الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أول ما نزل من القرآن
ونتناول أول ما نزل من القرآن الكريم لنتبعه ببحث آخر ما نزل من القرآن، ثم نعيش بين أول ما نزل، وآخر ما نزل فى صحبة «متدبرة» وننعم فيها بأحسن الحديث وخير الذكر.
وسبيلنا فى تحديد تاريخ نزول الآيات الكريمة، وتحديد ما ينزل من آيات كريمة بعد أخرى، إنما هو سبيل النقل الصحيح، والروايات الموثقة مع تدبرها، والجمع بين ما يكون من روايات فى ظاهرها التعارض.
فأما أول ما نزل من القرآن الكريم فأمامنا مجموعة من الأقوال المعتمدة على روايات سأذكرها ثم أرجح ما يكون دليله أقوى؛ فمن هذه الأقوال:
القول الأول: أن أول ما نزل صدر سورة العلق إلى قوله سبحانه: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) ودليل هذا القول الروايات الآتية:
الدليل الأول: ما رواه البخارى ومسلم (واللفظ للبخارى) عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب له الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى. فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فضمنى الثالثة ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) [العلق]» وفى بعض الروايات حتى بلغ «
…
ما لَمْ يَعْلَمْ (5). فرجع بها إلى خديجة يرجف فؤاده
…
» إلى آخر الحديث.
الدليل الثانى: ما صححه الحاكم فى مستدركه والبيهقى فى دلائله عن عائشة أم المؤمنين- أيضا- رضي الله عنها أنها قالت: أول سورة نزلت من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
الدليل الثالث: ما صححه الطبرانى فى الكبير بسنده عن أبى رجاء العطاردى، قال: «كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا وعليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قال: هذه أول سورة نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم.
كما وردت آثار أخرى بهذا المعنى مثال ذلك ما جاء فى رواية الزهرى: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان بحراء إذ أتى الملك بنمط من ديباج مكتوب فيه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) إلى ما لَمْ يَعْلَمْ (5)[العلق] والنمط: هو الثياب، والديباج: هو الحرير.
فهذا هو القول الأول الذى يرى بهذه الأدلة أن أول ما نزل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)، والأدلة كما نرى قوية فهى روايات وشهادات موثقة وصحيحة فيها التصريح بذلك ونزداد يقينا بصحة هذا القول عند ما نعرض الأقوال الأخرى من باب الأمانة العلمية، وحتى لا يبقى فى النفس شىء.
فأما القول الثانى: فيرى أن أول ما نزل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ودليل هذا القول ما رواه الشيخان عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «سألت جابر بن عبد الله: أى القرآن أنزل قبل؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت: أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وفى رواية نبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنى جاورت بحراء فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى زاد فى رواية: «فنوديت فنظرت أمامى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو- يعنى جبريل- قاعد وفى رواية جالس على عرش بين السماء والأرض فأخذتنى رجفة فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثرونى، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)[المدثر].
وهذا الحديث الذى ذكره جابر بن عبد الله رضي الله عنه فيه ما يشير إلى أن رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم للملك جبريل لم تكن الأولى فكلمة «فإذا هو» تدل على أنه يشير إلى أنه الملك الذى جاء مرة قبل ذلك بغار حراء فيكون ما نزل فى هذه المرة قد سبق بغيره، ونقل جابر بن عبد الله هذا على أنه أول ما نزل بإطلاق، ولكنه أول ما نزل بعد فترة الوحى. والذى يرجح ما نقول به ما جاء فى رواية جابر بن عبد الله نفسه رضي الله عنه ورواها الشيخان كذلك وفيها: «فبينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى قبل السماء فإذا الملك الذى جاء بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فجثثت حتى هويت إلى الأرض (أى ثقل جسمى عن القيام من الخوف) فجئت أهلى فقلت: دثرونى فدثرونى فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ
فَكَبِّرْ (3) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)[المدثر].
