الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة «الفجر»
ومع روضة جديدة من روضات القرآن الكريم مع سورة الفجر، والتى نزلت بعد سورة الليل فهى مكية، وتبدأ بهذا القسم الذى يفتح العيون والعقول والقلوب على آيات الله الكونية فى هذا التتابع القرآنى الكريم فى مجموعة من السور المباركة وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) الَّذِينَ
طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
(14)
.
فآيات الفجر بنوره وظهوره ووضوحه، والليالى العشر التى تؤثر كذلك بصنوف من العبادات فهى عشر ذى الحجة على ما ذكر ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقد جاء فى صحيح البخارى عن ابن عباس مرفوعا:«ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام- يعنى ذى الحجة» قالوا:
ولا الجهاد فى سبيل الله، قال:«ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» «1» ، والشفع والوتر يتصلان بهذا المعنى الزمنى المنير فى قول ابن عباس وعكرمة والضحاك حيث قالوا: إن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع وإن الشفع يوم النحر لكونه العاشر.
ثم يأتى ذكر الليل إذا يسر، أى إذا ذهب، ذكر ذلك العوفى عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال عبد الله بن الزبير حتى يذهب بعضه بعضا. فالآيات التى ذكرت هنا مقترنة بالوضوح، والنور الذى تتجلى فيه الرؤية الصائبة للأمور، إنه النور الحسى فى الفجر وضيائه، والنور المعنوى فيما يكون مع الفجر والليالى العشر والشفع والوتر من عبادات تنير القلوب؛ ليأتى بعد القسم بهذه الآيات بيان المقسم عليه، وتفضله والذى يتمثل فى مجموعة من القضايا المتعلقة بالطغيان والفساد والتظالم بين العباد، والمتعلقة كذلك بنظرة الإنسان إلى ما يصيبه من حقائق الابتلاء، وموقفه من البسط والقبض فى الرزق،
(1) ابن كثير 4/ 505.
وكذلك ما يتعلق بالسلوك الاجتماعى مع ضعاف الناس، وتقويم السلوك الإنسانى بتذكر المصير والرجوع إلى الله سبحانه، وبيان حالة النفس الراضية المرضية.
ويكون التعليم فى هذه القضايا بأساليب قرآنية كريمة منها ما يتصل بعرض نماذج الفساد والطغيان السابقة والتى وقعت فى الأمم، وكان مصيرها الهلاك، ولا يخفى ذلك على ذى لب، فإن كان المشركون فى عنادهم وتحديهم يرون أنهم فى قوة فقد كان الطغاة قبلهم أشد منهم قوة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (16) وهؤلاء كانوا متمردين عصاة جبارين عن طاعة الله مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه فانظر كيف أهلكهم الله ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرا. ونجى الله رسوله هودا من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلك الآخرين ب صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (6) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (8)[الحاقه].
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التى ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس فى زمانهم خلقة وأقواهم بطشا، ولهذا ذكرهم نبيهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها فى طاعة ربهم الذى خلقهم فقال:
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)[الأعراف] وقال تعالى: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: 15] والنموذج الآخر من الطغيان يتمثل فى ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، يعنى يقطعون الصخر بالوادى، وهذا دليل قوة.
قال تعالى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149)[الشعراء]، والنموذج الثالث: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) فكان يوتد الناس بالأوتاد تعذيبا لهم على ما ذكر مجاهد فهؤلاء يمثلون نماذج من الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فانظروا إليهم وانظروا كيف أنزل الله عليهم رجزا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين. فلا يحسبن هؤلاء أن الله غافل عن المجرمين إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14) يسمع ويرى ويرصد خلقه فيما يعملون ويجازى كلا بسعيه، فى الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلا بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور.
وعلى ذلك يكون تعليم الناس بتقديم النماذج المعاصرة، والتى تمثل الجوانب المظلمة فى حياة الناس وكذلك بعرض النماذج المشرقة كما مر بنا فى السورة الكريمة السابقة، ويكون أيضا بتقديم النماذج من الأمم السابقة كما رأينا فى سورة الفجر، وذكر النماذج السابقة يفيد أكثر من معنى فى التربية والتوجيه، فمن هذه المعانى: ما يتصل بإعجاز ذلك الكتاب حيث يخبر عن أحوال أقوام، وليس من مصدر للمعرفة التعينية عن هؤلاء إلا ما يخبر الله سبحانه وتعالى به وخاصة فى هذه الفترة المكية، ومنها: وقوف الناس على تجارب واقعية للفساد والصلاح؛ لينظروا إليها نظرة الناقد المستعيد، والذى استعرض ما سبق من أحداث على نفسه، وهل يرضى أن يكون على حالة من سبق فى الفساد أو فى الصلاح.
الأمر الأخير فى وقوف الناس على نتائج المواقف السابقة والتى تحققت فعلا فى هلاك المفسدين مع قوتهم، وفى نجاة المؤمنين المطيعين.
فالتعليم- إذن- أخذ أسلوب تقديم تجارب السابقين فى سورة الفجر ونتابع إن شاء الله بقية المعانى على ترتيبها فى النزول المبارك فى الجزء القادم.
