الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة «الضحى»
ومع روضة جديدة من روضات القرآن الكريم مع سورة الضحى التى نجد فيها الخطاب الرحيم من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم بعد فترة للوحى، وانقطاع زاد فيه حنين رسول الله صلى الله عليه وسلم لنزول جبريل بوحى ربه الذى تشرق به الحياة، والذى به يخرج الناس.
من الظلمات إلى النور، وكان هذا الانقطاع فرصة للمشركين أن يتقولوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يقولوا: إن ربّ محمد قلاه فنزلت سورة «الضحى» الكريمة بردا وسلاما على رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره وتخبر الناس بما له عند ربه، وما يدخره له، وما كان من فضل الله عليه، والذى لا يحرمه منه أبدا.
ذكر الإمام أحمد فيما يرويه عن جندب قال: اشتكى النبى صلى الله عليه وسلم فلم ينم ليلة أو ليلتين فأتت امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله عز وجل:
وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11). رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن أبى حاتم وابن جرير من طرق عن الأسود بن قيس عن جندب هو ابن عبد الله البجلى. وفى رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس سمع جندبا قال: أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون: ودع محمدا ربه فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3).
وقال العوفى عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أبطأ عنه جبريل أياما فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، والليل إذا سجى أى: سكن وأظلم وادلهمّ. وفى هذا القسم استمرار بالتذكير بهذه الآيات الكونية العظيمة التى جاءت فى السور السابقة من الليل والفجر فهنا القسم بالضحى، وما جعل الله فيه من النور والليل إذا أقبل وسكن وأظلم؛ لينظر الناس فى هذه الآيات؛ ولينظروا أيضا فى نعمة الله عليهم فى تنوير بصائرهم وهدايتهم للتى هى
أقوم بما كان ينزل من سورة القرآن الكريم، وكيف يقع الناس فى الظلمات إذا انقطع عنهم وحى الله وحرموا منه. وأما فترة انقطاع الوحى فليست كما زعم المشركون من ترك الله له، أو إهماله إياه أو بغضه له. بل يتنزل الوحى بأمر الله وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: 64] وفى الوقت الذى يشاء وبالأمر الذى يريد سبحانه: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ أى ما تركك، وَما قَلى أى وما أبغضك، فهذه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما، وهذه مكانته عند ربه فهو معه يحفظه ويكلؤه ويحبه دائما. وهذا رد على المشركين فيما مضى من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما فيما يستقبل فالآخرة خير لك من الأولى، فكل حالة متأخرة من أحوالك فإن لها الفضل إلى الحالة السابقة فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتفع فى درجات الصعود والتمكين له والنصر على أعدائه حتى لقى ربه.
وكذلك ما يكون من أمر حياته فى الآخرة فهى خير له من الأولى؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد الناس فى الدنيا وأعظمهم لها إطراحا كما عرف من سيرته، ولما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آخر عمره بين الخلد فى الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله عز وجل اختار ما عند الله على هذه الدنيا، روى الإمام أحمد- رحمه الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر فى جنبه فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما لي وللدنيا، إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» ورواه الترمذى وابن ماجة من حديث المسعودى، وقال الترمذى: حسن صحيح. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5) وهذا عطاء جامع يشمل كل ما يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرضى الخير لأمته فى الدنيا والسعادة لهم فى الآخرة، وفيما أعد له من الكرامة.
ومن دلائل إكرام الله لرسوله صلى الله عليه وسلم والتى يشاهدها الناس من المؤمنين ومن المشركين الحاقدين ما ذكره الله سبحانه: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6) فقد توفى أبوه وهو فى بطن أمه، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان فى كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفى وله من العمر ثمانى سنين، فكفله عمه أبو طالب ثم لم يزل يحوطه بنصره ويرفع من قدره، ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره المبارك. هذا وأبو طالب على دين قومه، كل ذلك بقدر الله وتدبره الحسن الجميل، إلى أن توفى أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم
عليه سفهاء قريش وجهالهم فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار، إلى المدينة المنورة كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل فلما وصل إليهم آووه ونصروه وقاتلوا بين يديه رضى الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) وذلك مثل قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [الشورى: 52]، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) أى كنت فقيرا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه، فجمع الله له بين درجتى الفقير الصابر والغنى الشاكر. وفى ذلك قدوة لكل أفراد أمته ممن يكون فقيرا، وممن يكون غنيا فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد.
ونتابع ما تضمنته سورة الضحى من المعانى الكريمة على ترتيب نزولها، فبعد أن ذكر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بما منّ عليه من نعم ظاهرة وباطنة تدل على إكرامه له وعنايته به ورعايته له، وحبه إياه رادا على قول المشركين وزعمهم أن ربه قلاه. تتناول السورة الكريمة معانى جليلة تتلاءم مع النعم المذكورة من ناحية، ولا غنى للناس عنها من ناحية أخرى فترسيها السورة فى نفوس المؤمنين، ليؤسسوا أمتهم على مكارم الأخلاق وحسن الصفات والتكافل الصحيح فى الجوانب المادية والمعنوية،
وهذا الربط بين ذكر النعم الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الأوامر الربانية فى السورة من قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) ربط يعين الناس على تحقيق هذه الأوامر.
