهل السّير: وَبنى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَسْجده مرَّتَيْنِ، بناه حِين قدم أقل من مائَة فِي مائَة، فَلَمَّا فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ خَيْبَر بناه فَزَاد فِي الدّور مثله.