ومن المعانى التى تضمنتها «سورة الفجر» ما جاء فى قوله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) وتعالج هذه الآيات الكريمة جوانب نفسية فى حياة الإنسان ونظرته إلى ما يصيبه فى الحياة من خير أو شر. فتبين الآيات للناس أنهم مبتلون من ربهم وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35] فليكن الإنسان على بصيرة من حقيقة الابتلاء حتى يفوز فى جانبيه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ [البقرة:
155] فالابتلاء يتعرض له البشر.
والمعنى الثانى: يصحح خطأ يقع فيه الإنسان نتيجة حبه الشديد للمال إذ يعتبره مقياسا لإكرام الله له، أو إهانته إياه. وهذا غير صحيح فالبسط والقبض للاختبار.
قال تعالى فى جانب الإمداد بالمال للإنسان: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56)[المؤمنون] وكذلك فى الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه فى الرزق يعتقد أن ذلك من الله سبحانه إهانة له، قال الله
تعالى: كَلَّا أى ليس الأمر كما زعم لا فى هذا ولا فى ذاك فإن الله تعالى يعطى المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار فى ذلك على طاعة الله سبحانه فى كل من الحالين إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرا بأن يصبر. وإكرام الله لعبده يأتى فى استجابة العبد لأمر ربه، فمن جهة المال يكون الإنسان فى موضع التكريم عند ما يكرم ضعاف الأمة وضعاف الجماعة متمثلين فى اليتامى الذين فقدوا آباءهم، ووقعوا فى دائرة الحاجة المالية والعطف النفسى، ومواجهة السورة الكريمة الناس بالتقصير فى هذا الجانب، وأنهم لا يكرمون اليتيم لشدة تعلقهم بالمال حيث يأكلون التراث أكلا لما أى: لا يبقون على شىء من ولائهم يحبون المال حبا شديدا- مواجهتهم بذلك قد تخفف من حدة هذا التعلق فيعرفون واجبهم نحو اليتامى، وكذلك نحو الضعاف الآخرين من المساكين فيصلون إلى التكريم إن أرادوا التخلص من أخلاق الجاهلية والتحلى بأخلاق الإسلام، روى عبد الله بن المبارك عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم:«خير بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه- ثم قال بإصبعه- أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا» وفى رواية أبى داود عن سهل يعنى ابن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهاتين» . وقرن بين إصبعيه الوسطى والتى تلا الإبهام.
ولما كان حب المال جما، ولما كانوا يأكلون التراث أكلا، لما وكانت آثار هذا الحب فى عدم إكرام اليتيم، وعدم الحض على طعام المسكين كان الأسلوب القرآنى الحكيم لمعالجة ذلك فى التهديد والوعيد الشديد واستحضار جلال الموقف العظيم فقال تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30).
فتخبر السورة الكريمة عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة فأمام الناس يوم عظيم وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال، وما عليها يسوى، ويجيء الله سبحانه لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما يسألون أولى العزم من الرسل واحدا بعد واحد فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهى النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها، أنا لها» فيذهب فيشفع عند الله تعالى فى أن يأتى لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى فى ذلك، وهى
أولى الشفاعات وهى المقام المحمود، فيجىء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ قال الإمام مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» فهذه الصورة المهيبة التى يطالعها الإنسان فى سورة الفجر وكأنه يشاهدها رأى عين عندها يتذكر الإنسان عمله وما كان أسلفه من خير أو شر، ولكن يومئذ هل تنفعه الذكرى؟ ساعتها سيندم على ما كان سلفا منه من المعاصى إن كان عاصيا، وسيودّ- أيضا- لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعا. كما قال الإمام أحمد- رحمه الله فيما يرويه عن محمد بن عمرة «1» ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت فى طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه ردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب.
فيومئذ ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله سبحانه من عصاه، وليس أحد أشد قبضا من الزبانية لمن كفر بربهم عز وجل.
وهذا العرض القرآنى يزجر الناس ويعينهم على الخلاص من أدران الجاهلية ومن الإجرام والظلم والاستقامة على صراط ربهم المستقيم، وتكتمل هذه الصورة بما يحفز أصحاب النفوس الزكية المطمئنة التى تستقبل وحى ربها لتسير عليه، وتدور مع الحق حيث دار، عند ما يوجه إليهم هذا الخطاب الكريم الذى يغمر النفس بالسعادة والهناء والرضى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفى يوم القيامة.
وقال ابن أبى حاتم فيما يرويه عن ابن عباس رضي الله عنهما فى قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال:«أما إنه سيقال لك هذا» «2» وروى الحافظ ابن عساكر فى ترجمة رواحة بنت أبى عمرو الأوزاعى عن أبيها حدثنى سليمان ابن حبيب المحاربى حدثنى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «قل اللهم إنى أسألك نفسا بك مطمئنة تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك» .
(1) ابن كثير 4/ 510.
(2)
ابن كثير 4/ 510، 511.