فقد رأوا هذه الحالات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحالة اليتم- مثلا- وجدوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نشأته وعرفوا ما منّ الله به عليه وهو اليتم حتى أصبح قلبه يسع الجميع حبا ورحمة ولينا وعطفا فلا ينبغى- إذن- أن يستمر الناس فيما هم عليه من أمر الجاهلية فى النظر إلى اليتيم نظرة القهر والازدراء والضعف حتى يشعره الناس بأنه منبوذ وأنه ضعيف وأنه لا مجال له فى الحياة بعد أن فقد سنده من الأبوة الحانية. إن تذكير الرسول صلى الله عليه وسلم بحالة اليتم وإيواء الله له، وهو سيد ولد آدم رفع لمكانة اليتيم فى نظر الناس وأنه لا يجوز لهم أن يضعوه موضع الامتهان، أو أن يحتقروه ولا يتوقعوا منه خيرا. وما رآه الناس من هذه النعمة، وما جعل الله على يد رسوله من الرحمة والخير
للعالمين يؤكد النظرة الجديدة التى ترسيها سورة الضحى ثم يأتى الأمر الملزم والموجه إلى الرسول الكريم والمؤمنين: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وهذا النهى عن قهر اليتيم قمة التكافل الاجتماعى الذى يتناول الجوانب المادية الظاهرة والجوانب المعنوية كذلك.
فلا يجوز للأمة المسلمة أن تعرض اليتامى الذين حرموا من عطف آبائهم إلى الشعور بالذلة أو الإهانة بسبب يتمهم بل يكونوا لهم آباء حتى إذا حرم اليتيم من أب وجد له من أمته آباء رحماء يمسحون على رأسهم عطفا وحنانا، ويقومون على رعايتهم إنفاقا وإشباعا لحاجاتهم المادية. وهذا رفع لما يمكن أن يقعوا فيه من القهر بسبب اليتم.
وهذا ما فهمه علماؤنا من هذا الأمر الكريم قال قتادة فى تفسير ذلك: كن لليتيم كالأب الرحيم. وقال ابن كثير: أى كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم أى لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف له «1» . وفى هذا علاج لعدد كبير من أبناء الأمة، وتخفيف من حدة الأثرة وحب الذات التى كانت أبرز سمات الجاهلية، إنها توجيه إلى التفكير فى الآخرين وخاصة فى الضعفاء منهم، والإحساس بهم والشعور الكريم نحوهم. وفى الوقت نفسه حماية للأمة من فساد يمكن أن تقع فيه بإهمال هذا الأمر حيث أن إهمال أمر اليتيم وقهره يجعل منه عضوا حاقدا على أمته، لم تكتمل فيه معانى العطف والرحمة، إلا من رحمه الله.
ويؤكد هذا المعنى الإيجابى نحو الآخرين فى الأمر الثانى وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) فاليتيم بحاله فى حاجة إلى مد اليد إليه معنويا وماديا، سأل أو لم يسأل، وليس اليتيم هو الضعيف الوحيد فى الأمة، بل قد يصل الضعف ببعض حالات الأمة التى بدأ بناؤها منذ نزول الوحى إلى حد رفع الصوت بطلب ما يحتاجه الضعيف من الفقراء والمساكين، وهؤلاء أيضا ينبغى أن يكونوا محل عناية الأمة التى تربى على التكافل الصحيح فالأمر بعد الوحى لم يصبح نفسى نفسى، بل صار الخلق الجديد وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) فالمفترض أن السائل لا يسأل إلا عن حاجة وأن المسئول إما أن يكون مستطيعا للوفاء بهذه الحاجة وإما أن يكون عاجزا عن ذلك، وعلى الحالين يربى الإسلام فى أبنائه الشعور المرهف نحو السائلين فمع القدرة تكفى الحاجات، ومع العجز تكون الكلمة الطيبة والوعد الحسن حفاظا على ماء الوجوه وصيانة للروابط بين أفراد الأمة، ويأتى هذا الأمر الكريم كذلك فى معرض التذكير بأن الإغناء من الله، وأن
(1) ابن كثير 4/ 523.
الناس فى حالتى الفقر والغنى تحت مشيئة الله وقدره.
وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) فالله يعطى ويغنى. ويتسع هذا الأمر كذلك يشمل الجوانب المادية والمعنوية فقد يسأل السائل عن فقر، وقد يسأل عن جهل ليتعلم، وقد يسأل عن ضلالة ليهتدى، وعلى كل الأحوال ينهى ربنا تبارك وتعالى عن نهر السائل فى كل أحواله: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10).
وبعد النهيين السابقين، النهى عن قهر اليتيم، والنهى عن نهر السائل يأتى الأمر فى قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) لإشاعة الخير والنعم فى الناس ومنها النعم السابقة والتحدث بنعم الله سبحانه فيه اعتراف بما أنعم الله به على الإنسان وهذا يزيد الإنسان حبا للمنعم سبحانه، ورغبة فى طاعة أمره، وفيه حث على شكر هذه النعمة وتصريفها فى الوجوه التى ترضى من تفضل بها سبحانه، وهذا المعنى يتفق مع الدعاء النبوي المأثور:«واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا» .
وذكر ابن جرير عن أبى نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها.
كما يدخل فى هذه النعم ما يوفق الإنسان إليه من فعل الخيرات وأعظمها الدعوة إلى الله سبحانه قال الحسن بن على رضي الله عنهما: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) قال: ما عملت من خير فحدث إخوانك، وقال محمد بن إسحاق: ما جاءك من الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها وادع إليها «1» .
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
(1) ابن كثير 4/ 523، 524.