والظاهر من هذا أن جابرا رضي الله عنه سمع الرسول الكريم وهو يحدث عن فترة الوحى وفاته ما ذكرته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه فى القول الأول، وإن كان ذلك اجتهادا منه رضي الله عنه فإن النص مقدم على الاجتهاد وعلى ذلك يبقى القول الأول أصح.
وأما القول الثالث: فيرى أصحابه أن أول ما نزل سورة الفاتحة ودليلهم على ذلك ما رواه البيهقى في الدلائل بسنده عن أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: «إنى إذا خلوت وحدى سمعت نداء فقد والله خشيت على نفسى أن يكون هذا أمرا» قالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك، إنك لتؤدى الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه لها وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة فانطلقا فقصا عليه فقال: «إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفى
يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربا فى الأفق»، فقال: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول. ثم ائتنى فأخبرنى. فلما خلا ناداه يا محمد قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) حتى بلغ: وَلَا الضَّالِّينَ (7)[الفاتحة]. وهذا الحديث مرسل سقط من سنده الصحابى فلا تقوى على معارضة حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فى القول الأول وهو مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: ليس فيه ما يتعارض مع القول الأول فإنه يفهم من هذه الرواية أن الفاتحة لم تسبق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ لأن ذهاب الرسول مع أم المؤمنين خديجة إلى ورقة كان عقب نزول اقرأ والذهاب هنا مع أبى بكر بعد هذه المرة الأولى وبعد سماع الصوت من الخلف ويبقى القول الأول أصح الأقوال.
القول الرابع: تناولنا فيما سبق ثلاثة أقوال فى تحديد أول ما نزل من القرآن الكريم الأول: وهو أصحها اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1).
الثانى: يا أيها المدثر.
الثالث: سورة الفاتحة.
وناقشنا أول هذه الأقوال ورجحنا أدلة القول الأول، ونتابع الآن القول الرابع فى تحديد لأول ما نزل. فيرى أصحاب هذا القول أن أول ما نزل «بسم الله الرحمن الرحيم» ودليلهم ما أخرجه الواحدى بسنده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن «بسم الله الرحمن الرحيم» وأول سورة «اقرأ» ومن وجهة النظر الحديثية نرى
أن الحديث هنا لا يقوى- أيضا- على معارضة حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والمرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم: لأن الحديث هنا مرسل كذلك.
الأمر الثانى: إن البسملة كانت تنزل صدرا لكل سورة إلا ما استثنى كسورة التوبة، وعلى ذلك نقول: إنها نزلت مع ما نزل من صدر سورة «اقرأ» ولا يعد نزولها مستقلا يقال به ليعارض القول الأول، وبناء على ذلك نرجح القول الأول الذى يرى بالأدلة الصحيحة أن أول ما نزل هو قوله تعالى:«بسم الله الرحمن الرحيم» اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5)[العلق].
وقبل أن نتدبر أول ما نزل نكمل القول فى آخر ما نزل، ثم نتناول ما يتعلق بترتيب الآيات والسور حتى يصبح الأمر واضحا، عند ما نتتبع تاريخ نزول الآيات بعضها إثر بعض، والثمرات التى نجنيها من ذلك، وكيف أن الترتيب الذى تم بتوقيف النبى صلى الله عليه وسلم والذى عليه المصحف الآن مظهر من مظاهر الإعجاز القرآنى، حيث بظهر الأحكام والوحدة العضوية مع النزول المفرق والممتد مع حياة النبى صلى الله عليه وسلم فى الدعوة.
آخر ما نزل: فأما ما قيل فى آخر ما نزل فقد وجدنا كذلك مجموعة من الأقوال بأدلتها نذكرها ونناقش أدلتها ونرجح ما نراه قويا منها.
الأول: يرى أن آخر ما نزل قول الله تعالى فى سورة البقرة: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) أخرجه النسائى من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك أخرج ابن أبى حاتم قال: «آخر ما نزل من القرآن كله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
…
الآية وعاش النبى صلى الله عليه وسلم بعد نزولها تسع ليال، ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول.
