الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة «الشمس»
وهى مكية بلا خلاف نزلت بعد سورة القدر، لتفتح النفوس على ما يزكيها، فتبدأ السورة الكريمة بالقسم، والقسم- هنا بآيات كونية باهرة لها صلة وثيقة بما تضمنته السورة من مسألة جديرة بالعناية والاهتمام، إنها مسألة تزكية النفس التى تقترن بفلاح صاحبها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) فالفلاح والخيبة مرتبطان بتزكية النفس ودسّها والنجاة من دسها وسبيل تزكيتها فى وحى الله الذى جاء ذكره ووصفه فى السور القريبة السابقة فى سورة النجم وفى سورة عبس وفى سورة القدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند ربه يقوم بهذه التزكية: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)[آل عمران].
وإذا كانت الشمس فى ضوئها وإشراقها يتلوها قمر له ضياؤه ونوره، ويجليها نهار، ويغشاها ليل فيذهب بضوئها، فإنها آيات باهرة تغمر الإنسان وتحيط به وينعم بها وتورث فى نفس المتأمل لها الحبّ لبارئها والخشية منه وفى الوقت نفسه تنبه له أن نفسه يعتورها من الحالات ما تكون معها نفسها زكية، وما تكون معها نفسا خبيثة فليتعرف على طريق التزكية، ومنها: الإقبال على آيات الله القرآنية ليعمل بها ويزكى بها نفسه، وعلى آيات الله الكونية فيتأملها ومنها: مع الآيات السابقة السماء والأرض وآيات القدرة فيها من البناء والبسط، وليستعين بالله فى ذلك على تزكية نفسه كما كان يقول رسول الله فى دعائه:«اللهم آت نفسى تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» يقول الله تعالى فى بيان ذلك: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (2) وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (4) وَالسَّماءِ وَما بَناها (5) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (6) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10).
وفى هذا بيان مبكر أيضا للإنسان بمسئوليته عن نفسه، وأنها مهيأة للطريقين ومن فضل الله على الإنسان أن يسر له سبل التزكية وأعان من سلكها، فالنفس خلقت فى
البداية سويّة قال ابن كثير رحمه الله فى قوله تعالى: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) أى خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: 30] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهمة بهمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» أخرجاه من رواية أبى هريرة، وفى صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل:
إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» «1» ولكى يعينهم الله على شياطينهم أرسل إليهم رسولا كريما يتلو عليهم آياته ويزكيهم وأرشدهم الله وبين لهم الخير والشر ورغبهم فى الخير وأثابهم عليه وحذرهم من الشر، وعاقبهم عليه.
ومن بين هذه المحاذير التى تعين على سبيل التزكية وتبعد عن طريق الفجور والمعصية أن يقدم الذكر الحكيم، وفى هذه السورة تجارب السابقين، وما صنعوا، ومن هذه التجارب إهمال الناس للعابثين والمفسدين حتى يجر عليهم هؤلاء العابثون الويل والدمار والخراب وهذا المعنى يذكر فى هذا الوقت لينبه إلى الزعامات الضالة التى تولت الصدّ عن سبيل الله، وتعذيب المؤمنين والجرأة على أموالهم وأعراضهم ونفوسهم كنموذج الذى تولى فى سورة النجم ونموذج من استغنى فى سورة عبس. وكيف أن هؤلاء يكونون مصدر بلاء وخطر شديد على أقوامهم يقول الله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) وَلا يَخافُ عُقْباها (15).
فثمود كذبت رسولها بطغيانها وتكبرها وعتوها. ولم يعبئوا بقوله وتحذيره، وتجرءوا على مخالفة أمره، وانتدبوا لهذه الجرأة عزيزا فيهم فعقر الناقة، فأطبق عليهم العذاب. يقول ابن كثير رحمه الله فى قوله تعالى: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) أى أشقى القبيلة وهو قدار بن سالف عاقر الناقة وهو أحيمر ثمود وهو الذى قال الله تعالى: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (29)[القمر] الآية وكان هذا الرجل عزيزا فيهم شريفا فى قومه نسيبا رئيسا مطاعا كما قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا هشام عن أبيه عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذى عقرها فقال:
«إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) انبعث لها رجل عارم عزيز منيع فى رهطه مثل أبى زمعة» ورواه البخارى فى التفسير ومسلم فى صفة النار والترمذى والنسائى فى التفسير من سننهما وكذا ابن جرير وابن أبى حاتم «2» .
(1) ابن كثير 4/ 515، 516.
(2)
ابن كثير 4/ 517.