وهذا القول وإن لم يكن مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم إلا أن ما ذكر فيه من الجانب التاريخى والذى يؤكد أن النبى صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزولها تسع ليال يرجح هذا القول على ما سيأتى من أقوال.
الثانى: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قول الله تعالى فى سورة البقرة كذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) وأخرجه البخارى عن ابن عباس وأخرجه البيهقى عن ابن عمر رضي الله عنهما.
الثالث: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى من سورة البقرة أيضا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
…
إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وهى آية الدين، وهى أطول آية فى القرآن الكريم. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين.
وأخرج أبو عبيد فى الفضائل عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين.
هذه أقوال ثلاثة جمع بينها السيوطى رحمه الله بقوله: إن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها فى المصحف؛ لأنها فى قصة واحدة فأخبر كلّ عن بعض ما نزل بأنه آخر.
ولكن كما ذكر فى القول الأول أن آخر هذه الثلاثة نزولا قول الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)[البقرة] فضلا عن الجانب التاريخى الذى أشرنا إليه نجد المعنى مع ختام الوحى القرآنى فى تهيئة الناس للاستعداد لليوم الآخر الذى يرجع فيه الناس إلى الله لتوفى كل نفس ما كسبت بالقسط.
الرابع: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى فى سورة آل عمران:
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
…
[آل عمران: 195] الآية ودليلهم على هذا ما أخرجه ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ
…
إلى آخرها، وذلك أنها قالت يا رسول الله: أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فنزلت: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
(32)
[النساء] ونزلت: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [الأحزاب: 35] ونزلت هذه الآية، فهى آخر الثلاثة نزولا، وآخر ما نزل بعد ما كان ينزل فى الرجال خاصة.
وهذا القول لا يفيد أن هذه الآية آخر ما نزل بإطلاق، وإنما كما هو واضح من الرواية أنها آخر ما نزل فى موضوع بعينه، وهو موضوع مخاطبة القرآن الكريم للنساء.
الخامس: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93)[النساء]، ودليلهم على ذلك ما أخرجه الإمام البخارى وغيره عن ابن عباس قال: هذه الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وهي آخر ما نزل، وما نسخها شىء، وواضح من قول ابن عباس رضي الله عنهما: وما نسخها شىء أنه يتحدث عن موضوع معين وهو موضوع قتل المؤمن عمدا، وأن هذه الآية آخر ما نزل فيه وليست آخر ما نزل بإطلاق.
السادس: يرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: 176]. وهي خاتمة سورة النساء، وأن آخر سورة نزلت سورة:«براءة» ودليل هذا القول ما يرويه البخارى ومسلم عن البراء بن عازب أنه قال: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، وآخر سورة نزلت «براءة» .
ويرد على هذا بحمل الخبر المذكور على أن الآية- هنا- آخر ما نزل فى موضوع المواريث وليست آخر ما نزل بإطلاق، وأن السورة كذلك آخر ما نزل فى شأن تشريع القتال والجهاد فكلاهما آخر بالنسبة إلى موضوع خاص وليس بإطلاق.
السابع: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل «سورة المائدة» ودليلهم رواية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أخرجها الترمذى والحاكم ولكنها أيضا آخر ما نزل فى الحلال والحرام فلم تنسخ فيها أحكام وليست الآخر بإطلاق.
الثامن: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل خاتمة سورة براءة: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [128] إلى آخر السورة ودليلهم ما رواه الحاكم، وابن مردويه عن أبى بن كعب، ولكن يجاب عن ذلك أيضا بأنها آخر ما نزل من سورة «براءة» وليس الآخر المطلق. ويؤيد ذلك ما قيل من أن هاتين الآيتين مكيتان بخلاف سائر السورة.
التاسع: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل آخر سورة الكهف: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ودليلهم ما أخرجه ابن جرير عن معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه ورد ابن كثير على ذلك بقوله: هذا أثر مشكل، ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها، ولا غير حكمها، بل هى مثبتة محكمة فهو آخر مقيّد وليس بإطلاق.
العاشر: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل سورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
ودليلهم ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه ولكن يرد على ذلك بأن هذه السورة آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبى صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا ما روى عن أنه صلى الله عليه وسلم قال حين نزلت:«نعيت إلىّ نفسى» . وفهم بعض كبار الصحابة ذلك كما ورد وأن عمر رضي الله عنه بكى حين سمعها وقال: الكمال دليل الزوال، كما يحتمل كذلك أنها آخر ما نزل من السور فقط، ويدل على ذلك رواية ابن عباس: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)[النصر].
الحادى عشر: يرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: 3] من سورة المائدة ودليلهم على ذلك أنها منبئة بكمال الدين وتمام النعمة، ولأن إكمال الدين لا يكون إلا بأن تتم الأحكام والشرائع، ولا يكون هذا إلا بتمام نزول القرآن، ولكن يجاب عن هذا بأن هذه الآية الكريمة نزلت فى يوم عرفة فى حجة الوداع بالسنة العاشرة من الهجرة، وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ببضع وثمانين ليلة، فإذا تذكرنا ما قلناه سابقا من أن قوله تعالى:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)[البقرة] قد عاش النبى صلى الله عليه وسلم بعد نزولها تسع ليال ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول عرفنا أن الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ليست آخر ما نزل وترجح أن قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ هى آخر ما نزل، وأما تأويل إكمال الدين وإتمام النعمة فهو إنجاحه وإقراره وإظهاره على الدين كله ولو كره الكافرون، ولا شك أن الإسلام فى حجة الوداع قد ظهرت شوكته وعلت كلمته على كلمة الشرك وضربه الكفر وجنده، والنفاق وأهله حتى لقد أجلى المشركون عن البلد الحرام ولم يخالطوا المسلمين فى الحج والإحرام. قال ابن جرير فى تفسير الآية الكريمة:«الأولى أن يتأوّل على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون» . وأيد هذا التأويل بما رواه عن ابن عباس: قال: «كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا فلما نزلت سورة «براءة» نفى المشركون عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم فى البيت الحرام أحد من المشركين. فكان ذلك من تمام النعمة». وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: 3].
وبعد تحديد أول ما نزل وآخر ما نزل، وقبل أن نرتع فى رياض الجنة بتتبع نزول الآيات القرآنية الكريمة من قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5)[العلق]، إلى قوله جل شأنه: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)[البقرة] نتناول قبل هذا التتبع مسألة جديرة بالذكر والدراسة وهى ما يتعلق بالآيات القرآنية الكريمة والسور من جهة معنى الآية، وطريقة معرفتها، وترتيب الآيات فى المصحف، وتقديم الأدلة على كونه توقيفيا، ودلالة ذلك على الإعجاز القرآنى فى النزول المفرق والترتيب المعجز، وكذلك نتعرف على معنى السورة، وأقسام السور، وهل هو توقيفى؟ ومناقشة ما يتعلق بذلك من أقوال، وذلك لندرك الغاية من تتبعنا لتاريخ نزول الآيات الكريمة
والسور، ومطالعة صفحات التنزيل المشرقة، وكيف عالج القرآن الكريم أمة كانت ضالة فهداها الله، وكانت جاهلة فعلمها، وكانت فى ظلمات فأخرجها إلى النور، وكانت خاملة الذكر فأحياها وجعلها خير أمة أخرجت للناس؟ وكيف تم هذا خطوة خطوة؟ وكيف أعطيت التوجيهات، وتفاعل الناس معها فى كل الشئون؟ كما نقف فى الوقت نفسه على الإحكام بعد هذا التنزيل فى الترتيب القرآنى لآياته وسوره.